الباحث القرآني

قوله تعالى ذكره: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِّن قَوْلِهَا﴾، إلى قوله: ﴿وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾، أي فضحك سليمان من قول النملة، وقال: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِيۤ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ﴾، أي ألهمني الشكر على ما أنعمت به علي وعلى والدي وألهمني أن أعمل عملاً صالحاً ترضاه. وقيل: معناه كفني عن الأشياء إلا عن شكر نعمتك. ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ ٱلصَّالِحِينَ﴾، أي مع عبادك الصالحين، يعني الأنبياء، أي أدخلني معهم الجنة. قال ابن زيد: ﴿عِبَادِكَ ٱلصَّالِحِينَ﴾: هم الأنبياء والمؤمنون. ثم قال: ﴿وَتَفَقَّدَ ٱلطَّيْرَ فَقَالَ مَالِيَ لاَ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ﴾، سأل ابن عباس، عبد الله بن سلام: لم تفقد سليمان الهدهد من بين سائر الطير؟ فقال عبد الله: إن سليمان نزل منزلة في مسير له، فلم يدر ما بعد الماء، فقيل: من يعلم ما بعد الماء؟ فقالوا: الهدهد، فذلك حين تفقده. وروي: أن الهدهد كان يدل سليمان على مواضع الماء في أسفاره، فأخذ الناس عطش في مفازة فسألوا سليمان الماء، فسأل عن الهدهد، فقالوا: غاب ولم يكن معه إلا هدهد واحد. قال ابن عباس: تفقد سليمان - عند سؤالهم الماء - الهدهد، فسأل عنه، ودعا أمين الطير فسأله عنه، ولم يكن معه إلا هدهد واحد. فقال الأمين: ما أدري أين ذهب ولا استأمرني. فكان الهدهد إذا وضع منقاره في الأرض أخبره كم بعد الماء، فغضب سليمان عند ذلك، وتألاّ لنعذبنه عذاباً شديداً، أي ينتف ريشه أو يذبحه أو يأتي بحجة بيّنة، وكان أشد عذابه الذي يعذب به الطير أن ينتف ريشه حتى يتركه أقرع لا ريش عليه، فلم يكن إلا يسيراً حتى أتى الهدهد بعذر بين، فقال: اطلعت على ما لم تطلع عليه ﴿وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ﴾، أي بخبر صادق. قال ابن عباس: لما أقبل الهدهد قيل له: إن سليمان قد حلف ليعاقبنك حين فقدك. فقال الهدهد: هل استثنى؟ قالوا: نعم، فأقبل حتى قام بين يديه فأخبره بعذره. وروي: أن الطير كانت تظله من الشمس في مسيره. فلما غاب الهدهد أصابته الشمس من موضع الهدهد، فسأل عنه إذ فقده. وقال ابن عباس: كان سليمان يوضع له ست مائة كرسي، ثم يجيء أشراف الإنس، فيجلسون مما يليه، ثم يجيء أشراف الجن فيجلسون مما يلي الإنس، ثم يدعو الطير فتظلهم، قال: ثم يدعو الريح فتحملهم فيسير في الغداة الواحدة مسيرة شهر. قال: فبينما هو في مسيرة إذا احتاج إلى الماء، وهو في فلاة من الأرض قال: فدعا الهدهد، فجاءه فنقر في الأرض فيبصر موضع الماء. قال: فتجيء الشياطين فيسلخونه كما يسلخ الإهاب، ثم يستخرجون الماء. فاعترض على ابن عباس نافع بن الأزرق، فقال له: كيف يبصر الهدهد الماء تحت الأرض، ولا يبصر الفخ حتى يقع في عنقه؟ فقال له ابن عباس: ويحك إن القدر إذا جاء حال دون البصر. وذكر أن الهدهد كان يرى الماء في الأرض، كما يرى الماء في الزجاجة. ومعنى قوله: ﴿مَالِيَ لاَ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ ٱلْغَآئِبِينَ﴾، أي أخطأه بصري فلا أراه، وقد حضر أم هو غائب فيما غاب من سائر أجناس الخلق؟ "وكان" ها هنا بمعنى صار لأنه لم يستفهم وهو حاضر، إنما استفهم عنه وهو غائب، وإذا حملت "كان" على لفظها صار المعنى أنه استفهم عنه وهو حاضر، ولم يكن كذلك بل كان غائباً وقت الاستفهام فكان محمولة على معنى صار. وبذلك يتم المعنى. وقيل: إن مثله ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ﴾ [الأنفال: ٦٧] أي أن يصير له أسرى، لأن الأسرى كانوا بالحضرة لم يكونوا غيباً، ولا متوقعين ولا منتظرين و "يكون" يدل على أنه أمر متوقع منتظر، وليس هو كذلك، بل كانوا بالحضرة، فالمعنى أن تصير له أسرى. * * * ثم قال: ﴿لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً﴾، في الكلام اختصار وحذف، والتقدير: فقيل له غاب، فقال: ﴿لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً﴾، أي لأنتفن ريشه، وأشتمه. قاله ابن عباس. ﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ أي بحجة ظاهرة يقوم له بها عذر في غيبته عني. * * * قوله: ﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِّي﴾ ليس هو بجواب قسم لسليمان. مثل أو (لأعذبنه أو لأذبحنه) هذا جواب قسم لسليمان وليس ﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِّي﴾ بجواب قسم له، لأنه لم يقسم على أن يأتيه بحجة تدفع عنه العذاب، لكنه جرى على لفظ ما قبله من قوله: ﴿لأُعَذِّبَنَّهُ﴾ أو ﴿لأَاْذبَحَنَّهُ﴾ على باب المجازات لا أنه مثله. ومثله قوله: ﴿وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٩٠] فهذا جواب قسم ثم قال: ﴿فَلَقَاتَلُوكُمْ﴾ فليس هذا بجواب قسم ولكن دخلت اللام على طريق المجازات، ﴿لَسَلَّطَهُمْ﴾ لا على الجواب. * * * ثم قال تعالى: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾، أي فمكث سليمان غير وقت طويل من حين سأل عن الهدهد، حتى جاء الهدهد فقال له الهدهد لما سأله سليمان عن علة تخلفه وغيبته: أحطت علماً بما لم يحط به علمك. قال ابن زيد: معناه علمت ما لم تعلم. ﴿وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾، أي بخبر صحيح، ومن صرف ﴿سَبَإٍ﴾ جعله اسماً للأب أو للحي أو لرجل أو للبلد. ومن لم يصرفه جعله اسماً للقبيلة، أو لامرأة هي أم القبيلة أو للبلدة. قال أبو إسحاق: سبأ مدينة تعرف بمأرب من اليمن، بينها وبين صنعاء مسيرة ثلاثة أيام. وروي: أن النبي ﷺ سأله رجل عن سبإ فقال: يا رسول الله أخبرني سبإ ما هو أرض أم امرأة؟ فقال النبي ﷺ: ليس بأرض ولا امرأة، ولكنه رجل ولد عشرة من الولد، فتيامن ستة وتشاءم أربعة، فأما الذين تشاءموا: فلخم، وجذام، وعاملة، وغسان وأما الذين تيامنوا فكندة، والأشعرون، والأزد ومذحج وحمير، وأنمار. فقال رجل: ما أنمار؟ فقال رسول الله ﷺ: الذين منهم خثعم وبجيلة. وكذلك رواه ابن عباس عن النبي ﷺ. بهذا المعنى فيجب صرفه على هذا القول. وكل النحويين على أنه إن سمي به رجل صرف فدل على أنه مذكر في الأصل. * * * ثم قال: ﴿إِنِّي وَجَدتُّ ٱمْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾، أي قال الهدهد لسليمان مخبراً بعذره في الغيبة: إني وجدت امرأة تملك شيئاً، وأوتيت من كل شيء.. أي من كل شيء يؤتاه الناس في دنياهم. وقيل: معناه: من كل شيء يؤتاه مثلها من الأموال والعدد والرجال والخصب والنعم، وغير ذلك. فقام له العذر عند سليمان في غيبته لأن سليمان عليه السلام كان لا يرى في الأرض أحداً له مملكة معه، وكان قد حبب إليه الجهاد، والغزو، فلما دله الهدهد على ملك معه ودله على موضع جهاد عذره وترك تعذيبه. قال قتادة: هي امرأة يقال لها بلقيس بنت شراحيل وكان أحد أبويها من الجن، وكان مؤخر قدمها كحافر الحمار. * * * وقوله: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾، يعني ذا سعة، وحسن صنعة يعني به السرير. قال ابن عباس: عرش عظيم: سرير كريم حسن الصنعة. وكان سريراً من ذهب قوائمه من جوهر ولؤلؤ. وروي: أنه كان سريراً من ذهب تجلس بلقيس عليه، طوله ثمانون ذراعاً، وعرضه أربعون ذراعاً، وارتفاعه في السماء: ثلاثون ذراعاً، مكلل بالدر والياقوت الأحمر، والزبرجد الأخضر، قوائمه من زبرجد أخضر، وكان اسم المرأة بلقيس ابنة اليشرح الحميرية. روي: أنه كان سريراً عالياً تجلس عليه، وتكلم الناس من فوقه. وذكر قوم: أن الوقف ﴿وَلَهَا عَرْشٌ﴾، ثم تبتدئ ﴿عَظِيمٌ﴾ ﴿وَجَدتُّهَا﴾ وروي ذلك عن نافع، وليس بشيء لأن "عظيماً" من نعت العرش، ولو كان متعلقاً بما بعده لقال: عظيم أن وجدتها أي عظيم وجودي لها كافرة. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾، أي يعبدون الشمس ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾، أي حسن لهم عبادة الشمس من دون الله ﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ﴾، أي فمنعهم بتزيينه لهم الباطل، أن يتبعوا الطريق المستقيم، وهو دين الله فهم لا يهتدون إلى الحق. * * * ثم قال: ﴿أَلاَّ يَسْجُدُواْ للَّهِ﴾ أن من ﴿أَلاَّ﴾ في موضع نصب على البدل من الأعمال عند: اليزيدي. وقال: أبو عمرو والكسائي، "أن" في موضع خفض بدل من السبيل، ويجوز أن يعمل فيها "يهتدون". وقرأ الكسائي: ألا بالتخفيف، على معنى: ألا يا هؤلاء اسجدوا، فجعلها: "ألا" التي للتنبيه، ويا: حرف نداء، واحتج الكسائي أن في حرف أبي وابن مسعود: "هلا يسجدوا" فهلا تحقيق وأن اسجدوا أمر، واحتج أيضاً أن السجود هنا مروي عن النبي ﷺ، ومن شدد لا يلزمه سجود، لأنه خبر عن قوم أنهم لم يسجدوا، وليس هو أمر. وليس فيه بمعنى الأمر. ومن الدليل على صحة قراءة الجماعة، حذف الألف من يا من الخط، وحذف ألف الوصل من اسجدوا ويدل على ذلك أنه كله من كلام الهدهد وحكايته. ولم يكن في الوقت أحد يؤمر بالسجود فيكون هذا أمراً له، ولا يلزم ترك السجود على قراءة الجماعة، لأنه لما أخبر أنهم لا يسجدون، وجب لمن يؤمن بالله أن يسجد لله عند