الباحث القرآني

قوله تعالى ذكره: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ﴾، إلى قوله: ﴿سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ﴾، أي الله نور السماوات والأرض مثل نوره أي نور القرآن ﴿كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ﴾ فيكون قوله: ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ ظرف للمصباح ويتعلق به فيكون على قول ابن زيد: يسبح له فيها: من صفة البيوت. وقيل: المعنى ﴿يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾ ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ﴾ فيكون متعلقاً ﴿يُوقَدُ﴾ ويسبح أيضاً وما بعده صفة للبيوت. وقيل: المعنى كمشكاة في بيوت، فيسبح أيضاً وما بعده صفة، فلا يقف على هذه الأقوال على ما قبل ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ وقيل: المعنى: يسبح له رجال في بيوت فتقف على هذا على ما قبل ﴿فِي بُيُوتٍ﴾. قال ابن عباس وأبو صالح، ومجاهد، والحسن، وابن زيد: هي المساجد. قال ابن عباس: نهي عن اللغو فيها. وقال عمرو بن ميمون: أدركت أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: المساجد بيوت الله، وأنه حق على الله أن يكرم من زاره فيها. وقال عكرمة: هي البيوت كلها. وقال: الحسن: يعني به بيت المقدس. وعن مجاهد أنه قال: هي بيوت النبي ﷺ. وقيل: في الكلام معنى الإغراء والمعنى: صلوا في بيوت أذن الله أن ترفع أي يرفع قدرها وتصان وتجل، وأذن الله أن يذكر فيها اسمه، وهي المساجد. وروى ابن زيد عن أبيه أن النبي ﷺ قال: ما من أحد يغدو أو يروح إلى المسجد يؤثره على ما سواه، إلا وله عند الله منزلاً يعد له في الجنة، كلما غدا وراح، كما أن رجلاً منكم لو زاره من يحب زيارته لاجتهد في كرامته وقوله: ﴿أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ﴾، قال مجاهد: ترفع: تبنى. وقال الحسن: ترفع: تعظم لذكره وتصان. وقول مجاهد أولى لقوله: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَٰهِيمُ ٱلْقَوَاعِدَ مِنَ ٱلْبَيْتِ وَإِسْمَٰعِيلُ﴾ [البقرة: ١٢٧]، أي يبنيان. * * * وقوله: ﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ﴾ أي وأذن لعباده أن يذكروا فيها اسمه. قال ابن عباس: ﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ﴾، أي يتلى فيها كتابه. * * * ثم قال: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ * رِجَالٌ﴾، أي: يصلي لله في هذه البيوت بالغدوات والعشيات رجال، يعني صلاة الصبح، وصلاة العصر وهما أول ما افترض الله من الصلاة. وعن ابن عباس: أن كل تسبيح في القرآن فهو صلاة. قال الحسن: أذن أن تبنى يصلى له فيها بالغدو والآصال. وواحد الآصال: أُصُلٌ وواحد الأُصُل أصيل، والآصال: جمع الجمع. وذكر ابن أبي مُلَيْكة عن ابن عباس أنه قال: إن صلاة الضحى لفي كتاب الله عز وجل وما يغوص عليها إلا غواص ثم قرأ: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ﴾، كأن ابن عباس جعل تسبيح الغدو صلاة الضحى. * * * ثم قال: ﴿رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ﴾، أي: لا يُشغلهم عن صلاتهم في هذه المساجد شيء. ونظر سالم بن عبد الله إلى قوم من أهل السوق، قاموا وتركوا أشغالهم يريدون الصلاة فقال: هؤلاء الذين ذكر الله في كتابه: ﴿لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ﴾. وذكر الله هنا: الصلاة المكتوبة، قاله ابن عباس وغيره. قال عطاء: ﴿عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ﴾، أي: عن حضور الصلاة المكتوبة. وعن عبد الله بن عمر، وعن ابن مسعود مثل قول سالم بن عبد الله. في القائمين عن أشغالهم إلى الصلاة. وروت أسماء بنت يزيد الأنصارية أن رسول الله ﷺ قال:إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة نادى مناد يسمع الخلائق كلهم سيعلم الله الجمع من أولى بالكرم اليوم، ثم يرجع فينادي: ليقم الذين كانت: ﴿تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً﴾ الآية قال: فيقومون وهم قليل، ثم يرجع فينادي ليقم الذين كانت ﴿لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ﴾، إلى قوله: ﴿ٱلأَبْصَارُ﴾ قال: فيقومون وهم قليل، ثم يرجع فينادي ليقم الذين كانوا يحمدون الله في السراء والضراء، فيقومون وهم قليل. قال: ثم يحاسب سائر الناس وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال في هذه الآية: هم الذين يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله. ثم قال: ﴿وَإِقَامِ ٱلصَّلاَةِ وَإِيتَآءِ ٱلزَّكَـاةِ﴾، أي: ولا يلهيهم شيء عن إقامة الصلاة عند مواقيتها، وعن أداء الزكاة عند وقتها. وإقام مصدر أقمت وأصله إقواماً، ثم قلبت الواو ألفاً، فاجتمع ألفان، فحذفت إحداهما لالتقاء الساكنين، فبقي إقاماً فدخلت الهاء عوضاً من المحذوف، فصارت إقامة، فلما أضيف المصدر: قام المضاف إليه مقام الهاء التي دخلت عوضاً من الألف المحذوفة فإذا اضفت هذا المصدر جاز حذف الهاء، لأن