الباحث القرآني

جديد: تطبيق «تراث»
قوله تعالى ذكره: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ٱلْغَافِلاَتِ﴾ إلى قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، أي إن الذين يرمون بالفاحشة المحصنات، أي العفيفات الغافلات عن الفواحش، المؤمنات بالله ورسوله لعنوا في الدنيا والآخرة، أي أبعدوا من رحمة الله في الدنيا والآخرة. ﴿وَلَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣]. قال ابن جبير: هذا في عائشة خاصة لأن الزنا أشد من قذف المحصنة وقد جعل الله في الزنا التوبة. وقال الضحاك: ذلك لأزواج النبي ﷺ كلهن خاصة. وقال ابن زيد: هو في عائشة، ولمن صنع ذلك اليوم في المسلمات فله مثل ذلك. وقال ابن عباس: هي في أزواج النبي ﷺ رماهن أهل النفاق فأوجب الله لهم اللعنة والغضب وباءوا بسخط من الله فكان ذلك في أزواج النبي ﷺ ثم نزل بعد ذلك: ﴿وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ﴾ [النور: ٤]، إلى ﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: ٥] فأنزل الله عز وجل الجلد والتوبة، فالتوبة تقبل والشهادة ترد. فقول ابن عباس، والضحاك يوجب أن من قذف أزواج النبي ﷺ فهو ملعون في الدنيا والآخرة، ومن قذف غيرهن فهو فاسق. واختار النحاس أن يكون عاماً للمذكر والمؤنث والتقدير: والذين يرمون الأنفس المحصنات، فيدخل فيه المذكر والمؤنث، وإنما غلب المؤنث هنا لأنه إذا قذف امرأة فقد قذف معها رجلاً فاستغنى بذكر المرأة عن الرجل. * * * ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾، أي ولهم عذاب عظيم في يوم تشهد عليهم جوارحهم بعملهم، يعني: يوم القيامة، وألسنتهم تشهد عليهم بعد الختم على أفواههم. وقيل: إن ألسنة بعضهم تشهد على بعض. وقد روى الخدري أن النبي ﷺ قال:إذا كان يوم القيامة عرف الكافر بعمله فجحد وخاصم، فيقال له: هؤلاء جيرانك يشهدون عليك. فيقول: كذبوا، فيقال: أهلك وعشيرتك. فيقول: كذبوا. فيقول الله عز وجل: أتحلفون؟ فيحلفون ثم يصمتهم الله وتشهد ألسنتهم، ثم يدخلهم النار ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ ٱللَّهُ دِينَهُمُ ٱلْحَقَّ﴾، أي يوم تشهد عليهم جوارحهم بالحق يوفيهم الله في جزاءهم الحق على أعمالهم، والدين: الجزاء والحساب. * * * ثم قال: ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ ٱلْمُبِينُ﴾، أي ويعلمون يومئذ أن الله هو الحق، أي هو الذي يبين لهم حقائق ما كان يعدهم في الدنيا من العذاب، فمجازاة الكافر والمسيء بالحق والعدل، ومجازاة المحسن بالفضل والإحسان. ثم قال تعالى ذكره: ﴿ٱلْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾، الآية. قال ابن جبير، وعطاء، ومجاهد: معناها الكلمات الخبيثات للخبيثين من الناس والخبيثون من الناس للخبيثات من القول والطيبات من الكلام للطيبين من الناس، والطيبون من الناس للطيبات من القول. وتقديره: الكلمات الخبيثات لا يقولهن إلا الخبيث من الناس، والكلمات الطيبات لا يقولهن إلا الطيب من الناس، ودل على صحة هذا المعنى قوله: ﴿أُوْلَـٰئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ أي عائشة وصفوان بن المعطل مبرءون مما يقول الخبيثون والخبيثات، وجمع وهما اثنان كما قال تعالى: ﴿فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ يريد أخوين فأكثر وقيل: معناه الخبيثات من الكلام إنما يلصق بالخبيثين والخبيثات من الناس، لا بالطيبين والطيبات. وقيل: المعنى الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات من النساء، قاله ابن زيد، قال: كان عبد الله بن أبيّ خبيثاً فكان هو أولى بأن تكون له الخبيثة ويكون لها، وكان رسول الله ﷺ طيباً وكان أولى أن تكون له الطيبة، وكانت عائشة طيبة، فكانت أولى بأن يكون لها الطيب، ولذلك سميت عائشة بالطيبة. وقيل: سميت بالطيبة لأن الله طيبها لرسول الله ﷺ. روي أن جبريل عليه السلام أتاه بها في سرقة من حرير قبل أن تصور في رحم أمها فقال له، هذه عائشة: ابنة أبي بكر زوجتكها في الدنيا، وزوجتكها في الجنة. وقيل: إن هذه الآية مبنية على صدر السورة في قوله: ﴿ٱلزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَٱلزَّانِيَةُ لاَ يَنكِحُهَآ إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ [النور: ٣]، فبين في هذا أن الخبيثات وهن الزواني للخبيثين من الرجال، وهم الزناة، والخبيثون من الرجال وهم الزناة للخبيثات من النساء وهن الزواني وكذلك الطيبات المؤمنات العفائف للطيبين المؤمنين الأعفاء، فهذا مثل ما في أول السورة، ثم نسخ ذلك كله بما نسخ به ما في أول السورة، وقد مضى ذكره على الاختلاف المتقدم الذكر، وهذا كله هو يرجع إلى قول ابن زيد المذكور، فالمعنى على هذا نكاح الزواني للزناة، ونكاح الزناة للزواني، ونكاح العفائف للأعفاء، ونكاح الأعفاء للعفائف، ثم نسخ ذلك بقوله جل ذكره: ﴿وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَامَىٰ مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢] فهم جميع الأيامى. * * * ثم قال: ﴿لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾، أي لعائشة، وصفوان ستر من الله على ذنوبهما ولهم الجنة كذلك. قال قتادة: ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُواْ﴾، الآية، يعني به البيوت التي لها أرباب، أمر المؤمنين ألا يدخلوها حتى يستأذنوا، ويسلموا على أربابها، ثم أعلمهم أن ليس عليهم جناح أن يدخلوا البيوت التي ليس لها أرباب ولا سكان بغير استئذان هذا قول ابن جبير. وروي عن ابن عباس، وعكرمة أن الآية فيها تقديم وتأخير يعني: حتى تسلموا على أهلها وتستأذنوا، ثم استثنى البيوت التي على طرق الناس، والتي ينزلها المسافرون فقال: ﴿لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ﴾ [النور: ٢٩]، ومعنى متاع لكم أي منفعة لكم، ومنعة من الحر والبرد وغير ذلك. وعن ابن جبير أنه قال: أخطأ الكاتب إنما هو حتى تستأذنوا، وهذا القول منكر عند أهل العلم، لأن الله قد حفظ كتابه من الخطأ. ومعنى: حتى تستأنسوا: تستأذنوا، قاله عكرمة. وقال مجاهد: هو التنحنح والتنخم. وقال أهل اللغة: معنى تستأنسوا: تستعلموا، من قوله: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً﴾ [النساء: ٦] أي إن علمتم. فالمعنى حتى تستعلموا أيؤذن لكم أم لا؟ * * * ثم قال: ﴿ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾، أي الاستعلام، والسلام على أهل البيت خير لكم لأنكم لا تدرون لو دخلتموه بغير استئذان على ما تهجمون أعلى ما يسؤكم أم على ما يسركم؟ * * * ثم قال: ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، أي لتذكروا بفعلكم ذلك أمر الله لكم فتطيعوه.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.