الباحث القرآني

قوله تعالى ذكره: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ ٱلَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ نِكَاحاً﴾، إلى قوله: ﴿وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلَيِمٌ﴾. أي وليمتنع عن الحرام الذين لا يجدون ما ينكحون حتى يوسع الله عليهم من فضله، فالنكاح في هذا الموضع: اسم لما ينكح به من المهر، والنفقة فسمي ما ينكح به نكاح، كما قيل: لما يلتحف به كاف ولما يرتدي به رداء، ولما يلبس لباس. * * * ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً﴾، هذا ندب ندب الله عباده إليه ومعنى ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً﴾ إن علمتم فيهم مقدرة على التكسب لأداء ما كتب عليه مع القيام بما يلزمه من أمر نفسه، ومع إقامة فروضهم، فالمكاتبة معلومة ما هي، وولاء المكاتب لمن كاتبه. وقد قال ابن جريج: فرض على الرجل أن يكاتب عبده الذي قد علم فيه خيراً، إذا سأله العبد ذلك، وقاله عطاء، وروي ذلك عن عمر، وابن عباس، وهو اختيار الطبري لأن ظاهر الآية الأمر بالمكاتبة، وأمر الله فرض، إلا أن يدل على أنه ندب إجماع أو سنة. ومذهب أهل المدينة مالك وأصحابه: أنه ندب من غير فرض. وقال الثوري: لا يجبر السيد على المكاتبة. وكره ابن عمر أن يُكَاتَبَ العبد إذا لم تكن له حرفة وقال: تطعمني أوساخ أيدي الناس. قال ابن عباس: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً﴾، أي إن علمتم أن لهم حيلة لا يُلقون مؤنتهم على الناس. وقال مالك: إنه ليقال: الخير القوة والأداء، وهو قول ابن زيد. وقال الحسن: معناه: إن علمتم فيهم صدقاً، ووفاء وأداء الأمانة. وقال مجاهد وطاوس: مالاً وأمانة. وعن ابن مسعود: الخير إقامة الصلاة، وكذا قال ابن سيرين، وعبيدة. وقال مالك: الخير القوة على الأداء، وقال أبو صالح وعطاء: إن علمت فيهم خيراً لنفسك يؤدي إليك، ويصدقك ما حدثك فكاتبه. وقال ابن عباس، ومجاهد، والضحاك، وابن جريج: معناه: إن علمتم لهم مالاً. ويقال: إن هذه الآية نزلت في صبيح القبطي مملوك لحاطب بن أبي بلتعة، وكان صالحاً، ثم هي عامة لجميع المسلمين. قال تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِّن مَّالِ ٱللَّهِ ٱلَّذِيۤ آتَاكُمْ﴾، يعني هبوههم من مال الكتابة. قال علي بن أبي طالب: ربع الكتابة يحطها عنه. وقال ابن عباس: ضعوا عنهم مما قاطعتموهم عليه، وكان ابن عمر: يضع عن المكاتب في آخر كتابته ما شاء، وهو قول مالك. وقال النخعي: هو أمر للمسلمين أن يعطوا المكاتبين من صدقاتهم يتقوون بها على أداء الكتابة، وهو قوله: (في الصدقات وفي الرقاب). وقيل: إن قوله: "وآتوهم" ترغيب لكل الناس من الموالي وغيرهم حضهم الله أن يعطوا المكاتبين من صدقاتهم ليتقووا بها على أداء كتابتهم. وقيل: هو خطاب لغير الموالي المخاطبين بالمكاتبة رغّب الناس أن يعطوهم من زكواتهم، والضميران مختلفان بمنزلة قوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢] هو خطاب للأولياء، وصدر الكلام خطاب للأزواج. وقال ابن زيد: ذلك من الزكاة. * * * ثم قال: ﴿وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَاتِكُمْ عَلَى ٱلْبِغَآءِ﴾، أي: الزنا ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً﴾ أي: تعففاً ﴿لِّتَبْتَغُواْ عَرَضَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا﴾، أي: ليكسبن لكم من زنائهن. وقيل قوله: ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً﴾ متعلق بقوله: ﴿وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَامَىٰ مِنْكُمْ * إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً﴾. ويقال: إن هذه الآية نزلت في عبد الله بن أبي بن سلول المنافق، كانت له جاريتا: معاذة وزينب، وكانتا تردان عليه خرجاً من زنائهما، قبل أن يسلما، فلما دخلتا في الإسلام، امتنعتا من الزنا فكان يكرههما على الزنا، فنهى الله عن ذلك، وأعلم المكره له أنه له غفور رحيم. * * * وقوله: ﴿وَمَن يُكْرِههُنَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾، ومعاذة هذه أم خولة، وخولة هي التي جادلت رسول الله ﷺ في زوجها، وفي ذلك نزل: ﴿قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ﴾ [المجادلة: ١] الآية. ويروى أن عبد الله بن أبي: أمر جاريته أن تزني فجاءته ببرد، فأمرها أن تعود إلى الزنا، فأنزل الله جل ذكره: ﴿وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَاتِكُمْ عَلَى ٱلْبِغَآءِ﴾ الآية. وقال جابر: كانت لعبد الله بن أبيّ جارية يقال لها مسيكة، وكان يأمرها بالبغاء لتكسب له فنهى الله عن ذلك. قال مجاهد: معناه: فإن الله للمكرهات من بعد إكراههن غفور رحيم. وقيل إن معاذة وزينب جاريتا عبد الله بن أبي لما أسلمتا أتيا إلى النبي عليه السلام، فشكتا إليه أن مولاهما يكرههما على الزنا فنزلت الآية في ذلك. ومن قال: إن ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ ندب، و ﴿آتُوهُمْ﴾ حتم، وقف على ﴿خَيْراً﴾ ثم ابتدأ بالحتم بعد تقدم الندب، لأنه ليس بمعطوف عليه لاختلاف معنييهما، وهذا قول الشافعي. قال: المكاتبة: ندب، ويجبر السيد أن يضع عن عبده من المكاتبة. ومن قال: هما واجبان لم يقف إلا على ﴿آتَاكُمْ﴾ لأن الثاني معطوف على الأول إذ معناهما جميعاً: عنده الحتم. ومن قال: كلاهما ندب لم يقف أيضاً إلا على ﴿آتَاكُمْ﴾ لأن الثاني أيضاً معطوف على الأول إذ معناهما جميعاً الندب وهو مذهب مالك والثوري. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ﴾، من كسر الياء من ﴿مُّبَيِّنَاتٍ﴾. فمعناه موضحات للأحكام والشرائع، لدلالة قوله: ﴿يَحْذَرُ ٱلْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم﴾ [التوبة: ٦٤] فأضاف الفعل إلى السورة، والبيان في الحقيقة إلى الله جل ذكره، ولكن أضيف إلى السورة وإلى الآيات لعلم السامعين بالمراد، فمن كسر الياء جعل الآيات فاعلات، وأما من فتح الياء، فمعناه مفصلات، كما قال تعالى: ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ [هود: ١]، ويدل على صحة قوله ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ﴾ [آل عمران: ١١٨]، فهي الآن مبينة، فالله جل ذكره هو الذي بينها كما قال: ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ﴾ [آل عمران: ١١٨] فمنه فتح الياء جعل الآيات مفعولاً بها والفاعل هو الله، لأنه تعالى بيّنها وأظهرها، والكسر يدل على أن الآيات فاعلات أي بينات لكم الأحكام والفرائض، والفاعل هو الله في المعنى في القراءة بالكسر على ما ذكرنا فافهم. والمعنى: ولقد أنزلنا إليكم دلالات وعلامات مفصلات أو موضحات، على ما تقدم من الفتح والكسر. وقوله تعالى ذكره: ﴿مَثَلاً مِّنَ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُمْ﴾، أي مضوا قبلكم من الأمم. ﴿وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ﴾ أي لمن اتقى الله فخاف عقابه. * * * ثم قال تعالى: ﴿ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾. قال أبو محمد: قد كثر الاختلاف في معنى هذه الآية ونحن نذكر ما بلغنا فيها. قيل: المعنى: الله ذو السماوات والأرض مثل ﴿وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]. وقيل: معناه: الله هادي أهل السماوات والأرض. قاله ابن عباس ثم استأنف فقال: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ الآية، أي مثل هداه في قلب المؤمن كالكوة التي هي غير نافذة. ﴿فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ وذلك المصباح في زجاجة، الزجاجة صافية اللون كالكوكب الدري، يوقد ذلك المصباح من شجرة زيتونة لا شرقية ولا غربية، يكاد زيتها يضيء من غير نار لصفاه، الكوة التي هي غير نافذة أجمع للضوء فيها إذا كان فيها المصباح، والمصباح إذا كان في زجاجة كان أظهر لضوئه، فإن كانت الزجاجة صافية اللون كان ذلك أظهر للضياء، وإذا كان الزيت الذي فيها صافياً، كان أظهر وأكثر للضوء، فذلك كله مبالغة للضياء والنور، فكذلك الهدى في قلب المؤمن. ومعنى هذا القول مروي: عن ابن عباس فهو مثل ضربه الله لنور الهدى والإيمان في قلب المؤمن. وعن ابن عباس أيضاً، وعن مجاهد: ﴿ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾، أي مدبرهما: شمسهما وقمرهما ونجومهما. وقال أبي بن كعب: بدأ الله بنوره وذكره، ثم ذكر نور المؤمن في قوله تعالى: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾. وقيل المعنى: مثل ما أنار الله من الحق بهذا التنزيل كمشكاة على هذه الصفة، فالهاء في نوره تعود على الله جل ذكره أي مثل هداه في قلب المؤمن وهو القرآن. والتقدير: الله هادي أهل السماوات بآياته البينات، مثل هداه وآياته التي هدى الله بها خلقه في قلوب المؤمنين، كنور هذا المصباح الموصوف بهذه الصفات. وهو قول ابن عباس الذي تقدم ذكره. وقال: كعب الأحبار: النور هنا لمحمد، والهاء لمحمد عليه السلام والمعنى: مثل نور محمد ﷺ كمشكاة، وكذلك روي عن ابن جبير. فيكون المعنى: الله هادي أهل السماوات والأرض ثم استأنف فقال: مثل نور محمد إذا كان مستودعاً في الأصلاب كمشكاة هذه صفتها، والمصباح عني به قلب محمد ﷺ، شبه بالمصباح في ضيائه ونوره لما فيه من الإيمان والحكمة. ﴿ٱلْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ﴾، يعني قلبه في صدره كأنها كوكب دري أي صدره في صفاه ونوره لما فيه من الإيمان والحكمة، ﴿كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ يعني به الزهرة ﴿يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾، أي استنار نور محمد من نور إبراهيم، فإبراهيم هو الشجرة المباركة ومحمد عليه السلام على ملته ودينه، فمنه استنار ثم مثل الله. إبراهيم فقال: ﴿زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ﴾، أي إن إبراهيم لم يكن يصلي إلى المشرق ولا إلى المغرب، فهو في الضياء مثل هذه الزيتونة التي لا تصيبها الشمس إذا غربت ولا إذا طلعت فزيتها على هذا أطيب، وأصفى وأضوى. وهذا التفسير قد روي من طرق وغيره أشهر وأكثر، وقد ذكرناه ونذكره أيضاً فيما بعد إن شاء الله. وقال زيد بن أسلم والحسن: الهاء لله والتقدير: الله نور السماوات والأرض مثل نوره، ونوره القرآن أي مثل هذا القرآن في القلب كمشكاة هذه صفتها. وعن ابن عباس: إن النور هنا الطاعة سمى طاعته نوراً. وقيل: الهاء تعود على المؤمن أي مثل نور المؤمن والذي في قلبه من الإيمان، والقرآن كمشكاة، قاله: أبي بن كعب. وقال ابن جبير