الباحث القرآني

قوله تعالى ذكره: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾. إلى قوله: ﴿وَكُنْتُمْ مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾. أي: فمن ثقلت موازين حسناته، وخفت موازين سيئاته فأولئك هم الباقون في النعيم، ومن خفت موازين حسناته وثقلت موازين سيئاته ﴿فأُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنفُسَهُمْ﴾، أي: غبنوا أنفسهم حظها من رحمة الله في جهنم، ﴿خَالِدُونَ﴾ أي ماكثون ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ﴾ أي: تنفح وجوههم النار. * * * ثم قال: ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾. قال ابن مسعود: "الكالح": الذي قد بدت أسنانه، وتقلصت شفتاه، كالرأس المشيط بالنار. وقال ابن عباس: "كالحون" عابسون. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: تشوي أحدهم النار فتقلص شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه وتسترخي شفته السفلى حتى تضرب سرته قال الحسن: لفحتهم النار لفحة، فلم تدع لحماً ولا جلداً إلا ألقتهُ عند العراقيب وبقيت العظام بيضاء تلوح. * * * ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾. أي: يقال لهم: ألم تكن آيات القرآن تتلى عليكم في الدنيا فكنتم بها تكذبون. * * * ثم قال: ﴿قَالُواْ رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾. أي: غلب علينا ما سبق في سابق علمك وخط لنا في أم الكتاب. قال مجاهد: شقوتنا التي كتبت علينا. قال ابن جريج: بلغنا أن أهل النار نادوا خزنة جهنم أن ﴿ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِّنَ ٱلْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٩] فلم يجيبوهم ما شاء الله، فلما أجابوهم بعد حين قالوا: ﴿فَٱدْعُواْ وَمَا دُعَاءُ ٱلْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ﴾ [غافر: ٥٠]. قال: ثم نادوا مالكاً: ﴿يٰمَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: ٧٧] قال: فسكت عنهم مالك خازن جهنم أربعين سنة ثم أجابهم فقال: ﴿إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧]، ثم نادى الأشقياء ربهم فقالوا: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَآلِّينَ﴾ ﴿رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾: قال: فسكت عنهم مقدار الدنيا، ثم أجابهم بعد ذلك ﴿ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ﴾. وروى أن لأهل جهنم أربع دعوات، أولها ما حكى الله جل ذكره في غافر من قولهم: ﴿قَالُواْ رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا ٱثْنَتَيْنِ فَٱعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ﴾ [غافر: ١١]، والثانية، ما حكى الله عنهم في غافر أيضاً قوله: ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ فِي ٱلنَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِّنَ ٱلْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٩] فأجابتهم الخزنة: ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ﴾، قالوا: "بلى"، قالت لهم الخزنة: ﴿فَٱدْعُواْ وَمَا دُعَاءُ ٱلْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ﴾ [غافر: ٥٠]. والثالثة ما حكى الله تعالى عنهم في الزخرف من قوله: ﴿وَنَادَوْاْ يٰمَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: ٧٧] فأجابهم مالك فقال: ﴿إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧]، والرابعة في قد أفلح: قوله: ﴿رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ فيجيبهم الرب اخسئوا فيها ولا تكلمون، فتصير لهم همهمة كنباح الكلاب. ومعنى: "اخسئوا" ابعدوا من رحمتي وعطفي، يقال: خسأت الكلب، أبعدته، وقال تعالى ذكر، ينقلب إليك البصر خاسئاً" أي مبعداً. وقال محمد بن كعب: بلغني أن أهل النار استغاثوا بالخزنة: ادعوا ربكم يخفف عنا يوماً من العذاب، فردوا عليهم ما قال الله جل ذكره، فلما يئسوا نادوا: يا مالك، وهو عليهم، وله مجلس في وسطها تمر عليه ملائكة العذاب، وهو يرى أقصاها كما يرى أدناها، فقالوا يا مالك ليقض علينا ربك، سألوا الموت فمكثوا لا يجيبهم ثمانين سنة من سني الآخرة، ثم لفظ إليهم فقال: إنكم ماكثون، فلما سمعوا ذلك قالوا: فاصبروا، فلعل الصبر ينفعنا كما صبر أهل الدنيا على طاعة الله قال: فصبروا، فطال صبرهم، فنادوا: ﴿سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ﴾، أي: منجى، فقام إبليس عند ذلك فخطبهم فقال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ﴾ [إبراهيم: ٢٢]، إلى قوله: ﴿أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ﴾ [إبراهيم: ٢٢]، فلما سمعوا مقالته، مقتوا أنفسهم قال فنودوا: ﴿لَمَقْتُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُـمْ﴾ إلى قوله: ﴿مِّن سَبِيلٍ﴾ ... قال فيجيبهم الله جل ذكره فيها: ﴿ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ كَـفَرْتُمْ﴾ إلى ﴿ٱلْكَبِيرِ﴾. قال: فيقولون: ما أيأسنا بعد. قال ثم دعوا مرة أخرى، فيقولون: ﴿رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا﴾... إلى... ﴿مُوقِنُونَ﴾. قال: فيقول الرب: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ إلى قوله: ﴿بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. قال: فيقولون: ما أيأسنا بعد قال: فيدعون مرة أخرى: ﴿رَبَّنَآ أَخِّرْنَآ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ ٱلرُّسُلَ﴾. قال: فيقول لهم: ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوۤاْ أَقْسَمْتُمْ مِّن قَبْلُ مَا لَكُمْ مِّن زَوَالٍ﴾.. الآية. قال: فيقولون: ما أيأسنا بعد ثم قالوا مرة أخرى: ﴿رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ ٱلَّذِي كُـنَّا نَعْمَلُ﴾. قال: فيقول لهم: * * * ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ﴾ من تذكر... ﴿مِن نَّصِيرٍ﴾... قال: ثم مكث عنهم ما شاء الله ثم ناداهم: ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾، فلما سمعوا ذلك قالوا: الآن يرحمنا، فقالوا عند ذلك: ربنا غلبت علينا شقوتنا أي: الكتاب الذي تقدم فيه أنا أشقياء، ﴿وَكُنَّا قَوْماً ضَآلِّينَ...﴾ إلى ﴿... ظَالِمُونَ﴾. فقال لهم عند ذلك: اخسئوا فيها ولا تكلمون قال: فلا يتكلمون فيها أبداً. قال: فانقطع عند ذلك الدعاء والرجاء منهم، وأقبل بعضهم ينبح في وجه بعض، فأطبقت النار عليهم قال عبد الله بن المبارك: فذلك قوله: ﴿هَـٰذَا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ * وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾. وروي عن زيد بن أسلم أن أهل النار لا يتنفسون. وقال أبو الدرداء يلقى على أهل النار الجوع حتى يعدل ما هم فيه من العذاب، فيستغيثون فيغاثون بالضريع ألا يسمن ولا يغني من جوع، فيستغيثون، فيغاثون بطعام ذي غصه، فيغصون به، فيذكرون أنهم كانوا يجيزون الغصص في الدنيا بالشراب، فيستغيثون بالشراب فيرفع إليهم الحميم بكلابيب الحديد، فإذا دنا من وجوههم، شوى وجوههم، فإذا دخل بطونهم، قطع أمعاءهم وما في بطونهم، فيدعون خزنة جهنم، فيقولون لهم: ادعوا ربكم يخفف عنا يوماً من العذاب كالحديث الأول. * * * وقوله: ﴿وَكُنَّا قَوْماً ضَآلِّينَ﴾. أي: ضللنا عن سبيل الرشد وقصد الحق. والشقوة والشقاوة لغتان بمعنى عند الكسائي والفراء. وقيل: معنى ذلك: غلبت علينا لذاتنا وأهواؤنا، فسميت اللذات والأهواء شقوة، لأنهما يؤديان إليها، كما قال: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً﴾. فسمى أكل مال اليتيم ناراً لأنه يؤدي إلى النار. ومعنى: "اخسئوا فيها": تباعدوا تباعد سخط. يقال: خسأت الكلب، إذا زجرته ليتباعد. * * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَآ آمَنَّا فَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَا﴾. أي: كان جماعة من عبادي، وهم أهل الإيمان بالله. قال مجاهد: هم: صهيب وبلال وخباب وشبههم من ضعفاء المسلمين، كان أبو جهل وأصحابه يهزؤون بهم، وكانوا يقولون ربنا آمنا. فاغفر لنا ذنوبنا، أي: استرها علينا وارحمنا وأنت خير من رحم أهل البلاء. ﴿فَٱتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً﴾ أي جعلتم تهزءون منهم. هذا على قراءة من كسر السين ومن ضمها فمعناه فجعلتم تسخرونهم. هذا مذهب أبي عمرو وأبي عبيدة وقطرب. وهو قول الحسن وقتادة. وهما لغتان عند الكسائي والفراء. بمعنى الهزء، فإذا كان بمعنى السخرة والتسخير فهو بالضم لا غير، نحو: ﴿لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً﴾ [الزخرف: ٣٢]، ثم قال: ﴿حَتَّىٰ أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي﴾. أي: لم تزالوا تستهزءون بهم حتى أنساكم ذلك من فعلكم بهم ذكري فألهاكم عنه. قال ابن زيد: أنساهم الاستهزاء بهم والضحك ذكر الله، وقرأ: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: ٢٩]... إلى قوله .. ﴿لَضَالُّونَ﴾ [المطففين: ٣٢]. ومثله في إضافة الفعل إلى غير فاعله قوله ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاس﴾ [إبراهيم: ٣٦] أي: ضل بهن كثير من الناس لم يكن له صنام فعل يضل به الناس. الناس هم الضالون لعبادتهم الأصنام، فكذلك أنسوكم ذكري، لم ينسيهم المؤمنون ذكر الله بل نسوا ذلك، أي تركوه.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.