ذكر تركهم للسجود تعظيماً لله، وخلافاً لما فعلوا من ترك السجود. * * * وقوله: ﴿أَلاَّ يَسْجُدُواْ﴾ قيل: هو من قول الله جلّ ذكره ينبه عباده أن السجود لا يصلح إلا لله. واختلف العلماء في سجود القرآن، ويقال لها: عزائم القرآن. فكان ابن عمر، وابن عباس يقولان: سجود القرآن إحدى عشرة سجدة: في الأعراف، والرعد، والنحل، وبني إسرائيل، ومريم، والحج؛ أولها، والفرقان والنمل، وآلم السجدة، وصَ، وحَم السجدة، وهذا مذهب مالك. قال مالك في الموطأ من رواية ابن القاسم: أجمع الناس على أن عزائم سجود القرآن إحدى عشر سجدة ليس في المفصل منها شيء. يعني بقوله أجمع الناس: أهل المدينة. وقد روي عن ابن عباس: أنه أسقط صَ وجعلها عشرة. ومذهب الشافعي: أنها أربع عشرة سجدة زاد في الحج آخرها، وفي والنجم، وإذا السماء انشقت، واقرأ باسم ربك، ونقص سجدة (صَ) وكذلك قال: أبو ثور، إلا أنه أثبت السجود في (صَ) وأسقطه من والنجم. وقال إسحاق: سجود القرآن خمس عشرة سجدة، زاد على مذهب الشافعي سجدة أخرى في الحج، واختلفوا في الموضع الذي يسجد فيه في (حَم) السجدة. فقال ابن عباس، وابن عمر والحسن البصري، وابن سيرين: يسجد آخر قوله: ﴿إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: ٣٧] وقد حكى ذلك عن مسروق عن أصحاب ابن مسعود، وبه قال مالك والليث بن سعد. وقال ابن المسيب، والنخعي، والثوري، وابن أبي ليلى وإسحاق: يسجد عند آخر قوله: ﴿وَهُمْ لاَ يَسْئَمُونَ﴾ [فصلت: ٣٨]. وقد روي ذلك أيضاً: عن ابن عباس، وابن سيرين، وفي سجود القرآن فضل عظيم. روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي يقول: يا ويله أمر هؤلاء، أو هذا بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار وروت عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ: كان يقول في سجود القرآن: سجد وجهي للذي خلقه، وشق سمعه وبصره بحوله وقوته وكره مالك السجود بعد العصر حتى تغرب الشمس، ولا يسجد بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس، وإذا كان القارئ في الصلاة فسجد، سجد بغير تكبير، ويرفع رأسه بتكبير، فإن كان في غير صلاة لم يكبر في الرفع ولا قبله، وعلى من سمع قراءة السجدة أن يسجد مع الإمام. وقوله: ﴿ٱلَّذِي يُخْرِجُ ٱلْخَبْءَ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾، أي يخرج المخبوء في السماوات من غيث، والأرض من نبات. وقال مجاهد: هو الغيث. وقال ابن زيد: خبء السماوات المطر، وخبء الأرض النبات. وقال قتادة: الخبء: السر، "وفي" في موضع "من". * * * ثم قال: ﴿وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾، أي يعلم ما يسرون وما يظهرون. ثم قال: ﴿ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ﴾، هذا كله من إخبار الله عن قول الهدهد. قاله ابن زيد وابن إسحاق. * * * ثم قال: ﴿قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْكَاذِبِينَ﴾، أي قال سليمان للهدهد: سننظر أصدقت فيما اعتذرت به لغيبتك أم كنت من الكاذبين