الباحث القرآني

قوله تعالى ذكره: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾ أي: كما ختم على قلوب هؤلاء أنهم لا يؤمنون بهذا القرآن، ولو نزلناه على بعض الأعجمين، فقرأه عليهم، كذلك سلكه التكذيب والكفر في قلوب المجرمين، ومعنى: سلكناه: أدخلناه. والهاء في سلكناه، تعود على قوله ﴿مَّا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾، التقدير: كذلك أدخلنا ترك الإيمان في قلوب المجرمين. قال ابن جريج: سلكناه: يعني الكفر. وقال ابن زيد: الشرك، فليس يؤمنون حتى يعاينوا العذاب. وكذلك قال الحسن. * * * ثم قال: ﴿فَيَأْتِيَهُم بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾، أي: يأتهم العذاب فجأة وهم لا يعلمون بمجيئه. فيقولوا حين يأتهم فجأة: ﴿هَلْ نَحْنُ مُنظَرُونَ﴾، أي: يؤخر عن هذا العذاب وينسأ في آجالنا لتتوب من شركنا. * * * ثم قال تعالى: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ﴾، أي: يستعجل هؤلاء المشركون بالعذاب لقولهم لن نؤمن لك حتى تسقط السماء، كما زعمت، علينا كسفاً. * * * ثم قال: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَآءَهُم مَّا كَانُواْ يُوعَدُونَ﴾، أي أرأيت يا محمد، إن أخرنا في آجالهم سنين ثم جاءهم العذاب الذي كانوا يوعدون. ﴿مَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يُمَتَّعُونَ﴾، "ما" الأول في موضع نصب بأغنى. و "ما" الثانية: الفاعلة ويجوز أن تكون ما الأولى نافية، والثانية فاعلة، وتقدر حذفها من آخر الكلام. والتقدير: لم يغن عنهم الزمان الذي كانوا يمتعونه. وقال عكرمة: عنى بالسنين: عمر الدنيا. * * * ثم قال: ﴿وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ لَهَا مُنذِرُونَ﴾ أي: وما أهلكنا من قرية من القرى التي تقدم ذكرها، ومن غيرها إلا لها منذرون، ينذرونهم عذاب الله، ويكذرونهم نعمه، "ذكرى" في موضع نصب على المصدر، لأن منذرون بمعنى: مذكرون. فتقف على هذا على "ذكرى" وكذلك إن نصبت "ذكرى" بإضمار فعل: أي جعلنا ذلك ذكرى لهم. وقيل: "ذكرى" في موضع رفع على إضمار المبتدأ تقديره: تلك ذكرى، وذلك ذكرى، وإنذارنا ذكرى. * * * ﴿وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾، أي: ما كنا نظلم قرية، فنهلكها من غير إنذار وتذكرة. فتقف على هذا على "منذرون" ثم تبتدئ "ذكرى" أي: هذا القرآن ذكرى للمتذكرين، ودل على هذا الإضمار قوله: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ ٱلشَّيَاطِينُ﴾ الآية، أي: القرآن ذكرى للمتذكرين، لم تنزل به الشياطين ﴿وَمَا يَنبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ﴾. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ ٱلشَّيَاطِينُ﴾، أي: ما تنزلت الشياطين بهذا القرآن على محمد ﷺ، ولكن نزل به عليه الروح الأمين وهو جبريل ﷺ. وقرأ الحسن: الشياطون بالواو وهو غلط لأنه جمع مكسر إعرابه في آخره. