الباحث القرآني

جديد: تطبيق «تراث»
قوله تعالى ذكره: قال ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَّا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَآ أَضَلَّنَآ إِلاَّ ٱلْمُجْرِمُونَ﴾ . أي: ما تعبدون من الأصنام انتم وآباؤكم المتقدمون قبلكم. ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِيۤ﴾، أي: يوم القيامة كما قال ﴿كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً﴾ [مريم: ٨٢] وأخبرنا الله تعالى عن الأصنام، كما يخبر عن من يعقل. جاز أن يقول هنا: "عدو لي". وعدو يقع للجمع والمؤنث بلفظ واحد وقد قالوا: عدوة الله بمعنى معادية. وقيل: هذا من المقلوب، لأن الأصنام لا تعادي أحداً، ولا تعقل، والمعنى فإني عدو لهم أي: عدو لمن عبدهم. وأصل العداوة، من عدوت الشيء، إذا تجاوزته وتخلفته. ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِلاَّ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، هو استثناء ليس من الأول أي: لكن رب العالمين، ويجوز أن يكون من الأول، على أن يكونوا قد كانوا يعبدون الله والأصنام، وتقدير الآية: أفرأيتم كل معبود لكم، ولآبائكم فإني منه بريء لا أعبد إلا رب العالمين. * * * ثم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾، أي: يهدين للصواب من القول والعمل. ﴿وَٱلَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾، أي: وهو الذي يغذيني بالطعام والشراب، ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾، أي: يبرءني ويعافين ﴿وَٱلَّذِي يُمِيتُنِي﴾، إذا شاء ﴿ثُمَّ يُحْيِينِ﴾، إذا أراد بعد مماتي. ﴿وَٱلَّذِيۤ أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ ٱلدِّينِ﴾، أي: يوم الجزاء على الأعمال، والطمع ها هنا بمعنى اليقين، كما جاء الظن بمعنى اليقين. وقيل: الطمع على بابه. لكن أراد أنه يطمع أن يغفر الله للمؤمنين ذنوبهم يوم القيامة بإيمانهم، وهو على يقين من مغفرة الله له، لكن إجراء الخبر عن نفسه، والمراد غيره من المؤمنين. قال مجاهد: الخطيئة قوله ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣] وقوله في سارة إنها أختي، حين أراد فرعون من الفراعنة أن يأخذها. وقرأ الحسن: خطاياي: بالجمع، وقال: ليست: خطيئة واحدة، والخطيئة تقع معنى الخطايا كما يقع الذنب بمعنى الذنوب. قال تعالى ذكره: ﴿فَٱعْتَرَفُواْ بِذَنبِهِمْ﴾ [الملك: ١١] أي: بذنوبهم، وكما قال: ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلٰوةَ﴾ [البقرة: ٤٣] أي: الصلوات. * * * ثم قال ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً﴾، أي: نبوة ﴿وَأَلْحِقْنِي بِٱلصَّالِحِينَ﴾، أي: أرسلني إلى خلقك حتى أكون ممن ائتمنته على وحيك، ﴿وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ﴾، أي: ذِكراً جميلاً، وثناء حسناً باقياً فيمن يجيء من القرون بعدي. قاله ابن زيد. وقيل: ذلك اللسان الصدق: إيمان جميع الأمم به. فأعطاه ذلك؛ فليس يهودي ولا نصراني ولا غيرهما من أهل الكتاب إلا يؤمن به ويحبه ويثني عليه، ويقول: هو خليل الله، وقد قطع الله تعالى ولاية جميع أهل الكتاب منه لما تولوه وادعوه، فقال: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً﴾ [آل عمران: ٦٧] ثم ألحق ولايته بهذه الأمة فقال: ﴿إِنَّ أَوْلَى ٱلنَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ وَهَـٰذَا ٱلنَّبِيُّ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ [آل عمران: ٦٨] وهذا كله أجره الذي عجل له وهي الحسنة. إذ يقول ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ وهو اللسان الصدق الذي سأل ربه، هذا كله قول عكرمة. أو معنى قوله. وقيل: معنى سؤاله، هو أن يجعل الله من ذريته في آخر الزمان من يقوم بالحق، ويدعو إليه، وهذا الدعاء هو لمحمد ﷺ، لأنه الذي قام بذلك في آخر الزمان وهو من ولد إبراهيم، فأجاب الله دعاءه، وبعث محمداً من ولده، فأقام الحق وبين الدين، فهو اللسان الصادق الذي أتى في الآخرين. * * * ثم قال: ﴿وَٱجْعَلْنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ ٱلنَّعِيمِ﴾، أي: أورثني من منازل من هلك من أعدائك من الجنة. ﴿وَٱغْفِرْ لأَبِيۤ﴾ من شركه بك فلا تعاقبه عليه. ﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلضَّآلِّينَ﴾، أي: ممن ضل عن سبيل الهدى، وكفر بك. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾، أي: لا تذلني بعقابك إيأي: يوم تبعث عبادك من قبورهم لموقف القيامة. روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: يلقى إبراهيم أباه فيقول: يا رب وعدتني ألا تخزني يوم يبعثون. فيقول الله جلّ ذكره: إني حرمت الجنة على الكافرين وروى أبو هريرة أيضاً أن النبي ﷺ قال: إن إبراهيم رأى أباه يوم القيامة عليه الغبرة والقترة ﴿يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ﴾، أي: لا ينفع من كفر بك وعصاك في الدنيا، ما كان له من مال وبنين. ﴿إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، أي: لا ينفع إلا القلب السليم من الشك في توحيد الله، والبعث بعد الممات. قاله مجاهد. وقال قتادة: هو السليم من الشرك. قال ابن زيد: سلم من الشرك، فأما الذنوب فليس يسلم منها أحد. وقال الضحاك: السليم، الخالص. وقال سفيان: بلغني في قول الله تعالى ﴿إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، إنه الذي يلقى ربه وليس في قلبه أحداً غيره. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾، أي: أدنيت وقربت، أي: قرب دخولهم إياها. ﴿وَبُرِّزَتِ ٱلْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ﴾، أي: أظهرت النار للذين غووا. يروى: أن جهنم يؤتى بها يوم القيامة تقاد بسبعين ألف زمام، تتلظى على أعداء الله. ﴿وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ * مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾، أي: قيل للغاوين: أين الذين كنتم تعبدونهم من دون الله، هل ينصرونكم من عذاب الله، أو ينتصرون لأنفسهم فينحونها مما يراد بها. ثم قال تعالى ذكره: ﴿فَكُبْكِبُواْ فِيهَا هُمْ وَٱلْغَاوُونَ﴾، أي: رمي بهم في الجحيم، بعضهم على بعض مكبين على وجوههم. وأصل كبكبوا: كببوا، فأبدل من الباء الثاني كاف، استثقالاً لثلاث باءات. وعن ابن عباس: كبكبوا: جمعوا فيها. قال ابن زيد: كبكبوا: طرحوا، والمعنى: فكبب هؤلاء الأنداد التي كانت تعبد من دون الله في الجحيم والغاوين. قال قتادة: الغاوون هنا: الشياطين، فيكون معنى الآية: فكبب فيها الكفار والشياطين. وقال السدي: فكبكبوا: يعني مشركي قريش، والغاوون الآلهة وجنود إبليس. وحقيقة معنى كبكبوا: تكرير الانكباب، كأنه إذا ألقي ينكب مرة، بعد مرة حتى يستقر فيها نعوذ بالله منها. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ﴾، أي: وكذلك جاث فيها مع الأنداد جنود إبليس، وجنوده كل من كان من تباعه، ومن ذريته كان أم من غير ذريته. وقيل: جنود إبليس هنا: كل من دعاه إلى عبادة الأصنام، فساعد إبليس على ما يريد فهم جنوده. * * * ثم قال تعالى: ﴿قَالُواْ وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ﴾، أي: في جهنم: يعني قول الغاوين للأنداد، وجنود إبليس، وتخاصمهم في جهنم، ﴿تَٱللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾، أي: إنا كنا لفي ضلال مبين، أي: في حيرة ظاهرة. وقال الزجاج: المعنى تالله ما كنا إلا في ضلال عن الحق ظاهر. ﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾ في العبادة والتعظيم. ﴿وَمَآ أَضَلَّنَآ إِلاَّ ٱلْمُجْرِمُونَ﴾، يعني إبليس وابن آدم القاتل أخاه.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.