الباحث القرآني

قوله تعالى ذكره: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ﴾، إلى قوله: ﴿لَعِبْرَةً﴾ ﴿لأُوْلِي ٱلأَبْصَارِ﴾، الكاف في ﴿كَظُلُمَاتٍ﴾، في موضع رفع عطف على الكاف في ﴿كَسَرَابٍ﴾، والكاف في ﴿كَسَرَابٍ﴾، في موضع رفع خبر الابتداء، وهو أعمالهم. وقيل: التقدير أو هي كظلمات، فتقف على هذا القول على ما قبل ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ﴾ ولا تقف على القول الأول لأنه معطوف على ما قبله. وهنا مثل آخر ضربه الله تعالى لأعمال الكفار في أنها عملت على خطأ، وفساد، وضلالة من، فأعمالهم مثل ظلمات في بحر لجي، أي عميق كثير الماء، ولجة البحر معظمه ووسطه. ﴿يَغْشَاهُ مَوْجٌ﴾، أي يغشى البحر موج، من فوق ذلك الموج موج، من فوق ذلك الموج سحاب. ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾، فالظلمات مثل لأعمال الكفار، والبحر اللجي مثل لقلب الكافر، أي عمله بنية قلب قد غمره الجهل، وغشيته الضلالة والحيرة. كما يغشى هذا البحر موج من فوقه موج من فوقه سحاب، فكذلك قلب الكافر الذي عملُه كالظلمات يغشاه الجهل بالله، إذ الله ختم عليه، فلا يعقل عن الله، وعلى سمعه، فلا يسمع مواعظ الله، وعلى بصره غشاوة، فلا يبصر حجج الله، فتلك الظلمات بعضها فوق بعض. قال: ابن عباس: الظلمات: الأعمال، والبحر اللجي: قلب الإنسان. وقوله: ﴿يَغْشَاهُ مَوْجٌ﴾، إلى ﴿فَوْقَ بَعْضٍ﴾، يعني به الغشاوة التي على القلب والسمع والبصر. وقال أبي بن كعب: الكافر يتقلب في خمس من الظلم: فكلامه ظلمة، وعمله ظلمة، ومخرجه ظلمة، ومدخله ظلمة، ومصيره إلى الظلمات يوم القيامة في النار، فأعلمنا الله بهذه الآيات أمثال المؤمنين وأعمالهم، وأمثال الكفار وأعمالهم، وأن المؤمن يجد عمله عند الله فيجازيه عليه، ويزيده تفضلاً، وأن الكافر لا يجد شيئاً إذ لم يكن معه توحيد تقبل الأعمال معه. ولا تقف على ﴿يَغْشَاهُ مَوْجٌ﴾، لأن ﴿مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾، نعت له، وكذا ﴿مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾، لا تقف عليه لأن ﴿مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ﴾، نعت له، وتقف على ﴿سَحَابٌ﴾ على قراءة من رفع "سحاباً" و "ظلمات" وإن كسرت التاء، وأضفت سحاباً إلى ظلمات لم تقف على سحاب لأنه مضاف إلى الظلمات، فإن نونت وكسرتها، لم تقف على سحاب أيضاً، لأن ظلمات بدل من ظلمات الأول. * * * ثم قال تعالى: ﴿إِذَآ أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾، أي إذا أخرج الناظر يده من هذه الظلمات التي وصفت لم يكد يراها، أي رآها بعد تعب وشدة. رؤية خفية، فإن قيل: كيف رآها مع هذه الظلمات المتضاعفة، فالجواب: أنه كقول القائل: ما كدت أراك من الظلمة أي ما رأيتك إلا بعد نظر وشدة، وتعب، فكذلك هذا. وقيل: المعنى إذا أخرج يده رائياً لها لم يكد يراها، أي لم يقرب من أن يراها، فهو لم يرها من شدة الظلمة. وقيل: المعنى: إذا أخرج يده لم يرها، ويكد داخل كدخول الظل فيما معناه اليقين كقوله تعالى: ﴿وَظَنُّواْ مَا لَهُمْ مِّن مَّحِيصٍ﴾ [فصلت: ٤٨]. وقيل: المعنى لم يرها ولم يكد أي لم يقرب من الرؤية لشدة الظلمة. * * * ثم قال: ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ﴾، أي من لم يرزقه الله إيماناً وهدى من الضلالة، ومعرفة بكتابه فما له من هدى ولا إيمان ولا معرفة. وقال الزجاج: ذلك في الدنيا: أي من لم يجعل الله له هداية إلى الإسلام في الدنيا لم يهتد. وغيره يتأوله في في الآخرة، أي من لم يجعل الله له نوراً إلى الجنة، والنور الإيمان بالله. ثم قال تعالى ذكره: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلطَّيْرُ صَآفَّاتٍ﴾، أي أَلَم تر يا محمد بعين قلبك أن الله يصلي له من في السماوات والأرض من مَلَكٍ، وإنس، وجن، والطير صافات أيضاً في الهواء تسبح لله، كل قد علم الله صلاته وتسبيحه، قال مجاهد: الصلاة للإنسان، والتسبيح لما سوى ذلك من الخلق. وقيل: المعنى كل قد علم صلاة الله. أي الصلاة التي فرض الله وتسبيح الله. * * * وقوله: ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾، يدل على قوة قول من قال: معناه: قد علم الله صلاته وتسبيحه. وإظهار اسم الله في ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ﴾، يدل على قوة كون الضمير في الموضعين لغير الله، إذ لو كان لله لم يظهر الاسم، لتقدم ذكره في قوله تعالى: ﴿أَنَّ ٱللَّهَ يُسَبِّحُ﴾، وكان يلزم أن يكون "وهو عليم". وإنما يجوز في هذا لأن المعنى لا يشكل، فلا يظن فيه أن الثاني غير الأول، وهو مثل: "لا أرى الموت يسبق الموت شيء". وقيل: معنى التسبيح من الخلق كلهم، في هذا هو أن ما في الخلق من الدلالة على قدرة الله، تنزيه له من كل سوء، ومن أن يعبد غيره، وليس هو تسبيح على الحقيقة، إذ لو كانت الطير تسبح على الحقيقة لكانت مكلفة بالطاعة، ولكانت بمنزلة العقلاء من الناس المكلفين، فهو مجاز في ما لا يعقل. والقول الأول عليه أكثر الناس. ومعنى ﴿عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾، أي هو ذو علم بما يفعل كل مصل ومسبح منهم، لا يخفى عليه شيء. وتقف على ﴿تَسْبِيحَهُ﴾، إذا جعلت الضمير يعود على المصلي والمسبح، ثم تبتدئ ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾، وإن جعلت الضمير يعود على الله أو جعلت الضمير في علم الله، لم تقف إلا على ﴿يَفْعَلُونَ﴾ لأن الاسم قد ظهر وهو أفخم عند سيبويه من إضماره في مثل هذا المعنى لا يشكل. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾، أي: له سلطانهما وملكهما دون كل من هو دونه من سلطان ومَلِكٍ. * * * ثم قال: ﴿وَإِلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ﴾، أي: الله مرجعكم بعد موتكم فيوفيكم أجور أعمالكم فأحسنوا العمل تدركوا الأمل. * * * ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُزْجِي سَحَاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾، يزجي يسوق السحاب حيث يريد ﴿ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾، أي: يؤلف قطعه أي يلصق بعضها إلى بعض ويقربها، لأن السحاب يحدث قطعاً، قطعاً. وقيل: معناه يؤلف