الباحث القرآني

قوله تعالى ذكره: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُواْ ٱلْقَوْلَ أَمْ جَآءَهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾. معنى هذا القول التوقيف والتقبيح كقول العرب: الخير أحب إليك أم الشر. أي: إنك قد اخترت الشر. ومعناه: أفلم يدبر هؤلاء المشركون كلام الله فيعلموا ما فيه من العبر والحجج ﴿أَمْ جَآءَهُمْ مَّا لَمْ يَأْتِ آبَآءَهُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾ يعني أسلافهم من الأمم المكذبة قبلهم، بل جاءهم محمد ﷺ بمثل ما أتت به الرسل قبله لآبائهم، فواجب عليهم ألا ينكروا ما جاءهم به محمد عليه السلام، لأنه أتى بمثل جاء به غيره من الرسل لآبائهم. وقيل: "أم" هنا بمعنى "بل"، والتقدير: بل جاءهم ما لم يأت أسلافهم فتركوا تدبره إذ لم يكن عند من سلف لهم مثله ولا أرسل إليهم مثله. * * * ثم قال: ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُواْ رَسُولَهُمْ﴾. أي: أم لم يعرفوا صدق محمد وأمانته "فهم لهم منكرون" أي: فينكروا قوله إذ لم يعرفوه بالصدق فكيف يكذبونه وهم يعرفونه بالصدق والأمانة. ثم قال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ﴾. أي: أيقولون بمحمد مجنون فهو يتكلم بما لا معنى له ولا يفهم. * * * ﴿بَلْ جَآءَهُمْ بِٱلْحَقِّ﴾. أي: جاءهم بحق لا تخفى صحته والمجنون لا يتكلم بكلام فيه حكمة ولا يصح له معنى، فكيف يكون مجنوناً من يأتي بالحق والحكمة، وإنما نسبوه إلى الجنون لأن الذي جاءهم به بَعُدَ عندهم قبولهم له كما يقال لمن سأل ما لا يتمكن فعله هو مجنون أي: لا يسأل مثل هذا السؤال إلا مجنون . فلما دعاهم مع شرفهم عند أنفسهم إلى اتباعه والقبول لقوله وذلك عندهم متعذر منهم، نسبوه إلى الجنون. * * * ثم قال: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ أي: قد علموا أنه محق فيما جاءهم به، وليس بمجنون، ولكن أكثرهم كاره لاتباع الحق الذي قد صح عندهم وعلموه حسداً منهم له، وبغياً عليه واستكباراً في الأرض. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ﴾. أي: ولو اتبع الله عز وجل أهواء الكفار، قاله السدي. وتقديره على قوله: ولو اتبع صاحب الحق أهواء المشركين ﴿لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ﴾ باتباع آرائهم، لأنهم لا يعلمون العواقب، وأهواء أكثرهم على إيثار الباطل على الحق، والسماوات والأرض وما بينها لم يقمن إلا بالحق. وقيل: الحق هنا: القرآن، والمعنى: ولو نزل القرآن بما يحبون لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن. وقيل: هو مجاز، والتقدير: ولو وافق الحق أهواءهم، فجعل موافقته اتباعاً، مجازاً، ويكون التقدير على هذا، لو كانوا يكفرون بالرسل، ويعصون الله، ولا يجازون على ذلك ويعاقبون لفسدت السماوات والأرض. وقيل: المعنى: لو كان الحق فيما يقولون من اتخاذ آلهة مع الله لتعالت بعضها على بعض واضطرب التدبير ففسدت لذلك السماوات والأرض. * * * ثم قال: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ﴾. أي: بينا لهم الحق، قاله ابن عباس. وقيل: معناه: بل آتيناهم بشرفهم إذ نزل القرآن بلغتهم وعلى رجل منهم. ﴿فَهُمْ عَن ذِكْرِهِمْ مُّعْرِضُونَ﴾ أي: فاعرضوا عنه فكفروا به، ومثله: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤]. وقال قتادة: "بذكرهم": بالقرآن، وتقديره: بل آتيناهم بذكر ما فيه النجاة لو اتبعوه. * * * ثم قال: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾. أي: أم تسألهم يا محمد على ما جئت به أجراً فيعرضوا عما جئتهم به من أجل أخذك منهم الأجر عليه، وهو قوله: ﴿قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ﴾ [الشورى: ٢٣]. * * * ثم قال: ﴿فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾. أي: لم تسألهم رزقاً على ما جئتهم به. فرزق ربك خير. قال الأخفش: الخَرْج والخراج واحد، إلا أن اختلاف الكلام أحسن. وقال أبو حاتم: الخرج: الجعل والخراج: العطاء. وقال المبرد: الخرج: المصدر، والخراج الاسم. وأصل الخراج الغلة والضريبة، كخراج العبد والدار وغيرهما. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ﴾. أي: الله خير من أعطى عوضاً على عمل ورزق رزقاً. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ﴾. يخاطب النبي ﷺ ﴿إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ وهو دين الإسلام، وسمي مستقيماً لأنه يؤدي إلى الجنة والنجاة من النار. * * * ثم قال: ﴿وَإِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ عَنِ ٱلصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ﴾. أي: إن من ينكر البعث والمعاد إلى الآخرة عن محجة الحق وقصد السبيل - وهو دين الله الذي ارتضاه لعباده - لناكبون أي: لعادلون. قال السدي: ﴿عَنِ ٱلصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ﴾: عن دين الله لمعرضون. وقيل: عن صراط جهنم لناكبون في جهنم، وذلك في الآخرة. وقيل: عن طريق الجنة لعادلون إلى طريق النار. * * * ثم قال: ﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ﴾. أي: لو رحمنا هؤلاء الذين لا يؤمنون بالآخرة، ﴿وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِّن ضُرٍّ﴾. أي: ورفعنا عنهم ما بهم من القحط والجدب، وضر الجوع. ﴿لَّلَجُّواْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ أي: لتمادوا في عتوهم وجراءتهم على الله. ﴿يَعْمَهُونَ﴾ أي: يترددون. قال ابن جريج: هو كشف الجوع عنهم. وقيل: المعنى، لو رددناهم إلى الدنيا ولم ندخلهم النار وامتحناهم للجو في طغيانهم يعمهون. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِٱلْعَذَابِ﴾. يعني أهل مكة أحل بهم الجوع والجدب وقتل سراتهم بالسيف، ﴿فَمَا ٱسْتَكَانُواْ لِرَبِّهِمْ﴾ أي: فما خضعوا لربهم، فينقادوا لأمره ونهيه: ﴿وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ أي: يتذللون. ويروى أن هذه الآية نزلت على رسول الله ﷺ حين أخذ الله قريشاً بسني الجدب إذ دعا عليهم رسول الله ﷺ. قال ابن عباس: جاء أبو سفيان إلى النبي ﷺ فقال: يا محمد نشدتك الله والرحمن، لقد أكلنا العلهز يعني الوبر بالدم، فأنزل الله ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِٱلْعَذَابِ﴾. الآية. وروى في هذا الحديث أن أبا سفيان قال للنبي عليه السلام: أليس قد بعثت رحمة للعالمين. قال: نعم قال: فقد قتلت الآباء بالسيف والأبناء بالجوع، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِٱلْعَذَابِ...﴾ الآية. قال الحسن: إذا أصاب الناس من قبل الشيطان بلاء فإنما هي نقمة، فلا تستقبلوا نقمة الله بالحمية، ولكن استقبلوها بالاستغفار، واستكينوا وتضرعوا إلى الله، وقرأ هذه الآية ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِٱلْعَذَابِ﴾... الآية. قال ابن جريج، هو الجوع والجدب. * * * ثم قال: ﴿حَتَّىٰ إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾. قال ابن عباس: هو يوم بدر، وقد مضى، وقاله ابن جريج. وقال مجاهد: هو الجوع أيضاً مثل الأول. وقال عكرمة: هو باب آخر من أبواب جهنم، عليه من الخزنة أربع مائة ألف، سود وجوههم، كالحة أنيابهم، قد قلعت الرحمة من قلوبهم، ليس في قلب واحد منهم مثقال ذرة من الرحمة، لو يخطر الطائر من منكب أحدهم لطار شهرين قبل أن يبلغ منكبه الآخر، حتى إذا انتهوا إليه فتحه الله عليهم فهو قوله: ﴿إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾. * * * ثم قال تعالى: ﴿إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾. أي: يائسون من الخير. وقيل: المبلس، الساكت المتحير. وقيل المعنى: نادمون على ما سلف.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.