والضحاك: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾، مثل نور المؤمن كمشكاة والمشكاة كل كوة لا منفذ لها. وقيل: هو مثل ضربه الله لقلب محمد عليه السلام. قال كعب الأحبار: المصباح قلب محمد في زجاجة الزجاجة صدره كأنها كوكب دري، شبه صدر النبي عليه السلام بالكوكب الدري، ثم رجع في المصباح إلى قلبه فقال: ﴿يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ﴾، أي لم يمسها شمس المشرق، ولا شمس المغرب ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيۤءُ﴾، أي يكاد محمد ﷺ يتميز للناس، ولو لم يتكلم، أنه نبي، كما يكاد ذلك الزيت يضيء ولو لم يتمسه نار ﴿نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ﴾. وقال ابن عباس: المشكاة كوة البيت. وقال آخرون: عني بالمشكاة صدر المؤمن، والمصباح القرآن والإيمان والزجاجة قلبه. وهذا المثل ضربه الله للمؤمنين. هذا قول أبي بن كعب. قال أبيّ: جعل القرآن والإيمان في صدر المؤمن كمشكاة، فالمشكاة صدره. ﴿فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ المصباح القرآن والإيمان اللذان جعلا في صدره. ﴿ٱلْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ﴾، قال: فالزجاجة قلبه فيه القرآن والإيمان ﴿ٱلزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ قال: فمثل ما استنار فيه من القرآن والإيمان كأنه كوكب دري أي مضيء ﴿يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾، فالشجرة المباركة أصله وهو الإخلاص لله وحده وعبادته لا شريك له ﴿لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ﴾، أي مثله كمثل شجرة التفت بها شجرة، فهي ناعمة لا تصيبها الشمس على أي حال كانت لا إذا طلعت ولا إذا غربت، وكذلك هذا المؤمن قد أجير من أن يصيبه شيء من الفتن، وقد ابتلي بها فثبته الله فيها فهو بين أربع خلال: إن أعطي شكر، وإن ابتلي صبر، وإن حكم عدل، وإن قال صدق، فهو في سائر الناس كالرجل الحي يمشي في قبور الأموات. * * * ثم قال تعالى: ﴿نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ﴾، فهو يتقلب في خمسة من النور فكلامه نور، وعمله نور، ومدخله نور، ومخرجه نور، ومصيره إلى النور يوم القيامة: إلى الجنة. وقال ابن عباس: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ مثل هدى الله في قلب المؤمن. وقال قتادة: مثل نور الله في قلب المؤمن، فالهاء في نوره تعود على الله والنور معنى الهدى. وقيل: تعود على المؤمن. وقيل: على محمد عليه السلام. وقد مضى هذا. قال القتبي: هو مثل ضربه الله تعالى لقلب المؤمن، وما أودعه من الإيمان والقرآن من نوره، لكنه بدأ بنفسه فقال: ﴿ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾، أي بنوره يهتدي من في السماوات والأرض. ثم قال ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾، يعني مثل نور المؤمن. وقيل: معناه: مثل نور الله في قلب المؤمن ونور الله الإيمان به. وكان أبيّ يقرأ (مثل نور المؤمن) وقد مضى أكثر هذا، فالمعنى على قول ابن عباس وغيره: الله هادي أهل السماوات وأهل الأرض إلى أمور دينهم ومصالحهم والكلام فيه توسع ومجاز لأنه قد علم أن الله لا يكون نوراً ولا ضياء ولا من جنس النور ولا الضياء، لأن النور والضياء مخلوقان لله جل ذكره، ومعنى ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ أي صفة هدى الله للمؤمنين في قلوبهم. وهذا يدل على أن معنى ﴿ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾، أي