فيه. وقوله: ﴿أَمْ كُنتَ﴾ معناه أم أنت، لأن سليمان لم يرد أنه ينظر أن كان فيما مضى من الزمان من الكاذبين، إنما أراد إن كان هو في حاله ذلك الوقت من الكاذبين. ومثله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]. * * * ثم قال: ﴿ٱذْهَب بِّكِتَابِي هَـٰذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ﴾، أي قال سليمان للهدهد: اذهب بكتابي إليهم فألقه إليهم، ﴿ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَٱنْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾، أي منصرفاً، ففي الكلام تقديم وتأخير تقديره: فألقه إليهم فانظر ماذا يرجعون ثم تول عنهم. وقيل: الكلام على بابه لا تقديم فيه، وانظر فيما انتظر أي فألقه إليهم فانتظر ماذا يرجعون ثم تول عنهم. قال ابن زيد: كانت لها كوة مستقبلة الشمس ساعة تطلع الشمس تطلع فيها فتسجد لها، فجاء الهدهد حتى وقع فيها فسدها، واستبطأت الشمس فقامت تنظر، فرمى بالصحيفة إليها من تحت جناحه، وطار حين قامت تنظر إلى الشمس. فهذا التفسير يدل على أنه نظر إليها ماذا ترجع قبل إلقائه الصحيفة، ثم ألقاها ورجع إلى سليمان. وقيل: المعنى: ﴿ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ قريباً منهم فانظر ماذا يرجعون؟ ودل على هذا سماع الهدهد قولها لأهل مملكتها بعد إلقائه الكتاب إليها، وهذا القول هو اختيار الطبري. واختار الزجاج القول الأول أن يكون على التقديم والتأخير. ثم قال: ﴿قَالَتْ يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ إِنِّيۤ أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾، في الآية اختصار وحذف، والتقدير فذهب الهدهد بكتاب سليمان فألقاه إليها، فلما قرأته قالت: يا أيها الملأ: تريد أشراف قومها. قال ابن عباس: كتب سليمان إليها بسم الله الرحمن الرحيم: من سليمان بن داود إلى بلقيس ابنة اليشرح الحميرية: ﴿أَلاَّ تَعْلُواْ عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾، أي لا تتعظموا عن طاعتي وأتوني مسلمين فذهب الهدهد بالكتاب فانتهى إليها ظهيرة وهي قائلة في قصرها، وقد غلقت عليها الأبواب، فلا يصل إليها شيء، والحرس حول قصرها. وكان لها من قومها اثنى عشر ألف مقاتل، كان كل رجل منهم على مائة ألف سوى نسائهم وذراريهم. وكانت تخرج إلى قومها فتقضي بينهم في أمورهم، وحوائجهم، في كل جمعة يوماً، قد جعلت على عرشها أربعة أعمدة من ذهب، ثم جعلت عليه حريرة تجلس خلفها فهي تراهم ولا يرونها، فإذا أراد الرجل منهم قام بين يديها فنكس رأسه ولا ينظر إليها، ثم يسجد ولا يرفع رأسه حتى تأذن له إعظاماً لها. فإذا قضت حوائجهم أمرت بأمرها ودخلت قصرها فلم يروها إلى مثل ذلك اليوم. وكان ملكها ملكاً عظيماً، فلما أتاها الهدهد بالكتاب، وجد الأبواب قد غلقت دونها والحرس حوالي قصرها، فدار الهدهد حوالي القصر يطلب السبيل إليها حتى وصل إليها من كوة في القصر فدخل منها إلى بيت ثم مر من بيت إلى بيت حتى انتهى إليها في أقصى سبعة أبواب على عرشها