متفرقه لأن السحاب جمع سحابة. وقال عبيد بن عمر: "الرياح أربع: يبعث الله الريح الأولى: فَتَقُمُّ الأرض قَمّاً، ثم يبعث الثانية فتنشئه سحاباً، ثم يبعث الثالثة فتؤلف بينه فتجعله ركاماً، أي متراكماً بعضه على بعض، ثم يبعث الرابعة فتمطره، والودق المطر". ومعنى: ﴿مِنْ خِلاَلِهِ﴾، أي: من بين السحاب، والهاء من ﴿خِلاَلِهِ﴾ تعود على السحاب والخلال جمع خَلَلٍ. وقرأ ابن عباس، والضحاك: من خلَلِه بالتوحيد لأنه مثل: جمل وجمال. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ﴾، فمن برد صفة للجبال، كما يقول: أعطيتك من طعام من بُرٍٍّ، فالجبال هي من برد مخلوقة، وفيها صفة أيضاً لجبال، كأنه قال: وينزل من السماء من جبال مستقرة في السماء مخلوقة من برد. وقيل: المعنى: وينزل من السماء قدر جبال أو أمثال جبال، من برد إلى الأرض. فيكون ﴿مِن بَرَدٍ﴾، في موضع نصب على البيان كقوله: ﴿أَو عَدْلُ ذٰلِكَ صِيَاماً﴾ [المائدة: ٩٥]. وقال الزجاج: معناه وينزل من السماء من جبال من برد فيها. كما تقول: هذا خاتم في يدي من حديد، أي خاتم حديد في يدي وإنما جئت في (هذا) وفي الآية بـ (من) لما فرقت، ولأنك إذا قلت: هذا خاتم من حديد، وخاتم حديد، كان المعنى واحداً، ويجوز أن يكون من برد في موضع نصب كما تقول: مررت بخاتم حديداً على الحال عند سيبويه. وعلى البيان عند المبرد، وإن شئت كان في موضع خفض على البدل كما تقول: مررت بخاتم حديد على البدل. وقيل: التقدير من جبال برد بتنوينهما، قاله الفراء. كما تقول: الإنسان من لحم ودم، والإنسان لحم ودم، فالجبال عنده هي البرد وليست الآية كالتمثيل الذي مثل، لأن حرف العطف في التمثيل وليس في الآية حرف عطف. وذهب الأخفش إلى أن من زائدة فيهما، ومن جبال، ومن برد في موضع نصب عنده. * * * وقوله: ﴿فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَآءُ﴾، أي: فيصيب بالبرد من يشاء فيهلكه أو يهلك به زرعه، ويصرفه عن من يشاء أي عن إهلاك من يشاء. * * * ثم قال: ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ﴾، أي: ضوؤه يذهب بالأبصار لشدة لمعانه. وقرأ أبو جعفر يزيد بن القعقاع: ﴿يَذْهَبُ بِٱلأَبْصَارِ﴾، بالضم وخطأه الأخفش، وأبو حاتم لأن "الباء" تعاقب الهمزة. وقيل: إن "جوازه" على زيادة الباء. وقيل: الباء متعلقة بالمصدر. والتقدير: يذهب إذهابه بالأبصار. وكذلك أجازوا أُدِخِلَ بالمُدْخَلِ "السجن" الدار فجمعوا بين الهمزة والباء على أن يتعلق الباء بالمصدر. وهو قول علي بن سلمان عن المبرد. * * * ثم قال: ﴿يُقَلِّبُ ٱللَّهُ ٱللَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ﴾، أي: يقلب من هذا في هذا، ومن هذا في هذا. وقيل: معناه يعقب بينهما: إذا ذهب هذا أتى هذا، فيقلب موضع الليل نهاراً وموضع النهار ليلاً. * * * ثم قال: ﴿إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي ٱلأَبْصَارِ﴾، أي: إن في إنشاء السحاب، ونزول المطر والبرد، وتقليب الليل والنهار لعبرة لمن اعتبر، والكاف من ذلك خطاب للنبي ﷺ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب