الباحث القرآني

جديد: تطبيق «تراث»
قوله تعالى ذكره: ﴿أُوْلَـٰئِكَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْخَيْرَاتِ﴾ إلى قوله ﴿سَامِراً تَهْجُرُونَ﴾. معناه: أولئك يسارعون في الخيرات، أي: الذين [هم] هذه صفتهم "يسارعون" أي: يسابقون في الأعمال الصالحة. قال ابن زيد: "الخيرات" المخافة، والوجل، والإيمان، والكف عن الشرك بالله. * * * ثم قال: ﴿وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾. أي: قد سبقت لهم من الله السعادة فذلك سبقهم في الخيرات كل من عنده. قال ابن عباس: "وهم لها سابقون" سبقت لهم من الله تعالى السعادة. وقيل معناه: وهم إليها سابقون. وقيل المعنى: وهم من أجلها سابقون، أي من أجل اكتسابهم الخيرات يسبقون إلى رحمة الله. وقيل المعنى: فهم إلى أوقاتها سابقون، لأن الصلاة في أول الوقت أفضل. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَلاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾. أي: إلا ما تطيق من العبادة. ﴿وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِٱلْحَقِّ﴾ أي: وعندنا كتاب يبين بالصدق عما عملوا من عمل في الدنيا. * * * ﴿وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾. أي: لا يزاد على أحد من سيئات غيره ولا ينقص من حسناته، وهو الكتاب الذي كتبت فيه أعمال الخلق عند الملائكة تحتفظ به. * * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِّنْ هَـٰذَا﴾. أي في عماية من هذا القرآن. وقيل: المعنى: بل قلوبهم في غطاء عن المعرفة بأن الذي نمدهم به من مال وبنين، إنما هو استدراج لهم. وقال قتادة: المعنى، بل قلوبهم في غمرة من وصف أهل البر ببرهم، وهو ما تقدم من صفة المؤمنين. والغمرة، الغطاء والغفلة. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِّن دُونِ ذٰلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾. أي: ولهؤلاء الكفار أعمال من المعاصي والكفر من دون أعمال أهل الإيمان بالله، قاله قتادة. قال مجاهد: "من دون ذلك" من دون الحق. وقال الحسن: معناه: ولهم أعمال لم يعملوها، سيعملونها يعني الكفار. وقيل: معناه، لهؤلاء الكفار أعمال سبقت في اللوح المحفوظ أنهم سيعملونها وسيعلمونها. وقال مجاهد: لم يعملوها وسيعملونها. * * * ثم قال تعالى: ﴿حَتَّىٰ إِذَآ أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِٱلْعَذَابِ﴾. أي: لكفار قريش أعمال من الشر من دون أعمال أهل البر هم لها عاملون إلى أن يأخذ الله أهل النعمة والبطر منهم بالعذاب إذا هم يضجون ويستغيثون. قال ابن زيد: "المترفين" العظماء. قال مجاهد: "حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب". قال: بالسيوف يوم بدر. وقال الربيع بن أنس: ﴿يَجْأَرُونَ﴾ يجزعون. قال ابن جريج: "بالعذاب" يعني عذاب يوم بدر، ﴿إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ﴾ يعني أهل مكة، يعني يضجون ويستغيثون على قتالهم. قال الضحاك: أهل بدر أخذوا بالعذاب يوم بدر. * * * ثم قال: ﴿لاَ تَجْأَرُواْ ٱلْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِّنَّا لاَ تُنصَرُونَ﴾. أي: لا تضجوا وتستغيثوا قد نزل بكم العذاب، فلا ناصر لكم منه. وقد قيل: هو عذاب الآخرة. وعلى القول الأول أكثر الناس. * * * ثم قال: ﴿قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ﴾. هنا مخاطبة للمشركين، أي: قد كانت آيات القرآن تتلى عليكم. قال الضحاك: وذلك قبل أن يعذبوا بالقتل، فكنتم تولون مدبرين عنها تكذيباً بها وكراهة أن تسمعوها. تقول العرب لكل من رجع من حيث جاء، نكص فلان على عقبيه. قال ابن عباس: يعني بذلك أهل مكة. * * * ثم قال تعالى: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾. أي: بالحرم قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك والحسن وأبو مالك. قال أبو مالك وذلك لأمنهم والناس يتخطفون من حولهم. وقيل: الهاء عائدة على الكتاب، أي مستكبرين بالكتاب. أي: يَحْدُثُ لكم بتلاوته عليكم استكبارٌ. * * * وقوله: ﴿سَامِراً تَهْجُرُونَ﴾. أي: تسمرون بالليل في الحرم. يقال لجماعة يجتمعون للحديث "سامر" كما يقال: "باقر" لجماعة البقر، "وجامل" لجماعة الجمال. وأكثر ما يستعمل "سامراً" للذين يسمرون بالليل، وأصله من قولهم لا أكلمه السمر والقمر أي: الليل والنهار. وقال الثوري: يقال لظل القمر، السمر، ومنه السمرة في اللون وقرأ أبو رجاء: سُمّاراً، جعله جمع سامر. قال ابن عباس وابن جبير: معناه: يسمرون بالليل حول الكعبة، يقولون المنكر. وقال الضحاك: يعني سمر الليل. قال الطبري: إنما وحد "سامر"، وهو في موضع جمع، لأنه وضع موضع الوقت، ومعنى الكلام تهجرون ليلاً، فوضع السامر موضع الليل فوحد لذلك. ومن قرأ: تُهجرون بالضم في التاء، أخذه من أهجر يهجر، إذا نطق بالفحش. وقيل: الخنا ومعناه التجاوز ومنه قيل: "الهاجرة، لأنه وقت تجاوز الشمس من الشرق إلى الغرب". وأما معناه، فقال ابن عباس فيه: معناه، تسمرون برسول الله ﷺ وتقولون الهجر. وقال عكرمة: تشركون. وقال الحسن: تسبون النبي ﷺ. وقال مجاهد: تقولون القول السيء في القرآن. ومن قرأ بفتح التاء فهو من هجر المريض إذا هذى، هذا قول الكسائي. ويقال هجر المحموم، إذا غلب على عقله، فيكون معناه: إنكم كالهاذي في مرضه بما لا ينتفع به، وكذلك أنتم تتكلمون في النبي عليه السلام بما لا يضره. وقيل: معناه من هَجَرَهُ، إذا لم يكلمه فمعناه على هذا: تهجرون النبي ﷺ وأصحابه. وقد قال الحسن: تهجرون نبيي وكتابي. وقال ابن عباس: معناه: تهجرون ذكر الله والحق. وقال السدي: تهجرون البيت. وقال ابن جبير: تسمرون بالليل وتخوضون في الباطل. وقال أهل اللغة: يقال هجر وأهجر في كلامه، إذا أفحش غير أن الأصمعي قال: هجر يهجر، إذا هذى، وأهجر إذا تكلم بالقبيح. "ومستكبرين" وقف عند أبي حاتم ثم تبتدئ: "سامراً تهجرون" أي في البيت. وقيل: "مستكبرون به" الوقف. وقيل: تهجرون التمام.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.