مستلقية، نائمة ليس عليها إلا خرقة على عورتها وكذلك كانت تصنع إذا نامت، فوضع الكتاب إلى جنبها على العرش ثم تولى فوقع في كوة ينتظرها حتى تقرأ الكتاب فمكث طويلاً لا تستيقظ، فلما أبطأ عليه ذلك انحط، فنقرها نقرة فاستيقظت، فبصرت بالكتاب إلى جنبها على السرير فأخذته وفزعت، وجعلت تنظر ما حال الكتاب، وكيف وصل الكتاب إليها فإذا الأبواب مغلقة، فخرجت فإذا الحرس حوالي القصر، فقالت هل رأيتم أحداً دخل علي أو فتح باباً؟ قالوا: لا، أما رأيت الأبواب مغلقة كما هي ونحن حوالي القصر، ففتحت الكتاب، وكان مطبوعاً فقرأته ولم تشك أنه من السماء سقط عليها فأرسلت إلى قومها وشاورتهم كما قص الله علينا في كتابه. قال وهب بن منبه: كتب سليمان مع الهدهد ﴿بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾: من سليمان بن داود إلى بلقيس وقومها: أما بعد، فلا تعلوا علي وأتوني مسلمين. فأخذ الهدهد الكتاب برجله فانطلق به حتى أتاها، وكانت لها كوة في بيتها إذا طلعت الشمس نظرت إليها فسجدت لها، فأتى الهدهد الكوة فسدّها بجناحه حتى ارتفعت الشمس ولم تعلم من ألقى الكتاب من الكوة فوقع عليها في مكانها الذي هي فيه فأخذته. وقال قتادة: كان أولو مشورتها ثلاث مائة واثني عشر، كل رجل منهم على عشرة آلاف، وكانت بأرض يقال لها مأرب من صنعاء على ثلاثة أيام. ومعنى وصفها للكتاب بالكريم أنه كان مطبوعاً. وقيل: وصفته بذلك لحسن ما فيه واختصاره. * * * وقوله: ﴿أَلاَّ تَعْلُواْ عَلَيَّ﴾، أي لا تتكبروا علي، ولا تتجبروا علي، وأتوني مذعنين مستسلمين. وقال: إنما وصفته بالكريم على معنى كتاب من رجل كريم، رفيع القدر يطيعه الجن، والإنس والطير. لأنها كانت قد سمعت بخبر سليمان، فلما رأت اسمه في الكتاب عرفته، وعرفت قدر ملكه، وأخبرتهم أنه من سليمان وأن فيه بسم الله الرحمن الرحيم. وهذه جملة من علل بسم الله الرحمن الرحيم: فمن ذلك ما روي عن عيسى ﷺ: أنه قعد بين يدي مؤدب، فقال له المؤدب قل: بسم الله الرحمن الرحيم: فقال عيسى وما بسم الله. فقال المؤدب: لا أدري؟ فقال عيسى: الباء: بهاء الله والسين سناء الله، والميم ملكه. وكذلك قال الحسن إلا أنه قال: والميم مجده. والباء متعلقة بفعل مضمر، والمعنى: ابدأ بسم الله، فإذا اختلفت الأفعال التي تريد أن تسمي الله عليها، أضمرت لكل معنى فعلاً يشاكله، فإذا أردت القيام فقلت بسم الله: أضمرت أقوم بسم الله، وإذا أردت القعود قدّرت أقعد بسم الله، وكذلك الركوب وشبهه. وقيل: إن الاضمار في جميع ذلك أبداً وهو أحسن عند الحذاق، وإنما حذف الفعل ولم يذكر إيجازاً واختصاراً، إذ ما بقي من الكلام يدل عليه، وهذا الحذف كثير في الكلام، وإنما اختيرت الباء لأنها للإلصاق، وأنت تحتاج أن تلصق ابتداءك بالتسمية، فجئت بالباء لأنه موضعها، وإنما سميت الباء، ومن وعن وشبهها بحروف الجر لأنها تجر الأفعال إلى الأسماء: تقول: مررت بزيد وانتهيت إلى عمرو. فلولا الحروف ما انجرت الأفعال إلى الأسماء. وإنما خفضت هذه الحروف الأسماء لأن معناها الإضافة، تضيف