الباحث القرآني

قوله تعالى ذكره: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنْشَأَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ﴾ إلى قوله: ﴿مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ﴾. أي: والله الذي أحدث لكم أيها المكذبون السمع لتسمعوا به والأبصار لتنظروا بها، والأفئدة: أي والقلوب لتفهموا بها فكيف يتعذر على من أنشأ ذلك على غير مثال الإعادة، وقد تقدم المثال. * * * ثم قال تعالى: ﴿قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ﴾. أي: قليلاً شكركم على ما أعطاكم من النفع بهذه الجوارح وغيرها. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ﴾. أي: أنشأكم فيها ﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أي: بعد مماتكم، أي تصيرون إلى حكمه فيكم وعدله، وليس هو حشر وصيرورة إلى قرب مكان، لأن القرب والبعد في الأمكنة إنما يجوز على المحدثين الذين تحويهم الأمكنة، والله لا يجوز عليه ذلك، إنما هو حشر إلى وعده وحكمه فيهم، وكذلك كل ما كان في القرآن من قوله: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ ٱلأَمْرُ كُلُّهُ﴾ و ﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ كله معناه تصيرون إلى حكمه ووعده ومجازاته ليس هو صيرورة إلى قرب مكان، سبحانه لا تحويه الأمكنة ولا تحيط به المواضع، وليس كمثله شيء. الأمكنة كلها مخلوقة والأزمنة محدثة وهو قديم إلا إله إلا هو، فلا يحوي المحدث إلا محدثاً. فافهم هذا واستعمله في كل ما جاءك منه في كتاب الله، ولا تتوهم فيه قرب مكان ولا دنوا من موضع دون موضع ألزم فهمك ونفسك أنه تعالى لا يشبهه شيء ولا مثله شيء. * * * ثم قال: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾. أي: والله الذي جعل خلقه أحياء بعد أن كانوا نطقاً أمواتاً فنفخ فيهم الروح، وهو يميتهم بعد إحيائهم. * * * ﴿وَلَهُ ٱخْتِلاَفُ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ﴾. أي: هو الذي خلق الليل والنهار مختلفين. * * * ثم قال: ﴿أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾. أي: تفهمون ما وُصف لكم ونُبهتم عليه. * * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ قَالُواْ مِثْلَ مَا قَالَ ٱلأَوَّلُونَ﴾. أي: بل قال المكذبون لك يا محمد من قريش مثل ما قال الأولون من الأمم المكذبة بالبعث . قالوا: أنبعث إذا كنا تراباً وعظاماً. استبعدوا ذلك فأنكروه. * * * ثم قال: ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَآؤُنَا هَـٰذَا مِن قَبْلُ﴾. أي: لقد وعدنا ووعد آباؤنا من قبل بالبعث بعد الموت فلم نر له حقيقة، ﴿إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾ أي: ما سطره الأولون في كتبهم من الأحاديث والأخبار التي لا صحة لها ولا حقيقة. * * * ثم قال تعالى: ﴿قُل لِّمَنِ ٱلأَرْضُ وَمَن فِيهَآ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. أي: قل يا محمد لهؤلاء المنكرين البعث من قومك: لمن ملك الأرض ومن فيها من الخلق إن كنتم تعلمون من مالكها، ثم اعلمه جل ذكره، أنهم سيقولون لله ملكها. فقل لهم إذا جاوبوك ﴿أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ أي: أفلا تعتبرون أن من خلق ذلك وابتدأه وملكه أنه يقدر على إحيائكم بعد مماتكم وإعادتكم خلقاً كما كنتم. * * * ثم قال: ﴿قُلْ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ ٱلسَّبْعِ وَرَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ﴾. أي: من خالق ذلك ومالكه، سيقولون لك: ذلك كله لله وهو ربه. فقل لهم أفلا تتقون عقابه على كفركم به، وتكذيبكم رسله. * * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾. أي: من بيده خزائن كل شيء، قاله مجاهد. * * * ﴿وَهُوَ يُجْيِرُ﴾ من عذابه من خلقه من شاء ﴿وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ﴾. أي: ولا يجير عليه أحد من خلقه ولا من عذابه، ومعنى: ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي: من يملك كل شيء. وذكر اليد في هذا إنما يعني به الملك لا الجارحة تعالى الله عن ذلك. وهذا أتى على لسان العرب. تقول: هذه الدار بيد فلان، أي: في ملكه، لا يريدون أن ذلك مستقر في يده يد الجارحة، إنما يريدون أنه مستقر في ملكه. * * * وقوله: ﴿إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. أي تعلمون مَن هذه صفته، فإنهم سيقولون أن ذلك هو الله، وملك ذلك كله لله، فقل لهم: ﴿فَأَنَّىٰ تُسْحَرُونَ﴾. أي: من أي وجه تصرفون عن التصديق بآيات الله والإقرار برسوله. ومن قرأ الثاني والثالث الله الله، جعل السؤال والجواب من جهة واحدة، لأن الله جل ذكره علم بجوابهم وسؤالهم قبل خلقهم، فأخبر عن جوابهم من جهة السؤال. ومن قرأ: لله لله، أتى بالجواب من عند المسؤول، وهو الأصل. قال ابن عباس: "تسحرون": تكذبون. وحقيقة السحر أنه تخييل الشيء إلى الناظر أنه على خلاف ما هو به من هيئته. فكذلك معنى ﴿فَأَنَّىٰ تُسْحَرُونَ﴾ أي: من أي وجه يخيل لكم الكذب حقاً، والفاسد صحيحاً، فتصرفون عن الإقرار بالحق الذي يدعوكم إليه محمد ﷺ وفي هذه الآيات دلالة على جواز محاجة الكفار والمبطلين وإقامة الحجة عليهم، وإظهار إبطال الباطل من قولهم ومذهبهم، ووجوب النظر في الحجج على من خالف دين الله وقد أمر الله تعالى نبيه في غير ما موضع بالاحتجاج عليهم وعلمه كيف يحتج عليهم، وكذلك أخبر عن إبراهيم عليه السلام بما احتج به على قومه، وأخبرنا الله تعالى أنها حجة أتاها إبراهيم عليه السلام وعلمه إياها، فاحتج بها عقى قومه وبينا لهم خطأهم فيما يعبدون، وكذلك أخبرنا الله في غير موضع باحتجاج الأنبياء على قومهم، وإقامة حجة الله عليهم، ومناظرتهم لهم، وهو كثير في القرآن، دل على جواز إقامة الحجة على أهل الزيغ الكفر. فأما قوله تعالى: ﴿وَلاَ تُجَادِلُوۤاْ أَهْلَ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦] فقد ذكرنا معناها في موضعها. وليست في هذا الباب، ولها معاني قد بيناها. * * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾. أي: ما الأمر كما يقول هؤلاء المشركون أن الملائكة بنات الله أو أن لهم آلهة دون الله، بل أتيناهم باليقين، وهو ما أتاهم به محمد ﷺ من الإسلام، وأن لا يُعبد شيء سوى الله ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ فيما يضيفون إلى الله من الولد والشريك ﴿مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ﴾ في القدم حين ابتدع الأشياء. ﴿مِنْ إِلَـهٍ﴾ أي: لاعتزل كل إله منهم بما خلق فانفرد به ﴿وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾. أي: ولتغالبوا، فغلب القوي الضعيف، لأن القوي لا يرضى أن يحاده الضعيف، والضعيف لا يصلح أن يكون إلهاً ، لأنه عاجز بضعفه. والعاجز مذلول مغلوب مقهور، وليس هذه من صفات المعبود الخالق، وإنما هي من صفات المخلوق المملوك. * * * ثم قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾. أي: عما يصفون به الله. ثم قال تعالى ذكره: ﴿عَالِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ﴾. أي: يعلم ما غاب عن خلقه من جميع الأشياء. فلم يروه ولم يعلموه وما شاهدوه، فرأوه وعلموه. والرفع الاختيار عند النحويين البصريين والكوفيين في "عالم الغيب" على إضمار مبتدأ، أو على البعث لله في قوله: ﴿مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ﴾ عالم الغيب، وحجة البصريين في اختيارهم الرفع أن قبله رأس آية، وقد تم الكلام دونه، فاستؤنف على إضمار مبتدأ. وحجة الكوفيين منهم الفراء أن الرفع أولى به، لأنه لو كان مخفوضاً لقال: (وتعالى) بالواو. فدخول الفاء بعده يدل على أنه أراد "هو عالم" واحتج في ذلك بأنك لو قلت: مررت بعبد الله المحسن وأحسنت إليه، جئت بالواو، لأنك خفضت ولم تستأنف، تريد: مررت بعبد الله الذي أحسن وأحسنت إليه. قال: ولو قلت: "المحسن" بالرفع، لم يكن إلا بالفاء، تريد: هو المحسن فأحسنت إليه، فالفاء عنده تدل على انقطاع الكلام. وقد خالف هو نفسه هذا الأصل في المزمل، فاختار: "ورب المشرق" بالخفض، وبعده "فاتخذه" ومن أصله أن الفاء تدل على الاستئناف. ثم قال تعالى ذكره: ﴿قُل رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ﴾. أي: قل يا محمد: رب أن ترني ما يهلك به هؤلاء المشركين، فلا تهلكني بما تهلكهم به، أي: إذا أردت بهم عقوبة فأخرجني عنهم ولا تجعلني في القوم الظالمين، ولكن اجعلني فيمن قد رضيت عنه. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّا عَلَىٰ أَن نُّرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ﴾. أي: إنا نقدر يا محمد أن نريك تعجيل العذاب في هؤلاء المشركين فلا يحزنك كفرهم وتكذيبهم إياك، فإنما نؤخرهم ليبلغ الكتاب أجله فيستوفوا أيامهم وما قدر لهم من رزق.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.