الباحث القرآني

جديد: تطبيق «تراث»
قوله تعالى: ﴿وَأَنجَيْنَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ﴾، إلى قوله: ﴿إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾، أي أنجينا من عذابنا، ونقمتنا التي حلت بثمود صالحاً والمؤمنين به، وكانوا يتقون العذاب والنقمة، فآمنوا خوفاً من ذلك، فكذلك ننجيك يا محمد، ومن آمن بك عند حلول عقوبتنا بمشركي قومك. وروي: أن صالحاً ﷺ لما أحل الله تعالى ذكره بقومه ما أحل من العذاب، خرج هو والمؤمنين به إلى الشام فنزل رملة فلسطين. * * * ثم قال: ﴿وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ ٱلْفَاحِشَةَ﴾، أي واذكر لوطاً وإن شئت، وأرسلنا لوطاً: ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ ٱلْفَاحِشَةَ﴾ يعني نكاح الرجال في أدبارهم. ﴿وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ﴾، أي تبصرون أنها فاحشة، إذ قد علمتم أنه لم يسبقكم إلى ما تفعلون أحد. ﴿أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلرِّجَالَ﴾، أي في أدبارهم شهوة منكم لذلك، من دون فروج النساء التي أباح الله لكم بالنكاح ﴿بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾، أي تجهلون حق الله عليكم فخالفتم أمره. * * * ثم قال تعالى: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ أَخْرِجُوۤاْ آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ﴾، أي فلم يكن جواب قوم لوط له لما نهاهم عن نكاح الرجال، إلا قول بعضهم لبعض: ﴿أَخْرِجُوۤاْ آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾، عما نفعله نحن من إتيان الذكران. قال ابن عباس: أي يتطهرون من إتيان النساء والرجال في أدبارهم. وقاله مجاهد. * * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا﴾، يعني أنجاهم من العذاب. ﴿إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا﴾، أي جعلناها بتقديرنا ﴿مِنَ ٱلْغَابِرِينَ﴾، أي من الباقين في العذاب. ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَراً﴾، أي حجارة من السماء، أي أمطرنا الحجارة على من لم يكن حاضراً في المدائن المنقلبة على من فيها منهم. ﴿فَسَآءَ مَطَرُ ٱلْمُنذَرِينَ﴾ أي فساء المطر مطر القوم الذين أنذرهم الله عقابه على معصيتهم إياه. * * * ثم قال: ﴿قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلاَمٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَىٰ﴾ أي قل يا محمد الحمد لله. وقال الفراء معناه: قل يا لوط الحمد لله على هلاكهم. ﴿وَسَلاَمٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَىٰ﴾ والقول الأول أحسن لأن القرآن على النبي ﷺ نزل، فهو المخاطب والمعنى: قل يا محمد الحمد لله على نعمه وتوفيقه لكم. ﴿وَسَلاَمٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ﴾، أي وأمنه من عقابه الذي عاقب به قوم لوط، وصالح، على عباده الذين اجتباهم لمحمد ﷺ فجعلهم له أصحاباً ووزراء على الدين الذي بعثه بالدعاء إليه. قال ابن عباس: ﴿عَلَىٰ عِبَادِهِ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَىٰ﴾، أصحاب محمد عليه السلام وقاله الثوري. * * * ثم قال: ﴿ءَآللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أجاز أبو حاتم تحقيق الهمزتين في "ءالله" ولم يوافقه على ذلك أحد، والمعنى: أثواب الله خير أم ثواب ما تشركون؟ وقيل: "خير" هنا ليست أفعل. والمعنى: الله ذو خير أم ما تشركون؟ وقيل: إنما أتى هذا لأنهم كانوا يعتقدون، ويظنون أن في عبادة الأصنام خيراً، وفي عبادة غيرها شراً، فخوطبوا على ما كانوا يظنون، ويعتقدون، لا على غير ذلك. وقيل: المعنى الخير في هذا الذي تشركونه به في العبادة. وحكى سيبويه: الشقاء أحب إليك أم السعادة؟ وهو يعلم أن السعادة أحب إليه. وقيل: لفظ الاستفهام في هذا مجاز، ومعناه التبيين لهم أن الله خير لهم مما يشركون به من الأصنام، وهذا النص يدل على أن الدعاوى في الديانات لا تصح إلا ببرهان وحجة تدل على صحة ذلك، ولو كان الأمر على غير ذلك لم يطلب من هؤلاء برهان وحجة على ما يدعون. والمعنى: عند الطبري: قل يا محمد للمشركين، الله الذي أنعم على أوليائه بالنعم التي قصها عليكم: ﴿خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ من أوثانكم التي لا تنفعكم، ولا تضركم، ولا تدفع عن أنفسها، ولا عن أوليائها شراً، ولا تجلب نفعاً. * * * ثم قال تعالى: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَآئِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾، أي أعبادة ما تعبدون من أوثانكم خير أم عبادة من خلق السماوات والأرض فهو مردود على ما قبله على المعنى الذي تقدم ذكره. وفيه معنى التوبيخ، والتقريع لهم، وفيه أيضاً معنى التنبيه على قدرة الله، وعجز آلهتهم، وكذلك معنى ما بعده في قوله "أمن"، "أمن" هو كله مردود على الله ﴿خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، وفيه من المعاني ما ذكرنا من التوبيخ، والتقريع، والتنبيه فافهمه كله. والحدائق: جمع حديقة وهي البستان عليه حائط محوط، فإذا لم يكن عليه حائط فليس بحديقة. وقال قتادة: هي النخل الحسان. قال عكرمة: الحدائق: النخل، والبهجة: الزينة والحسن. * * * ثم قال: ﴿مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُواْ شَجَرَهَا﴾، أي لم تكونوا قادرين على إنبات شجرها، لولا ما أنزل الله من الماء ﴿أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ﴾، أي أمعبود مع الله خلق ذلك؟ ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾، أي يعدلون عن الحق ويجورون على عمد منهم لذلك، ويجوز أن يكون المعنى: بل هو قوم يعدلون بالله الأوثان. * * * ثم قال: ﴿أَمَّن جَعَلَ ٱلأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلاَلَهَآ أَنْهَاراً﴾، أي أعبادة ما تشركون خير أم عبادة من جعل الأرض قراراً أي تستقرون عليها لا تميد بكم. ﴿وَجَعَلَ خِلاَلَهَآ أَنْهَاراً﴾، أي وجعل بين أبنيتها أنهاراً. ﴿وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ﴾، وهي الجبال. ﴿وَجَعَلَ بَيْنَ ٱلْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً﴾ أي بين الملح والحلو، لئلا يفسد أحدهما صاحبه. ﴿أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱلله﴾، أي أمعبود يعبد مع الله ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾، أي لا يعلمون قدر عظمة الله جل ذكره، وما عليهم من الضرر في إشراكهم مع الله غيره. * * * ثم قال: ﴿أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ ٱلسُّوۤءَ﴾، أي أعبادة ما تشركون خير أم عبادة من يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء النازل به؟ قال ابن جريج: السوء: الضر * * * ثم قال تعالى: ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَآءَ ٱلأَرْضِ﴾، أي سيتخلفكم بعد أمواتكم في الأرض ﴿أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ﴾، أي أمعبود مع الله ﴿قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ﴾، أي قليلاً ما تذكرون عظمة الله، وقبيح ما تفعلون. * * * ثم قال تعالى: ﴿أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ﴾، أي أعبادة أوثانكم خير، أم عبادة من يهديكم في ظلمات البر والبحر، إذا ضللتم فيهما الطريق، وخفيت عليكم السبيل فيهما. ﴿وَمَن يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ بُشْرَاً﴾ أي يرسلها حياة للأرض ﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾، أي قدام الغيث الذي يحيي الأرض. * * * ثم قال: ﴿أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ تَعَالَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، أي أمعبود مع الله، تعالى الله عن شرككم به. * * * ثم قال تعالى: ﴿أَمَّن يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعيدُهُ﴾، أي أعبادة أوثانكم خير أم عبادة من يبدأ الخلق من غير أصل، ثم يفنيه، ثم يعيده إذا شاء كهيئته ﴿وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وٱلأَرْضِ﴾، أي بالغيث والنبات. ﴿قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾، أي إن زعمتم أن مع الله إلها غيره يفعل ذلك، فقل لهم يا محمد: هاتوا برهانكم على ذلك، ودليلكم عليه إن كنتم صادقين في دعواكم. وقد وقعت أمن في السواد موصولة، وكان حقها أن تكون مفصولة، ولكن كتبت على لفظ الإدغام.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.