فعلاً إلى اسم، أو معنى إلى اسم. كقولك: مررت بزيد، وعمرو كزيد. وإنما كسرت الباء. لتكون حركتها مثل عملها؛ هذا قول الجرمي. ولم تكسر الكاف لتفرق بين ما يكون حرفاً واسماً، وبين ما لا يكون إلا حرفاً، وإنما عملت الخفض لأنها لا معنى لها في الأفعال فلزمت الأسماء، فلما لزمت الأسماء عملت إعراباً لا يكون إلا في الأسماء، وهو الخفض، وقد فتحوا لام الجر مع المضمر. ردت إلى أصلها لأنها إنما كسرت مع المضمر ليفرق بينها وبين لام التأكيد، وتركت الباء على كسرها مع المضمر إذ ليس فيها علة توجب فتحها، وكسرت لام كي لأنها هي لام الجر بعينها، وكسرت لام الأمر للفرق بينها وبين لام التأكيد، والفرق بين لام الجر، ولام الأمر وكلاهما مكسور، أن لام الجر لا تدخل على الأفعال ولام الأمر لا تدخل على الأسماء، فعملت لام الجر إعراباً لا يكون إلا في الأسماء للزومها الأسماء وهو الجر، وعملت لام الأمر إعراباً لا يكون إلا في الأفعال للزومها الأفعال وهو الجزم. وأصل هذه الحروف كلها الفتح، كواو العطف، وفائه، وألف الاستفهام. وكانت في الأصل لا حركة لها ولم يمكن الابتداء بساكن فلم يكن بد من حركة فأعطيت أخفّ الحركات وهي الفتحة، وإذا قلت: بسم الله فهو الله في المعنى كما قال لبيد: ؎ إلى الحلول ثم اسم السلام عليكما ∗∗∗ ومن يبك حولاً كاملاً فقد اعتذر يريد ثم السلام عليكم فرفع اسماً بالابتداء لما قدمه ولم يعمل فيه الإغراء لأنه متأخر لا يتقدم عليه معموله، ومثله قول الشاعر: ؎ يا أيها المائح دلوي دونكا ∗∗∗ إني رأيت الناس يحمدونكا أي هذا دلوي، ويجوز النصب بإضمار فعل تقديره: ثم الزم اسم السلام. وحذفت الألف من بسم لأن الباء كفت منها، فوصلت اللسان إلى النطق بالسين. وكان الخليل يسمي ألف الوصل سلم اللسان، وحذفت من الخط لكثرة الاستعمال، هذا مذهب الجرمي، والمبرد، والكسائي والفراء. وقال الاخفش: حذفت من الخط لما وصلت إلى السين بالباء فألزمه الفراء أن تحذف الألف من الخط في قولهم: فاضرب واضرب ولا يحسن حذف هذا. وقال الكسائي: في قوله: ﴿بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْريٰهَا﴾ [هود: ٤١] إن شئت أثبت الألف في الخط وإن شئت حذفتها. وإنما دخلت ألف الوصل الأسماء، وحقها أن تدخل على الأفعال على التشبيه بالأفعال، كما أضافوا إلى الأفعال وليس بابها أن يضاف إليها على التشبيه أيضاً بالأسماء. وقيل: إنما دخلت هذه الأسماء الألف لأنهم لما حذفوا من أواخرها أرادوا العوض من المحذوف، فلم يمكن أن يعوضوا منه آخراً، فعوضوا منه أولاً، وسكنوا السين ليسوغ دخول الألف، والعوض في كلام العرب كثير ألا ترى أنهم يقولون: زنادقة وزناديق. فيعوضون الياء من الهاء، وإنما حذفوا من هذه الأسماء لأن آخرها حرف علة ياء، أو واو، وقد كان يجب أن ينقلبا ألفا إذ هما ظرفان، فكان الحذف أخف من الإعلال والإقلاب، فلما حذف من آخرها حرف أشبهت الأفعال، لأن الحذف أكثر ما يكون في الأفعال نحو: لم أبل ولا أدر فلما ضارع الاسم الفعل في باب الحذف آخراً ضارعه في باب