الباحث القرآني

قوله تعالى ذكره: ﴿ٱنظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٱلأَمْثَالَ﴾، إلى قوله: ﴿ضَلُّوا ٱلسَّبِيلَ﴾. أي: انظر يا محمد كيف شبه لك هؤلاء المشركون الأشياء بقولهم: هو مسحور، فضلوا بذلك عن قصد السبيل ﴿فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً﴾، أي: لا يجدون طريقاً إلى الحق الذي بعثتك به. قاله ابن عباس. وقال مجاهد: لا يجدون مخرجاً يخرجهم عن الأمثال التي ضربوا لك. ومعناه: إنهم ضربوا هذه الأمثال ليتوصلوا بها إلى تكذيب محمد ﷺ فضلوا بذلك عن سبيل الحق وعن بلوغ ما أرادوا. * * * ثم قال ﴿تَبَارَكَ ٱلَّذِيۤ إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِّن ذٰلِكَ﴾، أي: خيراً ممّا قال المشركون لك هلا أوتيته. قاله مجاهد. وقال ابن عباس: خيراً من ذلك، أي: من مشيك في الأسواق، والتماسك المعاش. ثم بين ما هو الذي يجعل له فقال: ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُوراً﴾، قال خيثمة: قيل للنبي ﷺ: إن شئت أن يعطوك خيرا من الدنيا ومفاتيحها، ولم يعط ذلك من قبلك، ولا يعطه أحد بعدك، وليس ذلك بناقصك في الآخرة شيئا، وإن شئت جمعنا لك ذلك في الآخرة. فقال: يجمع لي ذلك في الآخرة، فأنزل الله تبارك وتعالى: ﴿تَبَارَكَ ٱلَّذِيۤ إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِّن ذٰلِكَ﴾ الآية. قال: مجاهد: قصوراً بيوتا مبنية مشيدة. وكانت قريش ترى البيت من حجارة قصراً كائناً ما كان. * * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُواْ بِٱلسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِٱلسَّاعَةِ سَعِيراً﴾، أي: ما فعل هؤلاء المشركون، ما فعلوا من تكذيب يا محمد إلا لأنهم كذبوا بالبعث، والنشر والقيامة. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِٱلسَّاعَةِ سَعِيراً﴾، أي: ناراً تسعر عليهم وتتقد. ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾، أي: إذا رأت النار أشخاصهم من مكان بعيد. ﴿سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً﴾، أي: غلياناً وفواراً. يقال، فلان يتغيظ على فلان: إذا غضب عليه فغلى صدره من الغضب عليه. وزفيراً: أي: صوتها حين تزفر، والتقدير سمعوا صوت التغيظ من التلهب والتوقد. وقيل: معناه: سمعوا لمن فيها من المعذبين تغيظاً وزفيراً. وقال المسيب بن رافع: يكون الناس في صعيد واحد ينفذهم البصر ويسمعهم الداعي، فتخرج عنق من النار. فتقول: إني وكلت بثلاثة بمن دعا مع الله إلهاً آخر وبالعزيز الكريم، وبكل جبار عنيد. فتنطوي بهم فتدخلهم النار قبل الناس بنصف يوم. ثم ينطلق الفقراء إلى الجنة فتقول لهم خزنة الجنة: أنَّ لكم هذا قبل الحساب؟ فيقولون والله ما أعطيتمونا أموالاً وما كنا أمراء فتصدقهم الملائكة فتأذن، فيدخلون الجنة قبل الناس بنصف يوم ويبقى الحساب على الأغنياء والأمراء، فيقول الرب تبارك وتعالى: (إياكم أعطيت، وإياكم ابتليت) فيحاسبون. * * * وقوله: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ﴾، أتى على لفظ التأنيث، والسعير مذكر، فإنما ذلك: لأن التأنيث راجع إلى النار، لأن السعير هي النار وهذا كقول الشاعر: ؎ إن تميما خلقت ملوما فقال خلقت لأن تميما قبيلة، ثم رجع إلى لفظ تميم فقال: (مَلُومَاً) ثم رجع إلى الجماعة فقال: ؎ قوما ترى واحدهم صهميما. والصهميم: الجمل القوي الشديد النفس. قال ابن عباس: إن الرجل ليجر إلى النار فتنزوي، وينقبض بعضها إلى بعض، فيقول لها الرحمن مالك؟ قالت: إنه يستجيرك مني فيقول: أرسلوا عبدي. وإن الرجل ليجر إلى النار. فيقول: ما كان ظنك؟ فيقول: أن تسعني رحمتك. فيقول: أرسلوا عبدي، وإن الرجل ليجر إلى النار فتشهق إليه النار شهيق البغل إلى الشعير، وتزفر زفرة لا يبقى أحد إلا جأث. وقيل: معنى ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾، إذا رآه خزانها من مكان بعيد ﴿سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً﴾، حرصا على عذابهم وغضبا لله عليهم، فأخبر عن النار والسعير، والمراد خزان النار الموكلون بها، كما قال تعالى ﴿وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا﴾ [الحج: ٤٨]، يريد أهل القرية، وكما قال ﴿وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ ٱلَّتِيۤ أَخْرَجَتْكَ﴾ [محمد: ١٣]، يريد أهل القرية بدلالة قوله بعد ذلك ﴿أَهْلَكْنَاهُمْ فَلاَ نَاصِرَ لَهُمْ﴾ [محمد: ١٣] فرجع الخبر عن أهل القرية. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَإَذَآ أُلْقُواْ مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً مُّقَرَّنِينَ﴾، أي: وإذا أُلقِيَ هؤلاء المكذبون بالله من النار مكاناً ضيقاً، قد قرنت أيديهم إلى أعناقهم في الأغلال، وقرنوا مع الشياطين. ﴿دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُوراً﴾، أي: هلاكاً، قاله الضحاك. وقال ابن عباس: ثبورا: ويلا، وأصل الثبور في اللغة: الانصراف عن الشيء، يقال: ما تبرك عن هذا الأمر؟ أي: ما صرفك عنه. والمثبور المصروف عن الخير. وروي عن النبي ﷺ: أنه قال: والذي نفسي بيده إنهم ليستكرهون في النار كما يستكره الوتد في الحائط وقال بعضهم، إنها لتضيق عليهم كما يضيق الرمح في الزج، قاله ابن عمر وغيره. وقيل الثبور هنا دعاء بالندم، على انصرافهم عن طاعة الله في الدنيا، كقول الرجل واندماه، وكقوله، واحسرتاه على ما فرطت. وفي الحديث أن أنس بن مالك روى عن النبي ﷺ قال:أول من يكسى حلة من جهنم إبليس فيضعها على جنبه ويسحبها، يقول: واثبورا، وتتبعه ذريته تقول، واثبوراه، فإذا وقفوا على النار دعوا بالثبور، فتقول لهم الملائكة خزان جهنم لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبوراً كثيراً. وفي هذا دليل على طول مُقامهم فيها ويأسهم من النجاة. * * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ أَذٰلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ ٱلْخُلْدِ﴾، أي قل يا محمد لهؤلاء المكذبين بالساعة أذلك خير، "وذا" إشارة إلى ما تقدم، من ذكر النار والسعير، ﴿أَمْ جَنَّةُ ٱلْخُلْدِ﴾، والخلد: الذي يدوم ولا ينقطع. ﴿ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ﴾ أي: وعدها الله من اتقاه فيها أمره ونهاه ﴿كَانَتْ لَهُمْ جَزَآءً﴾، أي: جزاء لأعمالهم في الدنيا ﴿وَمَصِيراً﴾، أي: يصيرون إليها في معادهم وإنما جاز التفضيل بين الجنة والنار بالخير، وقد علم أن النار لا خير فيها لأن الجنة والنار قد دخلا في باب المنازل في صنف واحد. حكى سيبويه: عن العرب الشقاء أحب إليك أم السعادة؟ وقد علم أن الشقاء لا يحبه أحد وإنما جاء ذلك على التنبيه. وقيل: إنما جاء ذلك في الآية لأن "خيراً" ليس هو أفعل، ولا تأويل فيه لإضمار من، وإنما هو كما يقال، عنده خير، وكما قال: ؎ فشركما لخيركما الفداء. وقيل: المعنى: ﴿أَذٰلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ ٱلْخُلْدِ﴾، على علمكم وما تعقلون. وقيل: إن قوله: ﴿أَذٰلِكَ خَيْرٌ﴾، مردود إلى قوله: ﴿أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الفرقان: ٧]، وما قالوا بعده. وقيل: هو مردود إلى قوله ﴿إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِّن ذٰلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُوراً﴾ [الفرقان: ١٠]، فذلك إشارة إلى هذا المذكور فقال: ﴿أَذٰلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ ٱلْخُلْدِ﴾، فهذا يدل على أن قوله: ﴿إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِّن ذٰلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُوراً﴾ [الفرقان: ١٠] يعني به في الدنيا التي ينقطع نعيمها، ثم فاضل بين ذلك وبين ما في الآخرة التي لا ينقضي نعيمها. * * * ثم قال تعالى: ﴿لَّهُمْ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ﴾، أي: في الجنة ﴿خَالِدِينَ﴾ أي: مقيمين فيها أبداً. ﴿كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ وَعْداً مَّسْئُولاً﴾، أي: كان إعطاء الله المؤمنين: جنة الخلد في الآخرة وعداً وعدهم على طاعتهم إياه ومسألتهم إياه ذلك، وذلك أن المؤمنين سألوا ربهم ذلك في الدنيا حين قالوا ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ﴾ [آل عمران: ١٩٤] فقال الله تعالى: ﴿كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ وَعْداً مَّسْئُولاً﴾، قاله ابن عباس وابن زيد. وقال محمد بن كعب، وعدا مسؤولا: أي: بمسألة من الملائكة للمؤمنين، وهو قول الملائكة ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ ٱلَّتِي وَعَدْتَّهُمْ﴾ [غافر: ٨]. وقيل معناه: وعداً واجباً، والعرب تقول: لا أعطينك ألفاً وعداً. ﴿مَّسْئُولاً﴾، أي: واجباً أي: هو واجب لك فاسأله. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾، أي: واذكر يا محمد يوم نحشر هؤلاء المكذبين بالساعة. ﴿وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾، من الملائكة والانس والجن. قال مجاهد وابن جريج: يعني، عيسى، وعزيرا، والملائكة، فيقول: ﴿أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاَءِ﴾، أي: أزلتموهم عن طريق الهدى، ودعوتموهم إلى الغي. ﴿أَمْ هُمْ ضَلُّوا ٱلسَّبِيلَ﴾، أي: أخطأوا سبيل الرشاد والحق. وقيل: هي الأصنام والأوثان يحييها الله تعالى يوم القيامة فتجيبه بذلك.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.