الباحث القرآني

قوله تعالى: ﴿فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ﴾، إلى قوله: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾، أي: فما لنا من شافع يشفع لنا عند الله من الأباعد، ولا صديق من الأقارب. قال ابن جريج من شافعين: من الملائكة، ولا صديق حميم من الناس. وقال مجاهد: حميم: شقيق. وقال قتادة: يعلمون والله أن الصديق إذا كان صالحاً نفع، وأن الحميم إذا كان صالحاً: شفع. وقال بعض أهل اللغة: الحميم الخاص. * * * ثم قال تعالى: ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾، أي: رجعة إلى الدنيا. ﴿فَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾، بالله. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً﴾، أي: لعلامة وذا إشارة إلى ما تقدم ذكره، والكاف خطاب النبي ﷺ، ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ﴾، ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾، أي: الشديد الانتقام، ممن عبد غيره من دونه ثم لم يتب من، كفره، الرحيم لمن تاب منهم. * * * ثم قال: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾، أي: كذبت جماعة قوم نوح المرسلين. وإنما جمع المرسلين ولم يرسل إليهم إلا نوح، لأن من كذب رسولاً بمنزلة من كذب جميع الرسل، ويجوز أن تكون قد كذبت جميع الرسل مع تكذيبها لنوح، ولم تؤمن برسول كان قبله. وقيل: إنما أخبر عنهم: بتكذيب الرسل، لأنهم كذبوا نوحاً فيما أتاهم به عن الله، وكذبوا كل من دعا إلى توحيد الله من سائر المسلمين قبل نوح، الذين بلغهم خبرهم، ودعاتهم إلى توحيد الله، فقد كان قبل نوح رسل، ودعاة إلى الله جلّ ذكره إدريس وغيره. * * * ثم قال: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلاَ تَتَّقُونَ﴾، سمي نوح أخاهم لأنه كان من قبيلتهم. ﴿أَلاَ تَتَّقُونَ﴾، أي: تتقون عقاب الله على كفركم. ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾، أي: رسول من الله إليكم، أمين على وحيه إلي، ورسالته إيأي: إليكم. ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾، أي: عقابه على كفركم به ﴿وَأَطِيعُونِ﴾، وأطيعون في نصيحتي لكم، وأمري إياكم. ﴿وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾، أي: لا أسألكم على نصحي لكم، من ثواب ولا جزاء. ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، أي: ما جزائي وثوابي على دعائي لكم إلا على رب العالمين، دونكم، ودون جميع الخلق. ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾، أي: عقابه على كفركم، وخافوا حلول سخطه بكم على كفركم. * * * ثم قال: ﴿قَالُوۤاْ أَنُؤْمِنُ لَكَ وَٱتَّبَعَكَ ٱلأَرْذَلُونَ﴾، أي: كيف نؤمن لك، ونصدقك، وإنما اتبعك منا سفلة الناس، دون الأشراف وذوي الأموال. روي: أنه إنما اتبعه، وآمن به سفلة الناس، وأصحاب الصناعات الخسيسة مثل الحاكة: فاتقوا أن تكونوا مثلهم، وتفعلوا فعلهم تجبراً على الله وكفراً به. ﴿قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾، أي: إنما لي منهم ظاهرهم دون الباطن. وقيل: "كان" زائدة. والتقدير: وما علمي بما يعملون الآن، فأما ما كانوا يعملون فقد كان يعلمه. وقيل: معنى قوله: ﴿وَمَا عِلْمِي﴾، وما علمي بما يعملون أي: لست أسأل عما كانوا يعملون، ولا أطلب علم ذلك. ذلك إلى الله يحاسبهم على أعمالهم، ويجازيهم عليها، فقد أظهروا الإيمان فليس لي إلا ما ظهر، والله المطلع على الباطن، فأما فقرهم فلا يضرهم ذلك عند الله، يغني من يشاء، ويفقر من يشاء. ليس الفقر بضار في الدين، ولا الغنى بنافع في الدين، إنما ينفع الإيمان ويضر الكفر. قال مجاهد وقتادة: الأرذلون: الحاكة. وقيل: هم الحجامون. وقرأ يعقوب: وأتباعك * * * ثم قال: ﴿إِنْ حِسَابُهُمْ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾، يعني إنه تعالى: يعلم سر أمورهم وعلانيتها. قال ابن جريج: معناه هو أعلم بما في أنفسهم. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾، أي: قال لهم نوح: وما أنا بطارد من آمن بي، واتبعني. ﴿إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ أي: ما أنا إلا منذر لكم عذاب الله، مبين عما جئتكم به. ﴿قَالُواْ لَئِنْ لَّمْ تَنْتَهِ يٰنُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمَرْجُومِينَ﴾، أي: لئن لم تنته عما تقول، وتدعونا إليه، وتعيب به آلهتنا لتكونن من المشتومين أي: لنشتمنك. وقيل: من المرجومين بالحجارة حتى نقتلك. ﴿قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾ أي: كذبون فيما أتيتهم به من الحق. ﴿فَٱفْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً﴾ أي: احكم بيني وبينهم حكماً. وقال قتادة: معنى ذلك: فاقض بيني وبينهم قضاء. وكذلك قال ابن زيد. ﴿وَنَجِّنِي وَمَن مَّعِي﴾ أي: نجني من ذلك العذاب، أي يأتي به حكمك: ﴿وَمَن مَّعِي مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾، ﴿وَنَجِّنِي وَمَن مَّعِي مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني: ﴿فِي ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ﴾، والفلك جمع واحده فلك، كأسد وأسد. وقيل: هو واحد وجمع، بلفظ واحد. قال ابن عباس: كانوا ثمانين رجلاً، فلم يتناسل منهم أحد إلا لولد نوح، عليه السلام. وهو قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ ٱلْبَاقِينَ﴾ [الصافات: ٧٧] فجميع العالم بعد نوح ليس بنسب إلا لنوح. * * * ثم قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً﴾، أي: لعلامة وحجة على قدرة الله، وتوحيده، وذلك إشارة إلى ما تقدم من ذكر ما فعل بنوح، ومن آمن معه، وما فعل بالكفار من الغرق. والكاف خطاب للنبي ﷺ. ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ﴾، يعني قوم نوح. ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾، أي: في انتقامه ممن عطاه. ﴿ٱلرَّحِيمُ﴾، بالتائب منهم أن يعذبه بعد توبته. * * * ثم قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾. قد تقدم ذكر علة الجمع في ﴿ٱلْمُرْسَلِينَ﴾. و "عاد" قبيلة وانصرف لخفته. وقيل: هو اسم الأب لهم ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلاَ تَتَّقُونَ﴾، أي: تتقون عقاب الله، ونقمته لكم على كفركم. ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾، أي: رسول من عند الله. أمين على ما أرسلني به، فلا أبلغكم إلا ما أرسلت به، ولا أخفي عنكم منه شيئاً. ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾، أي: اتقوا عقاب الله، وأطيعوني فيما آمركم به، وأنهاكم عنه. ﴿وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾، أي: لا أسألكم على تبليغي لكم رسالة الله جعلاً ولا ثواباً. [ما] ﴿أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، أي: ما ثوابي وجزائي على نصحي لكم وتبليغي إياكم ما جئتكم به إلا على الله. * * * ثم قال تعالى: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾، أي: قال لهم هود موبخاً لهم: أتبنون بكل مكان مشرف من الأرض بنياناً عَلَمَاً. قال ابن عباس: بكل ريع: بكل شرف. وعنه: بكل طريق. وقال مجاهد: بكل فج، وعنه: الريع: الشية الصغيرة. وعنه: الفج ما بين الجبلين. وقال عكرمة: بكل فج وواد وقال الضحاك: بكل طريق. * * * وقوله: ﴿آيَةً تَعْبَثُونَ﴾، قال مجاهد هي بروج الحمامات، والرّيع والرَّيْعُ: لغتان. وقيل الريع: جمع ريعة. ومعنى ﴿تَعْبَثُونَ﴾ تلعبون. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ﴾، قال مجاهد: هي قصور مشيدة. وقال قتادة وسفيان: هي مصانع الماء. والمصانع جمع مصنعة، وكل بناء تسميه العرب مصنعة. * * * وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾، قيل: لعل هنا، استفهام بمعنى التوبيخ والمعنى: أتخلدون ببنياكم لها. وقيل: هي بمعنى: كما تخلدون أي: كيما تخلدون. وقيل: هي بمعنى: لأن تخلدوا. قاله الزجاج. * * * ثم قال: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾، أي: إذا غضبتم، وسطوتم، سطوتم، قتلاً بالسيف وضرباً بالسياط. وهذا إنما يكره في الظلم، وهو جائز في الحق. ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾، أي: اتقوا عقاب الله، وأطيعون فيما آمركم به، واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون، يعني بالبنين والأموال، والبساتين، والعيون، والأنهار. ﴿إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾، يوم القيامة. ﴿قَالُواْ سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِّنَ ٱلْوَاعِظِينَ﴾ أي: معتدل عندنا وعظك إيانا، وتركك الوعظ. ﴿إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ خُلُقُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي: دين الأولين. قاله ابن عباس. وقال قتادة: معناه خلقة الأولين أي: هكذا كانت خلقتهم يموتون ويحيون، فنحن نعيش كما عاشوا، ونموت كما ماتوا. وقال الفراء، معناه: عادة الأولين. ومن أسكن اللام فمعناه: تخرص الأولين وكذبهم أن ثم بعثاً، وحساباً، وعقاباً. * * * ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.