الزيادة أولاً فدخلته ألف الوصل، ولم يمكن أن تدخل على متحرك فسكن أوله، وهذا قول حكي عن الخليل. والمحذوف من اسم عند البصريين واو وأصله سمو على مثال قنو، دليله قولهم: أسماء كأقناء وكذلك أب وأخ. المحذوف منهما واو يدل على ذلك قولهم: الأبوة والأخوة. وقولهم: أبوان وأخوان. وقد كان يجب أن تدخل ألف الوصل على أب، وأخ على ما قدمنا من العلة إلا أنه لما كان في أول أب وأخ همزة ثقل دخول همزة أخرى عليها، والعرب تستثقل الجمع بين همزتين في كلمتين ولا تجيزه في كلمة إلا بالتخفيف، فتركوا ما يستثقلون. واسم مشتق من السمو. وقيل: من السمة. وقيل: هو أمر من قولك اسم فلاناً أي أعله وكذلك ابن أصله الأمر من قولك: ابن البناء يا رجل. وقول ما قال: هو من السمة. قول صحيح في المعنى لأن صاحبه يعرف به كالسمة في البعير يعرف بها، لكنه غير جائز في الاشتقاق، والأصول، وذلك أنه ليس في كلام العرب مصدر فعل معتل فاؤه واو تدخله ألف الوصل، فيكون هذا مثله، ألا ترى أنك لا تجد مثل أعد وأزن في وعد ووزن وأيضاً فإنه يجب أن يقال في تصغيره وسيم كما تقول في تصغير عدة وعيدة وذلك لا يقال. وقولك: بسم في موضع نصب عند الكوفيين فبين لأن التقدير أُبدأ بسم. وقال البصريون: موضعه رفع على إضمار مبتدأ، والتقدير أول ابتداء بسم الله، وقد أجاز النحويون: ابتدأت ببسم الله فأدخلوا الباء على الباء، وليس هذا بجائز في غيره، وإنما ذلك، لأن هذه الباء لما لزمت الاسم ولم تفارقه، وكثر الاستعمال بها صارت كأحد حروف الاسم، فدخلت عليها الباء كما تدخل على سائر الأسماء، وإنما خصت الألف بالزيادة والتعويض من المحذوف في اسم لأن أولى الحروف بالزيادة من حروف المعجم الياء والواو والألف، وهنا حروف المد واللين، ولا يكون الإعراب إلا بواحد منها، أو بحركة هي منها. قالوا: ولا تزاد أولاً، وكذلك الياء، فزادوا ألفاً، والألف لا تكون إلا ساكنة وبعدها السين ساكنة فكسرت الألف لالتقاء الساكنين وإنما سميت الهمزة ألفاً لأن صورتهما واحدة، ولأن الألف تبدل من الهمزة في يأكل ويأتي، والهمزة تبدل من الألف في رسائل وقلائد، وإنما ردت ألف الوصل في قولك امرئ وهو غير محذوف الآخر لأن آخره وهو الهمزة لا تثبت على حال يكون في الرفع واواً، وفي النصب ألفاً، وفي الخفض ياء، فضعف فصار بمنزلة المحذوف فزيدت الألف في أوله لضعف الآخر. وقال المبرد: لما كان امرؤ لا يقوم بنفسه حتى يضيفه إلى غيره. فتقول هذا امرؤ سوء، وشبه الأفعال إذ كانت لا تقوم بنفسها ولا بد لها من فاعل فدخلته ألف الوصل لذلك، وإنما لقبت هذه الألف بألف وصل عند الكوفيين لأنها تذهب في الوصل فلقبت بضد حالها كما سمي اللديغ سليماً، والمخافة مفازة. وقيل: سميت ألف وصل لأنها تصل الكلام الذي قبلها بالذي بعدها ويستغنى عنها. وهذا القول هو القول الأولى في المعنى. وقال البصريون: لقبت ألف وصل: لأنه يوصل بها إلى الساكن الذي بعدها. وحكي عن الخليل: أنه كان يسمي ألف الوصل: سلم اللسان.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.