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا يَنبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ﴾، أي: وما يتأتى للشياطين أن ينزلوا بالقرآن، ولا يصلح لهم ذلك ولا يستطيعون أن ينزلوا به، لأنهم لا يصلون إلى استماعه في المكان الذي هو به من السماء. ﴿إِنَّهُمْ عَنِ ٱلسَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾، أي: إن الشياطين عن سمع القرآن في المكان الذي هو به لمعزولون، فكيف يستطيعون ان ينزلوا به، والسمع مصدر في موضع الاستماع. * * * ثم قال: ﴿فَلاَ تَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ﴾، أي: قل يا محمد: لمن كفر لا تدع مع الله إلهاً آخر. ﴿فَتَكُونَ مِنَ ٱلْمُعَذَّبِينَ﴾، وقيل: هو خطاب للنبي ﷺ، والمراد به جميع الخلق. ومعناه إنه خوطب بذلك ليعلمه الله حكمه فيمن عبد غيره كائناً ما كان، ودليل هذا قوله: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ ٱلأَقْرَبِينَ﴾، فهذا خطاب للنبي ﷺ بلا اختلاف، والمعنى: أنذرهم لئلا يتكلوا على نسبهم، وقرابتهم منك فيدعوا ما يجب عليهم. ولما نزلت هذه الآية بدأ النبي ﷺ ببني جده، وولده فحذرهم. وقالت عائشة رضي الله عنها:لما نزلت هذه الآية قال رسول الله ﷺ: يا صفية بنت عبد المطلب، يا فاطمة بنت رسول الله، يا بني عبد المطلب: إني لا أملك لكم من الله شيئاً، سلوني من مالي ما شئتم وقال ابن عباس: لما نزلت هذه الآية: قام رسول الله ﷺ على الصفا ثم نادى: يا صباحاه، فاجتمع الناس إليه فبين رجل يجيء وبين آخر يبعث رسوله، فقال: يا بني هاشم، يا بني عبد المطلب، يا بني فهر، يا بني يا بني أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلاً بسفح هذا الجبل تريد تغير عليكم صدقتموني؟ قالوا: نعم، قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. فقال أبو لهب: تباً لكم سائر اليوم، ما دعوتموني إلا لهذا؟.. فنزلت ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ﴾ السورة. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ ٱتَّبَعَكَ﴾، أي: ألن لهم جانبك. ﴿فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ﴾، أي إن عصاك عشيرتك في إنذارك لهم وأبوا إلا الإقامة على كفرهم أي: من عملكم، وعبادتكم الأصنام. * * * ثم قال: ﴿وَتَوكَّلْ عَلَى ٱلْعَزِيزِ﴾، أي العزيز في نقمته من أعدائه، ﴿ٱلرَّحِيمِ﴾ لمن تاب من كفره. * * * ثم قال: ﴿ٱلَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ﴾، أي: تقوم إلى صلاتك. قال مجاهد: حين تقوم أينما كنت. * * * ثم قال: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي ٱلسَّاجِدِينَ﴾، أي: ونرى تقلبك في صلاتك حين تركع وتسجد، وتقوم وتقعد. قاله ابن عباس وعكرمة، وعن ابن عباس معناه: وتقلبك في الطهور من طهر إلى طهر. ﴿إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾، أي: السميع دعاءك، وتلاوتك، العليم بما تعمل أنت وغيرك. * * * ثم قال: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَىٰ مَن تَنَزَّلُ ٱلشَّيَاطِينُ﴾، أي: على من تنزل الشياطين من الناس. ﴿تَنَزَّلُ عَلَىٰ كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾، أي: كذاب أثيم، أي: آثم. قال قتادة: هم الكهنة تسرق الجن السمع، ثم يأتون به إلى أوليائهم من الإنس. * * * ثم قال: ﴿يُلْقُونَ ٱلسَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾، أي: يلق الشياطين ما استمعت إلى الكهنة. قاله مجاهد. وأكثر الكهنة كاذبون. وقيل: المعنى يلق الكهنة السمع أي: يسمعونه ويعقلونه ﴿وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾،. يعني الكهنة أيضاً. قالت عائشة: كانت الشياطين تسترق السمع فتجيء بكلمة حق فتقذفها في أذن وليها. قالت: وتزيد فيها أكثر من مائة كذبة.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.