المضاف إليه يقوم مقامها. ألا ترى أنك تقول: وعدته عدة فتثبت الهاء لأمها عوضاً من الفاء، فإن أضفته جاز حذف الهاء. قال الشاعر: ؎ إن الخليط أَجَدُّوا البين فانجردوا ∗∗∗ واخلفوك عدا الأمر الذي وعدوا يريد عدة الأمر. وقال ابن عباس: الزكاة هنا طاعة الله جل ذكره، والإخلاص، وكذلك عنده ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّـلاَةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَـاةَ﴾ وقوله: ﴿يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِٱلصَّـلاَةِ وَٱلزَّكَـاةِ﴾ [مريم: ٥٥] وقوله: ﴿وَأَوْصَانِي بِٱلصَّلاَةِ وَٱلزَّكَاةِ﴾ [مريم: ٣١]، وقوله: ﴿مَا زَكَىٰ مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً﴾ [النور: ٢١]، وقوله: ﴿وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ وقوله: ﴿يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٤]، وقوله تعالى: ﴿وَحَنَاناً مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً﴾ [مريم: ١٣]، هذا كله ونحوه عنده. عني به الطاعة لله والإخلاص. ثم قال: ﴿يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلْقُلُوبُ وَٱلأَبْصَارُ﴾، أي: تعرف القلوب فيه الأمر عياناً ويقيناً، فتنقلب عما كانت عليه من الشك والكفر إلى اليقين، ويزداد المسلمون يقيناً، ويكشف عن الأبصار غطاؤها فتنظر الحق، ومثله ﴿فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢]، وقيل: المعنى. تتقلب فيه القلوب من هوله بين طمع بالنجاة، وحذر من الهلاك، وتنقلب الأبصار في نظرها، أي ناحية يؤخذ بهم لذات اليمين أم ذات الشمال؟ ومن أين يوتون كتابهم، أمن قبل الأيمان أم من قبل الشمائل؟ وذلك يوم القيامة. وقيل: معناه تنقلب في النار من حال إلى حال، ومن عذاب إلى عذاب مرة إنضاج، ومرة إحراق، ومرة لَفْح. وقيل: هو تقلبها على جمر جهنم، كما قال: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي ٱلنَّارِ﴾ [الأحزاب: ٦٦]، وكما قال: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَٰرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ١١٠]، أي: نقلبها في النار. * * * ثم قال تعالى: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ﴾، أي وأطاعوا، وعملوا ما تقدم ذكره خوف عقاب الله ولكي يثيبهم يوم القيامة بأحسن أعمالهم في الدنيا، ولكي يزيدهم من ثوابه ومن فضله. ﴿وَٱللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾، أي يتفضل على من يشاء بما لم يستحقه من ثواب عمله بغير محاسبة، ولا يوقف على ﴿ٱلآصَالِ﴾ لأن رجالاً مرفوعون بيسبح، فأما على قراءة من قرأ يسبح على ما لم يسم فاعله، فيقف على ﴿ٱلآصَالِ﴾ لأن رجالاً عند سيبويه: مرفوعون بإضمار فعل، كأنه قيل: من يسبحه؟ فقيل: يسبحه رجال. ومن رفع رجالاً على هذه القراءة بالابتداء، و ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ الخبر لم يقف على ﴿ٱلآصَالِ﴾. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾، هذا مثال ضربه الله لأعمال الكفار، أي والذين جحدوا آيات الله، أعمالهم التي عملوها في الدنيا مثل سراب. والسراب ما لصق بالأرض وذلك يكون نصف النهار، وحين يشتد الحر. وإذا أري من بعد ظن أنه ماء. والآل ما رأيت أول النهار وآخره الذي يرفع كل شيء. وقوله ﴿بِقِيعَةٍ﴾ هو جمع قاع، كالجيرة: جمع جار، هذا قول الفراء. وقال: أبو عبيدة: قيعة وقاع واحد، والقاع والقيعة ما انبسط من الأرض، ولم يكن فيه نبت، وفيه يكون السراب. و ﴿يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً﴾، أي يحسب العطشان ذلك السراب ماء حتى إذا جاء السراب ليشرب منه لم يجده شيئاً. وقيل: المعنى: جاء موضع السراب لأن السراب ليس بشيء، وكذلك الكافر بالله، عمله يحسب أنه ينجيه عند الله من عذابه. حتى إذا هلك وجاء وقت حاجته إلى عمله لم يجده شيئاً يفعله إذا كان على كفر بالله. * * * ثم قال: ﴿وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُ﴾، أي ووجد هذا الكافر وعد الله بالجزاء على عمله بالمرصاد، فوفاه حساب عمله وجازاه عليه. هذا معنى قول ابن عباس وأبي بن كعب، ومجاهد، والحسن، وقتادة، وابن زيد. فالضمير في لم يجده و ﴿جَآءَهُ﴾ للظمآن، والضمير في ﴿وَجَدَ﴾ للكافر الذي ضرب الله مثلاً بالظمآن. فالمعنى أن الكافر يأتي يوم القيامة أحوج ما كان إلى عمله فلا يجد شيئاً، كهذا الظمآن يأتي إلى السراب الذي يظنه ماء أحوج ما كان إليه لشدة عطشه فلا يجد شيئاً. وقوله ﴿وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ﴾، أي لا يحتاج إلى عقد عند حساب، هو عالم بذلك كله قبل أن يعمله العبد وإنما، سماه حساباً لأنه أعطاه جزاء عمله على قدر ما استحقه. وقال ﴿سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ﴾، لأن محاسبته لعبد وإعطاءه جزاء عمله لا يشغله عن محاسبة غيره من عبيده، لأنه تعالى لا يشغله شأن عن شأن.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.