الباحث القرآني

قوله تعالى ذكره: ﴿فَلَمَّا جَآءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ﴾، إلى قوله: ﴿فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾، أي فلما جاء رسولها سليمان بالهدية، قال سليمان: أتمدونني بمال، فالذي أعطاني الله من الملك في الدنيا ﴿خَيْرٌ مِّمَّآ آتَاكُمْ بَلْ أَنتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾، أي ما أفرح بما أهديتم إلي بل أنتم تفرحون بها، لأنكم أهل مفاخرة بالدنيا، ومكاثرة بها. روي: أن رسولها لما رجع إليها بالهدية وأخبرها خبر سليمان، قالت لقومها: هذا أمر من السماء لا ينبغي لنا معاندته فعمدت إلى عرشها فجعلته في آخر سبعة أبيات، وأقامت عليه الحرس، ثم أقبلت إلى سليمان فرجع الهدهد وأخبر سليمان بذلك، فقال عند ذلك: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا﴾، أي بسريرها ﴿قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾، فيحرم علي ما لهم. * * * وقوله: ﴿فَلَمَّا جَآءَ﴾، فوحد وقد قال عنها ﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ ٱلْمُرْسَلُونَ﴾ [النمل: ٣٥]، فجمع فمعناه: فلما جاءوها سليمان. وقيل: إن الرسول كان واحداً، وإنما قالت هي: ﴿ٱلْمُرْسَلُونَ﴾، فجمعت لأن الرسول لا بد له من خدمة وأعوان، فجمعت على ذلك المعنى. وقد قيل: إن الرسول الذي وجهته إلى سليمان كانت امرأة. وقيل: بل كانوا جماعة، وإنما قال "جاء" فوحد على معنى الجمع ودل على ذلك أن في حرف ابن مسعود ﴿فَلَمَّا جَآءَ﴾ بالجمع وقوله: ﴿ٱرْجِعْ إِلَيْهِمْ﴾، يدل على أنه كان واحداً والله أعلم. * * * ثم قال تعالى: ﴿ٱرْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ لاَّ قِبَلَ لَهُمْ بِهَا﴾، أي قال سليمان لرسول المرأة: ارجع إليهم بهديتهم فلنأتينهم بجنود لا طاقة لهم بها. ﴿وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِّنْهَآ أَذِلَّةً﴾، أي لنخرجنهم من بلدتهم صاغرين إن لم يأتوني مسلمين. * * * ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾. قال ابن عباس: كان إتيان العرش إليه قبل أن يكتب الكتاب إليها. لأنه لما أتاه الهدهد فأخبره بملك سبأ وعرشها، أنكر سليمان أن يكون لأحد سلطان في الأرض غيره، فقال لمن عنده من الجن والإنس: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ * قَالَ عِفْرِيتٌ مِّن ٱلْجِنِّ أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾ قال سليمان أريد أعجل من هذا. ﴿قَالَ ٱلَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ ٱلْكِتَابِ أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾، وهو رجل من الإنس كان عنده علم من الكتاب فيه اسم الله الأكبر، فدعا بالاسم، فاحتمل العرش احتمالاً حتى وضع بين يدي سليمان بقدرة الله، فلما أتاه العرش صدّق الهدهد في قوله، ووجهه بالكتاب وكذلك روى الضحاك. وقال وهب بن منبه وغيره: بل كتب معه الكتاب قبل أن يأتيه العرش. والكلام في التلاوة على رتبته ووصل إليه العرش بعد رده الهدية. قال وهب بن منبه: لما رجعت إليها الرسل بالهدية، وأعلموها بما كان من أمر سليمان. وقوله: قالت: قد والله علمت ما هذا بملك، وما لنا به طاقة وبعثت إليه إني قادمة إليك بملوك قومي حتى أنظر ما أمرك؟ وما تدعو إليه من دينك؟ ثم أمرت بسرير ملكها الذي كانت تجلس عليه، وكان من ذهب مفصص بالياقوت، والزبرجد، واللؤلؤ فجعل في سبعة أبيات بعضها في بعض ثم أقفلت على الأبواب، وكانت إنما يخدمها النساء، معها ست مائة امرأة يخدمنها، ثم قالت لمن خلفت على سلطانها: احتفظ بما قبلك، وسرير ملكي فلا يخلص إليه أحد ولا ترينه حتى آتيك، ثم شخصت إلى سليمان في إثني عشر ألف قيل، معها من ملوك اليمن تحت يدي كل قيل منهم ألوف كثيرة، فجعل سليمان يبعث الجن فيأتونه بمسيرها، ومنتهاها كل يوم وليلة، حتى إذا دنت، جمع من عنده من الإنس والجن ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾، أي بسريرها، وذلك أنه خشي أن تسلم فيحرم عليه أخذه، وقد وصف له، وأعجب به، فأراد أن يأخذه قبل إسلامها فيحل له. قاله قتادة. قال قتادة: كان السرير من ذهب وقوائمه من جوهر مكلل باللؤلؤ. قال ابن جريج: كان من ذهب قوائمه من جوهر ولؤلؤ. وقيل: إنما فعل ذلك ليختبر عقلها به هل تنتبه إليه إذا رأته أم لا؟ قاله ابن زيد. قال ابن عباس: معنى ﴿مُسْلِمِينَ﴾، طائعين أي مستسلمين لي. وقال ابن جريج: معناه قبل أن يدخلوا في الإسلام فتمتنع علي أموالهم. وهو قول قتادة المتقدم. وإنما خص سليمان السرير دون غيره من مملكتها لأنه أعجب به. فعل ذلك لإعجابها به، واحتياطها عليه، فأراد أن يريها قدرة الله وعجزها، وأن السبعة الأبيات التي قفلت عليه لا تنفع شيئاً، فيكون ذلك حجة عليها في نبوته. وقوله: ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّن ٱلْجِنِّ أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ﴾، العفريت النافذ في الأمور المبالغ فيها الذي معه خبث ودهاء، وفيه لغات: عفريت وعفرية وعفر وعفارية. وقرأ أبو رجاء: قال: "عفرية" وجمع عفرية على عفار وجمع: عفريت على عفاريت، وإن شئت عفار لأن التاء زائدة كما تقول في طاغوت طواغ، وإن شئت عوضت فقلت عفاري. قال مجاهد: عفريت من الجن: أي ما رد من الجن. وقال قتادة ومعمر: داهية من الجن. وقيل: عفريت: رئيس من الجن. قال وهب: كان اسم العفريت: كودتا. وعن ابن عباس: أنه صخر الجني. فالمعنى: قوي على حمله، أمين على فرج هذه. وعن ابن زيد: نحوه. وقوله ﴿قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ﴾، قال مجاهد: مقعدك الذي تقضي فيه. وقال قتادة: يقال: مقام ومقامة: للمكان الذي يقام فيه قيل: كان سليمان يجلس للناس إلى وقت نصف النهار، ثم يقوم إلى عبادة ربه، وإلى أهله. قال ابن عباس: كان من قوة العفريت حين وصف نفسه بالقوة: أنه كان يضع قدمه حيث ينال طرفه، فقال سليمان: أنا أحب أعجل من ذلك: ﴿قَالَ ٱلَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ ٱلْكِتَابِ﴾ قيل: هو جبريل عليه السلام. وقيل هو سليمان نفسه. وذهب ابن وهب: أنه الخضر. وقيل: هو أصف بن برخيا. * * * وقوله: ﴿وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾، أي لقوي على حمله: أمين على ما فيه من الذهب والجوهر لا أخون فيه. وعن ابن عباس: أمين على فرج المرأة. * * * ثم قال: ﴿قَالَ ٱلَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ ٱلْكِتَابِ أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾، أي قال الإنسي الذي عنده علم من كتاب الله جلّ ذكره. قال مجاهد: فتكلم ذلك العالم بكلام دخل العرش تحت الأرض حتى خرج إليهم. قال الزهري: دعا الذي عنده علم من الكتاب: يا إلهنا وإله كل شيء إلهاً واحداً لا إله إلا أنت: إيتني بعرشها. قال: فتمثل له بين يديه. قال قتادة: كان اسمه يلجا. وقيل: كان اسمه آصف بن برخيا. وقال النخعي: هو جبريل ﷺ. وقيل: هو سليمان نفسه. ودل على ذلك قوله: ﴿هَـٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي﴾. ومعنى: ﴿قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾، أي قبل أن يصل إليك من كان منك على مد بصرك، أي قبل أن يأتيك أقصى ما ترى. وقال وهب معناه: أنا آتيك به قبل أن تمتد عينك فلا ينتهي طرفك إلى مداه حتى آتيك فأمثله بين يديك فدعا فغاص العرش تحت الأرض ثم نبع إليه. وقال وهب: توضأ آصف، وركع ركعتين، ودعا فنبع السرير من تحت الأرض، فقال سليمان: ﴿هَـٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي﴾، أي هذا النصر من فضل ربي ليختبرني أشكر أم أكفر، ومن شكر فلنفسه يشكر، لأن النفع إليه يرجع، ومن كفر فإن ربي غني عنه، ونفسه ظلم. كريم أي تفضل على من كفر ويرزقه. قال مالك: كانت باليمن وكان سليمان بالشام. وروى ابن وهب عن ابن لهيعة قال: بلغني أن الذي قال لسليمان ﴿أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ أنه الخضر. قال الأعمش: قال الذي عنده علم من الكتاب لا إله إلا أنت رب كل شيء إيتني به. قال: فإذا هو بين يديه.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.