الباحث القرآني

جديد: تطبيق «تراث»
قوله تعالى: ﴿وَٱلْقَوَاعِدُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ ٱلَّلاَتِي لاَ يَرْجُونَ نِكَاحاً﴾ إلى قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾، أي: واللواتي قعدن من النساء عن التزويج وعن الولد من الكبر، ولا يرجون نكاحاً، ولا يرغب في نكاح مثلهن، فلا إثم عليهن، أن يضعن القناع الذي يكون فوق الخمار، والرداء عند أولي المحارم من الرجال غير متبرجات بزينة. خفف الله تعالى عنهن في وضع ثيابهن، إذ لا يرغب في النظر إليهن الرجال، ولا في نكاحهن، والنظر إلى شعورهن وما هو عورة منهن، لا يجوز لأحد فعله بمثل الشابة. وإنما خفف الله تعالى ذلك عنها ولم يبح للرجال النظر إلى شيء من عوراتهن من شعر وغيره، وإن كن لا يرغب في نكاحهن. واحدتهن قاعد بغير هاء وحذفت الهاء عند البصريين على النسبة. وقال الكوفيون: لما كان لا يقع إلا لمؤنث حذفت الهاء. وقيل: حذفت منه الهاء ليفرق بينه وبين القاعدة التي هي الجالسة. وقوله تعالى: ﴿وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ﴾، أي: ألا يضعن ذلك خير لهن. وقال مجاهد: معناه: أن يلبسن جلابيبهن فلا يضعنه خير لهن. ﴿وَٱللَّهُ سَمِيعٌ﴾، أي: يسمع ما تنطق ألسنتهم عليم بما تضمره صدورهم. * * * ثم قال: ﴿لَّيْسَ عَلَى ٱلأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾، الآية. هذه الآية نزلت ترخيصاً للمسلمين أن يأكلوا مع العميان والعرج والمرضى، وأن يأكلوا في بيوت غيرهم، وعلى بمعنى "في" وذلك أنهم تحرجوا من ذلك لما نزلت ﴿وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَاطِلِ﴾، قاله ابن عباس. وقال الضحاك: كان أهل المدينة قبل النبي ﷺ لا يخالطهم في طعامهم أعمى، ولا أعرج، ولا مريض على طريق التقزز. وقيل: على طريق التحرج. لأن المريض لا يستوفي الطعام كما يستوفي الصحيح، والأعرج المحتبس لا يستطيع المزاحمة على الطعام، والأعمى لا يبصر طيب الطعام، فأنزل الله تعالى إباحة ذلك في هذه الآية. وقيل: نزلت ترخيصاً لأهل الزمانة في الأكل من بيوت من سمى الله في هذه الآية. لأن قوماً من أصحاب النبي ﷺ كانوا إذا لم يكن عندهم في بيوتهم ما يطعمونهم ذهبوا بهم إلى بيوت آبائهم وأمهاتهم أو بعض من سمى الله، وكان أهل الزمانة يتحرجون أن يطعموا ذلك الطعام، قال ذلك مجاهد. وقيل: نزلت ترخيصاً لأهل الزمانة أن يأكلوا من بيوت من خلفهم في بيوته من الغزاة. وكان الغزاة يدفعون إليهم مفاتيح أبوابهم ويقولون: قد أحللنا لكم أن تأكلوا مما في بيوتنا، فكانوا يتحرجون من ذلك. قاله الزهري. وقيل: بل عني بذلك الجهاد، أي لا إثم عليهم في التخلف عن الجهاد. ثم ابتدأ كلاماً آخر فقال: ﴿وَلاَ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ﴾، قاله ابن زيد. وقيل: إنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُواْ﴾ [النور: ٢٧]، فإذا فرض عليهم ألا يدخلوا حتى يستأذنوا، فالدخول والأكل آكد ألا يفعل إلا بعد إذن، ولا يأكل حتى يدخل، وقد فرض عليه ألا يدخل إذا لم يجد فيها أحداً، فالأكل ممتنع لامتناع الدخول فهو ناسخ له. قال ابن زيد في قوله تعالى: ﴿وَلاَ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُواْ﴾، الآية. هذا شيء قد انقطع ونسخ؛ إنما كان هذا في أول الإسلام، ولم تكن لهم أبواب، وكانت الستور مرخاة، فربما دخل الرجل البيت ولا أحد فيه، وهو جائع فيجد طعاماً فسوغه الله أن يأكله، وقد ذهب ذلك، اليوم البيوت فيها أهلها وإذا خرجوا أغلقوها ولا يحل لأحد أن يفتح باب أحد، فليأكل متاعه بإجماع. وأكثر أهل النظر على أن الآية منسوخة بقوله: ﴿وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]، وبقوله: ﴿لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ ٱلنَّبِيِّ إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥٣] وبقول النبي ﷺ: "لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفسه وقيل: نزلت ترخيصاً لمن كان يتقي مؤاكلة الزمنى. فالآية على قول ابن زيد: منسوخة، وهي ناسخة لتحرجهم عن الأكل مع الزمنى على قول ابن عباس المتقدم، وهو قول جماعة من أهل العلم. وقوله ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَّفَاتِحهُ﴾، يعني وكيل الرجل وقيِّمه في ضيعته أنه لا بأس أن يأكل من الثمر ونحوه. قاله ابن عباس. قال أبو عبيد: هذا كله إنما هو بعد الإذن لأن الناس توقفوا أن يأكلوا لأحد شيئاً بإذن أو بغير إذن لما نزلت: ﴿وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]. وقيل: عني به منزل الرجل نفسه. أنه لا بأس عليه أن يأكل منه. وقال مجاهد: يعني خزائن الرجل ومتاعه. وقرأ قتادة: ﴿مَّفَاتِحهُ﴾ وهي لغة، ومفتح أكثر من مفتاح والمفتح: الخزانة. وقرأ ابن جبير: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَّفَاتِحهُ﴾، على من لم يسم فاعله، ومعنى ﴿وَلاَ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ﴾، ولا عليكم أيها الناس. ولما اجتمع مخاطب وغير مخاطب غلب المخاطب. فقوله ﴿تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ﴾، وما بعده من المخاطبة، يراد به جميع من ذكر من الأعمى، والأعرج، والمريض، وأصحاب البيوت. * * * وقوله: ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾، قال قتادة: فلو أكلت من بيت صديقك من غير أمره لم يكن بذلك بأس. * * * وقوله: ﴿أَوْ بُيُوتِ ءَابَآئِكُمْ﴾، وما بعده، ولم يذكر بيوت الأبناء يدل على أن بيت الابن داخل في بيت الرجل، فهو داخل في قوله: ﴿أَن تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ﴾، فبيت ابن الرجل مثل بيته، فدل ذلك على صحة قول النبي ﷺ: أنت ومالك لأبيك فمال ابن الرجل كمال الرجل، إلا ما أحكمته السنة في غير المأكول في بيت الإبن، وهذه الآية تدل على أن للرجل أن يأكل من بيت ابنه بغير إذنه، كما يأكل من بيته نفسه، لأن له أن يأخذ ماله ويستحل كسبه، وهو غني عن ذلك، فإن كان الأب فقيراً، فليس له على الابن إلا ما أحكمته السنة من النفقة بالمعروف. * * * ثم قال: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾، أي إثم وحرج أن تأكلوا جميعاً أي مع الفقراء والزمنى ﴿أَوْ أَشْتَاتاً﴾ أي متفرقين، وأشتاتاً نصب على الحال، وكذلك جميعاً. قال ابن عباس: كان الرجل الغني يدخل على الفقير، من ذوي قرابته وصداقته فيدعوه إلى الطعام، فيتحرج أن يأكل معه، لأنه فقير، فأمروا أن يأكلوا جميعاً أو أشتاتاً. وقيل: عني بذلك حي من العرب، كان لا يأكل أحدهم شيئاً وحده، ولا يأكل إلا مع غيره، فأذن الله أن يأكل من شاء منهم وحده، ومن شاء مع غيره. وعن ابن عباس أيضاً قال: كانوا يأنفون أن يأكل الرجل وحده حتى يكون معه غيره، فرخص الله لهم في ذلك. وقال ابن جريج: كانت بنو كنانة يستحي الرجل منهم أن يأكل وحده، حتى نزلت الآية. وقال الضحاك: كانوا لا يأكلون متفرقين ديناً لهم فأنزل الله إباحة ذلك. وقيل: عني به قوم من الأنصار. كانوا لا يأكلون إذا نزل بهم ضيف إلا مع ضيفهم فرخص الله لهم أن يأكلوا كيف شاءوا. روي في ذلك عن أبي صالح وعكرمة. وروى مطرف عن مالك عن ابن شهاب، عن ابن المسيب: أنه كان يقول في هذه الآية: إنها نزلت في ناس كانوا إذا خرجوا مع رسول الله ﷺ في مغازيه وضعوا مفاتيح بيوتهم عند الأعمى، والأعرج، والمريض، وعند أقاربهم، وكانوا يأمرونهم أن يأكلوا مما في بيوتهم، إذا احتاجوا إلى ذلك، فكانوا يتقون أن يأكلوا منها، ويقولون: نخشى ألا تكون أنفسهم طيبة بذلك، فأنزل الله تعالى هذه الآية أباح لهم الأكل منها. * * * وقوله: ﴿مِن بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ ءَابَآئِكُمْ﴾، ولم يذكر الأبناء، يدل على أن بيت الابن بيت الأب مع قول النبي ﷺ "أنت ومالك لأبيك"، ولما كانت بيوت الأب لا يملكها الابن قال: ﴿أَوْ بُيُوتِ ءَابَآئِكُمْ﴾، لو كان يملكها لكانت كبيته وبيت أبيه. وقوله عن أم مريم: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً﴾ [آل عمران: ٣٥] يدل على أن الرجل يملك أمر ابنه وماله حتى يبلغ، إذ لم تنذر أم مريم إلا فيما تملك، فإذا بلغ الولد فعل بنفسه ما شاء بالإجماع على ذلك. * * * ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ﴾، أي يسلم بعضكم على بعض، أي سلموا على أهليكم وعيالكم. قال عمرو بن دينار: فإن لم يكن في البيت أحد فقل السلام على النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، السلام على أهل البيت ورحمة الله. وقال ابن عباس: يقول إذا لم يكن في البيت أحد: السلام علينا من ربنا. وعن ابن عباس أنه: عني به المساجد تسلم إذا دخلت فإن لم يكن فيها أحد قلت: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. وقال النخعي: إذا لم يكن في المسجد أحد فقل: السلام على رسول الله، وإذا لم يكن في البيت أحد، فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. وقال الحسن معناه: إذا دخلتم بيوتاً من بيوت المسلمين فليسلم بعضكم على بعض. وقيل معناه: إذا دخلتم بيوتاً لا أحد فيها: فسلموا على أنفسكم. * * * وقوله: ﴿تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ﴾، أي ليحيي بعضكم بعضاً، والتحية البركة، ويكون في غير هذا الملك نعتت بطيبة لأن سامعها يستطيب سماعها. * * * ثم قال تعالى: ﴿كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلآيَٰتِ﴾، أي هكذا يفصل لكم معالم دينكم، لعلكم تعقلون عنه أمره، ونهيه، وأدبه.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.