هاديهن وليس الله هو النور لأنه قد شبه النور المذكور بالمشكاة الموصوفة، والله لا يشبهه شيء، ولا يُشَبَّه بشيء، فنوره إنما هو هداه ودلالة خلقه إلى مصالحهم في دينهم ودنياهم، فإنما شبه هداه لخلقه بما يعقلون من المشكاة فيها المصباح الذي هو في زجاجة، تلك الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد بزيت من شجرة صفتها كذا، وذلك كله مبالغة في صفة هدى الله عباده. * * * وقوله: ﴿لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ﴾. قال قتادة: "لا يفيء عليها ظل الشرق ولا ظل الغرب ضاحية، وذلك أصفى للزيت كأنه يقول: إن الشمس لا تفارقها". وقال الحسن: ليست من شجر الدنيا. وعن ابن عباس ومجاهد: أنه مثل للمؤمن، غير أن المصباح وما فيه مثل فؤاد المؤمن، والمشكاة مثل الجوف. وقال الحسن: معناه مثل القرآن في قلب المؤمن كمشكاة هذه صفتها. وقال ابن زيد: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾، نور القرآن الذي أنزله الله على رسوله، فهذا مثل القرآن يستضاء به في نوره، ويعملون به، ويأخذون به، وهو لا ينقص. فهذا مثل ضربه الله لنوره. وقال مجاهد: المشكاة القنديل. وقيل: هو الحديد الذي يعلق فيه القنديل: قاله أيضاً مجاهد. واختار الطبري أن يكون هذا المثل، مثل ضربه الله للقرآن في قلب أهل الإيمان به، فقال: الذي أنار به لعباده سبيل الرشاد - الذي أنزله إليهم فآمنوا به، في قلوب المؤمنين - مثل مشكاة وهي عمود القنديل الذي فيه الفتيلة وهو نظير الكوة التي تكون في الحيطان التي لا منفذ لها، وإنما جعل ذلك العمود مشكاة لأنه غير نافذ وهو أجوف مفتوح إلى الأعلى، وهو كالكوة في الحائط التي لا تنفذ. * * * ثم قال: ﴿فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾، وهو السراج، والمصباح، مثل لما في قلب المؤمن من القرآن والآيات البينات. * * * ثم قال: ﴿ٱلْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ﴾، يعني إن السراج الذي في المشكاة، في القنديل وهو الزجاجة وذلك مثل القرآن، يقول: القرآن الذي في قلب المؤمن الذي أنار الله به قلبه في صدره، ثم مثل الصدر في خلوصه من الكفر بالله والشك فيه، واستنارته، بنور القرآن بالكوكب الدري، فقال: ﴿ٱلزُّجَاجَةُ﴾ وذلك صدر المؤمن الذي فيه قلبه ﴿كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ ومعنى قراءة من قرأ ﴿دُرِّيٌّ﴾ بالتشديد وضم الدال أنه نسبه إلى الدر ومعناه: أن فضل هذا الكوكب في النور على سائر الكواكب كفضل الدر على سائر الحَبّ، ومن قرأ دِرئ بكسر الدال والمد والهمز جعله من إندرأ الحريق إذا اندفع. وحكى الأخفش سعيد: درأ الكوكب بضوئه إذا امتد ضوءه وعلا. وقيل: هو فعيل من درأت لأن معناه يدفع ويرجم به الشياطين. وأنكر أبو عبيدة هذه القراءة إن كانت من درأت إذا دفعت وضعفها لأن الكواكب كلها تندفع فلا فضل لأحدهما على الآخر فلا فائدة في وصفه له بالاندفاع لأنها كلها تندفع. فأما قراءة من قرأ بضم الدال والمد والهمز، فقد أنكرها جماعة، إذ ليس في الكلام. فُعَيلٌ، وقد جوزها أبو عبيدة وقال: هو فعول مثل سيوح، وأصله درؤ وأبدلوا من الواو ياء كما قالوا: عتي. وأنكر هذا القول على أبي عبيدة لأِنه لا يشبع عتي إن كان جمع عات، فالبدل فيه لازم لأن الجمع باب تغيير والواو لا يكون طرفاً في الأسماء وقبلها ضمة، فاعتلاله لازم، فإن كان عتياً مصدراً فيجب قلب الواو لأنها ظرف في فعول وليست الواو في دري إذا جعل أصله دروي ظرفاً فلا يشتبهان، ووجه هذه القراءة، عند بعض النحويين أنه فعيل كَمُريق، على أن مُريقاً أعجمي، فلا يجب أن يحتج به. والكوكب الذي شبه بالزجاجة، هو الزهرة قاله الضحاك. ومن قرأ ﴿يُوقَدُ﴾ على تفعل جعله فعلاً ماضياً خبراً عن المصباح. وقيل، خبراً عن الكوكب. ومن قرأ بالياء، على يفعل جعله فعلا مستقبلاً لم يسم فاعله راجعاً إلى المصباح. ومن قرأ بالتاء على تفعل جعله فعلاً لم يسم فاعله مستقبلاً أيضاً راجعاً على الزجاجة لأنها أقرب إليه، فلما كان الاتقاد فيها جاز أن توصف هي به لعلم السامعين بالمعنى، كما قالوا: ليل نائم، وسر كاتم، وقد نام ليلك، وكقوله: ﴿فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ [إبراهيم: ١٨] فوصف اليوم بالعصوف والعصوف للريح، لكن لما كان الريح في اليوم جعل وصفاً لليوم لعلم السامعين بالمعنى وهو كثير في كلام العرب. وأنشد الفراء: ؎ "يومين غيمين، ويوماً شمساً" فجعل الغيمين وصفاً لليومين لأنهما في اليومين يكونان، فكذلك وصف الزجاجة بأنها توقد لأن الإيقاد فيها يكون. ومعنى قوله: ﴿يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ﴾، أي توقد من دهن شجرة. * * * وقوله: ﴿لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ﴾. قال ابن عباس: لا شرقية بغير غرب ولا غربية بغير شرق. وقال الحسن: ليست هذه الشجرة في الأرض، ولو كانت في الأرض لكانت شرقية أو غربية، ولكنه تمثل بالنور. وقال أبو مالك: لا يصيبها الشمس وقت الشرق ولا وقت الغرب ولكنها بين شجر في فجوة من ذلك فهي في ظل أبداً قد سترها ما حولها من الشجر. وقيل إنها يصيبها الشمس عند الشروق وعند الغروب، ولم تخلص للشروق فيقال لها شرقية، ولا للغروب فيقال لها غربية، ولكنها قد جمعتهما كما يقال: فلان لا أبيض ولا أسود إذا كان فيه بياض وسواد، ويقال: هذا لا حلو ولا حامض أي لم يخلص له أحد الطعمين، فهذا قول مختار وهو معنى قول ابن عباس المتقدم. وقال عكرمة: لا تخلو من الشمس وقت الغروب والشروق، وذلك أصفى لذهنها وهذا موافق لمذهب ابن عباس أيضاً. وعن مجاهد أنه قال: لا يُكنها جبل ولا وادي. وقال قتادة: هي شجرة بارزة للشمس. وقال الضحاك: لا تصيبها الشمس، وعنه مثل قول قتادة. وعن مجاهد أيضاً أنه قال: هي شجرة تكون فوق جبل تطلع عليها الشمس وتغرب عليها. وقال القتبي: المعنى أنها: ليست بارزة للشمس، لا يصيبها الظل فيقال لها شرقية، وليست في الظل لا تصيبها الشمس فيقال لها غربية. وقال الطبري: معناه: ليست شرقية تطلع عليها الشمس بالغداة، من الشرق دون العشي، ولا غربية تطلع عليها الشمس بالعشي دون الغداة، ولكن الشمس تشرق عليها وتغرب، فهي شرقية غربية، وهذا أيضاً قول ابن عباس بعينه وهو قول عكرمة. * * * وقوله: ﴿يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾، قال الطبري: معناه أن هذا القرآن من عند الله، وأنه كلامه، فجعل مثله ومثل كونه من عنده، مثل المصباح الذي يوقد من الشجرة المباركة التي وصفها بعده. * * * وقوله: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيۤءُ﴾ يعني أن حجج الله على خلقه تكاد من بيانها ووضوحها تضيء لمن فكر فيها ونظر. * * * وقوله: ﴿وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾، أي ولو لم يزدها الله بياناً ووضوحاً، فأنزل القرآن إليهم منبهاً لهم على توحيده، فكيف وقد نبههم وذكرهم بآياته فزادهم حجة إلى حجة عندهم قبل ذلك. فذلك بيان من الله جل ذكره ونور على البيان. * * * وقوله: ﴿نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ﴾ النور الأول النار، والثاني الزيت الذي يكاد يضيء من صفاه قبل أن تمسه النار، قاله مجاهد. قال: الطبري: هو مثل للقرآن، أي هذا القرآن نور من عند الله أنزله على خلقه يستضيئون به. وقوله ﴿عَلَىٰ نُورٍ﴾ يعني الحجج والبيان الذي نصبه الله لهم مما يدل على وحدانيته قبل مجيء القرآن. قال ابن زيد: ﴿نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ﴾، يضيء بعضه بعضاً يعني القرآن. * * * قوله: ﴿يَهْدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ﴾، أي يوفق الله لاتباع نوره وهو القرآن من يشاء من عباده. * * * ثم قال: ﴿وَيَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ لِلنَّاسِ﴾، أي ويمثل الله الأمثال للناس، يعني به ما مثل لهم من مثل القرآن في قلب المؤمن، بالمصباح في المشكاة، وسائر ما في الآية من الأمثال. * * * ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلَيِمٌ﴾، أي عليم بالأشياء كلها، ومن قال: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ أي نور المؤمن جاز له أن يقف على ﴿ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾، ومن قال المعنى: مثل نور الله لم يقف إلا على مصباح ﴿ٱلْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ﴾، تمام، ﴿دُرِّيٌّ﴾ تمام ﴿تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾، تمام [للناس]، قطع. و [عليم]، تمام إن جعلت في "بيوت" متعلقاً بيسبح. فإن جعلته على قول ابن زيد متعلقاً بقوله: ﴿فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾، لم تقف إلى ﴿عَلَيِمٌ﴾ وكذلك إن جعلته متعلقاً ﴿يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾ وهو قول الطبري. وكذلك إن جعلته حالاً مما تقدم لم تقف على ﴿عَلَيِمٌ﴾ وهو قول: أحمد بن يحيى. وفي هذه الآية، قول غريب منه ما يوافق ما تقدم، ومنه ما يخالف. ذكره الدمياطي في تفسيره وهو أن قوله ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ أي مثل نور محمد عليه السلام إذ كان مستودعاً في صلب عبد المطلب كمشكاة يعني كوة غير نافذة على لغة الحبش، ﴿فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ يعني قلب النبي، شبهه بالمصباح في ضيائه ونوره لما فيه من الحكمة والإيمان. ﴿ٱلْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ﴾، يعني قلبه في صدره ﴿ٱلزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾، أي صدره في صفاه ونوره لما فيه من الإيمان والحكمة ﴿كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ يعني الزهرة. ﴿يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾، أي استنار نور محمد من نور إبراهيم، فإبراهيم هو الشجرة المباركة، ومحمد عليه السلام على ملته ودينه، فمنه استنار، ثم مثل إبراهيم فقال: ﴿زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ﴾، أي إن إبراهيم لم يكن يصلي إلى المشرق ولا إلى المغرب فهو في الضياء مثل هذه الزيتونة التي لا تصيبها الشمس إذا طلعت، ولا إذا غربت، فزيتها أضوى وأطيب. وقيل معنى ﴿لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ﴾، أي إن إبراهيم لا يهودي ولا نصراني بل هو حنيف مسلم. وهذا التفسير مخالف في أكثره لجميع ما قدمناه. والله أعلم بحقيقة ذلك، فهذا ما وصل إلينا في تفسير هذه الآية، والله أعلم بصحة معناها وبما أراد فيها.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب