الباحث القرآني

قوله تعالى ذكره: ﴿سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا﴾، إلى قوله: ﴿طَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾. سورة مرفوعة على إضمار مبتدأ، أي هذه سورة، وأنزلناها نعت للسورة، وقبح رفعها على الابتداء لأنها نكرة، ولا يبتدأ بالنكرات إذ لا فائدة فيها، وقد أجازه أبو عبيدة. وقرأ عيسى بن عمر بالنصب على معنى: اتل سورة، أو على معنى: أنزلنا سورة أنزلناها. ومن شدد ﴿فَرَضْنَاهَا﴾ جعله بمعنى: فضلناها، فجعلنا فيها فرائض مختلفة. وقيل: معنى التشديد أنه فرضها على من أنزلت عليهم، وعلى من بعدهم إلى يوم القيامة، فشدد ليدل على معنى التكثير من المأمورين. ومن خفف جعله على معنى: أوجبنا ما فيها من الأحكام فجعلناه فرضاً عليكم. وقوله: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِيۤ أَزْوَاجِهِـمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٥٠]، يدل على اختيار التخفيف، لأنه فيه معنى تكثير المأمورين، لأنه فرض علينا وعلى من بعدنا ومن قبلنا، وفيه فرائض مختلفة أيضاً، وقد أجمع على تخفيفه. قال ابن عباس ﴿فَرَضْنَاهَا﴾ بيناها. وقيل ﴿فَرَضْنَاهَا﴾ فرضنا العمل بما فيها، وهذا يدل على التخفيف. وقول ابن عباس يدل على التشديد. * * * وقوله: ﴿وَأَنزَلْنَا فِيهَآ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾، أي دلالات وحجج على الحق، واضحات لمن تأملها وآمن بها. قال ابن جريج: آياتٍ بينات: يعني الحلال، والحرام، والحدود. ﴿لَّعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، أي تذكرون بهذه الآيات التي أنزل عليكم. * * * ثم قال تعالى: ﴿ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾. كل القراء على الرفع إلا عيسى بن عمر فإنه قرأ بالنصب، وهو اختيار الخليل وسيبويه لأن الأمر بالفعل أولى، وسائر النحويين على خلافهما في هذا الاختيار، واستدل المبرد على خلافهما، بإجماع الجميع على الرفع في قوله: ﴿وَٱللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ [النساء: ١٦] وإنما اختار النحويون الرفع لأنه مبهم لا يقصد به شخص بعينه (زنى)، وتقدير الرفع عند سيبويه والخليل" وفيما يتلى عليكم الزانية والزاني، ويحسن الرفع بالابتداء وما بعده خبره، والمعنى من زنى من الرجال والنساء، وهو حر بكر غير محصن فاجلدوه ضرباً مائة جلدة. ﴿وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ﴾ أي رقة، ورحمة عند الجلد في دين الله، أي في طاعة الله فيما أمركم به من إقامة الحدود، فكل من أقام الحد. فهو ممن لا تأخذه رأفة في حدود الله. والرأفة من الآدميين، رقة القلب، وهي من الله تعالى رحمة وإنعام ولا يجوز عليه رقة القلب. * * * وقوله: ﴿إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ﴾ لأن لا تقصروا في إقامة الحدود. ﴿إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾ وهذا يدل على أن إقامة حدود الله من الإيمان بخلاف ما تدعيه المرجئة من أن الإيمان قول بلا عمل. وقال ابن المسيب والحسن: معناه لا تخففوا الضرب ولكن أوجعوا، قالا: هو الجلد الشديد. وقيل: معناه انزعوا الثياب عنهما قبل الجلد، قاله حماد. وقال الزهري: يجتهد في حد الزاني والفرية، ويخفف في حد الشارب. وقال قتادة: يخفف في الشارب والفرية، ويجتهد في الزاني فهذا حد الزاني، وليس في كتاب الله تعالى دلالة على كيفية الجلد، ولكن أجمع العلماء على أن الجلد بالسوط سوط بين السوطين. وروي أن عمر رضي الله عنه أتي برجل وجب عليه حد فدعا بسوط فقال: إيتوني بألين منه، فأتي بألين منه، فقال: إيتوني بأشد، فأوتي بسوط بين السوطين، فقال: اضرب ولا ترين إبطك، وأعط كل عضو حقه. والزنا من أعظم الكبائر والفواحش. قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: بلغنا أنه يرسل يوم القيامة على الناس ريح منتنة حتى تؤذي كل بر وفاجر حتى إذا بلغت من الناس كل مبلغ، وكادت أن تمسك بأنفاس الناس ناداهم مناد يسمع صوته كلهم: أتدرون ما هذه الريح التي آذتكم؟ فيقولون: لا ندري غير أنها قد بلغت منا كل مبلغ، فقال: ألا إنها ريح فروج الزناة الذين لقوا الله بزناهم لم يتوبوا منه، ثم ينصرف بهم ولم يذكر جنة ولا ناراً. وهذه الآية ناسخةٌ للآيتين اللتين في سورة النساء، قوله تعالى ﴿وَٱللاَّتِي يَأْتِينَ ٱلْفَٰحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ﴾ [النساء: ١٥] إلى ﴿رَّحِيماً﴾ [النساء: ١٦]. ورأى عثمان بن عفان رضي الله عنه، وأبو عبيدة بن الجراح، وابن مسعود والمغيرة ابن شعبة: أن لا يجرد ثوب المضروب، وبه قال الشعبي والنخعي وطاوس وقتادة. وعن عمر بن عبد العزيز أنه ضرب قاذفاً مجرداً. وقال الأوزاعي: الإمام مخير إن شاء نزع، وإن شاء ترك. وقال مالك: لا تجرد المرأة، ويترك عليها ما يسترها. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: يضرب الرجال قياماً، والنساء قعوداً، وهو قول الثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق. وقال مالك: يضرب المرأة والرجل وهما قاعدان، ومنع ابن مسعود والحسن والثوري وابن حنبل من مد المضروب. وقال الشافعي: لا يمد ويترك له يد يتقي بها ولا يربط. وأمر عمر بضرب امرأة، فقال: اضرباها ولا تحرق جلدها. وقال الحسن: يضرب السكران ضرباً غير مبرح. وقال مالك: يضرب ضرباً لا يشق ولا يضع سوطاً فوق سوط. قال الشافعي: لا يبلغ أن ينهمر الدم في شيء من الحدود والعقوبات؛ لأنه من أسباب التلف، وليس يراد بالجلد التلف، إنما يراد به النكال والكفارة. وقال عمر، وعلي، وابن مسعود، يعطى كل عضو من الضرب حقه. قال الشافعي: ويترك الجلاد في الوجه والفرج. وقال الشافعي: يجلد العليل المضني بأنكول النخل، ولم يرد ذلك مالك، ولا أرى أنه يبرئ الرجل من يمينه إذا حلف على ضربات وإن كان فيه قضبان كثيرة. وثبت عن النبي ﷺ: نفي البكر، والزاني بعد جلد مائة، وكذلك فعل أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي. وروي ذلك عن ابن عمر، وأبيّ بن كعب، وبه قال عطاء، وطاووس، ومالك، والثوري، وابن أبي ليلى، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور. وروي عن ابن عمر أنه رأى نفي المملوك البكر إذا زنى، وهو قول الشافعي، وأبي ثور. وقال الشافعي، وحماد بن أبي سليمان، ومالك، وأحمد، وإسحاق: لا نفي على المملوك. ونفى عمر إلى فدك. وقال الشعبي: ينفى الزاني عن عمله إلى عمل غير عمله. وقال ابن أبي ليلى: ينفى سنة إلى بلد غير البلد الذي فجر فيه. وقال مالك: يغرب عاماً في بلد يحبس فيه لئلا يرجع إلى البلد الذي نفي منه. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾. قال مجاهد وابن أبي نجيح: أقل الطائفة رجل، وكذلك قال النخعي. وقال الحسن، والشعبي: الطائفة رجل فما زاد. وقال عطاء، وعكرمة: أقل الطائفة هما رجلان. وقال الزهري: الطائفة ثلاثاً فصاعداً. وقال قتادة: هم نفر من المسلمين. وقال ابن زيد: الطائفة هنا أربعة، وكذا قال: مالك، والليث. وإنما جعلت الطائفة أربعة ليشهدوا أنه محدود على الزنا متى قذفه أحد بالزنا، فسقط حد القذف عن القاذف بتلك الشهادة، والزنا لا يقبل فيه أقل من أربعة، ومنع الزجاج أن تكون الطائفة واحداً، لأن معناها معنى الجماعة، ولا تكون الجماعة لأقل من اثنين، واختار الطبري قول من رأى أن أقل الطائفة رجل واحد. قال: واستحب أن لا يقصر على أربعة عدد، من تقبل شهادته على ذلك لأنه إجماع. وأجاز جماعة من أهل اللغة أن يقال للواحد طائفة، وللجماعة طائفة، لأن معنى طائفة: قطعة، يقول: أكلت طائفة من الشاة، أي قطعة منها. واستدل من قال: إن الطائفة تقع على الواحد بقوله تعالى: ﴿فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ﴾ [التوبة: ١٢٣] ولم يختلف أن الواحد إذا نفر من جماعة لطلب العلم والتفهم في الدين: أنه يجزئ: فهو طائفة.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.