الباحث القرآني

قوله تعالى ذكره: ﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ إلى قوله: ﴿إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾، أي إنك يا محمد لا تهدي من أحببت هدايته، ولكن الله يهدي من يشاء هدايته من خلقه، فيوفقه للإيمان. ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ﴾، أي والله أعلم بمن سبق له في علمه أنه يهتدي للرشاد. ويروى: أن هذه الآية نزلت على النبي ﷺ لما امتنع عمه أبو طالب من إجابته إذ دعاه إلى الإيمان. روى أبو هريرة: أن النبي ﷺ قال لعمه أبي طالب عند الموت: قل لا إله إلا الله أشهد لك بها يوم القيامة. قال: لولا أن تعيرني ، قريش. يقولون ما حمله إلا جزع الموت أقرت عينك بها؟ فنزلت ﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾، الآية وروى سعيد بن المسيب عن أبيه أنه قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة أتاه النبي ﷺ، فوجد عنده أبا جهل بن هشام، وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، فقال رسول الله: يا عم: قل لا إله إلا الله، كلمة أشهد لك بها عند الله، فقال أبو جهل، وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزل رسول الله يعرضها عليه، ويعيد تلك المقالة حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم: هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله، فقال النبي ﷺ: "أما والله لأستغفرن لك، ما لم أنه عنك" فأنزل الله: ﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ الآية. وأنزل: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ الآيات قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: نزلت في أبي طالب على ما ذكرنا. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُوۤاْ إِن نَّتَّبِعِ ٱلْهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَآ﴾، أي وقال كفار قريش: إن نتبع الذي جئتنا به، ونتبرأ من الأنداد والآلهة: يتخطفنا الناس من أرضنا، لاجتماع جميعهم على خلافنا، وحربنا، يقول لهم الله جل ذكره: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً آمِناً﴾ أي نوطئ لهم بلداً: حرم فيه سفك الدماء، ومنع من أن يتناول سكانه فيه بسوء، وأمن أهله من أن تصيبهم فيه غارة أو قتل أو سبي. قال ابن عباس: كان من أحدث حدثاً في بلد غير الحرم، ثم لجأ إلى الحرم أمن إذا دخله، ولكن لا ينبغي لأهل مكة أن يبايعوه، ولا يطعموه، ولا يسقوه، ولا يؤووه، ولا يكسوه، فإذا خرج من الحرم أخذ وأقيم عليه الحد. قال: ومن أحدث فيه حدثاً أخذ بحدثه فيه. قال مجاهد: إذا أصاب الرجل الحد في غير الحرم، ثم أتى الحرم، أخرج من الحرم، فأقيم عليه الحد، وإن أصاب الحد في الحرم أقيم عليه الحد في الحرم. وقال ابن جبير: نحوه، وأكثر الفقهاء: على أن الحد يقام في الحرم على من وجب عليه حد أحدثه في الحرم أو غير الحرم، ولا يمنع الحرم من الحق من حقوق الله، ولا من حق أوجبه الله، فالمعنى: أن من مكن لكم حرماً آمناً، لا يتعدى على أحد فيه، قادر على أن يمنع منكم من خالفكم في الدين إن آمنتم، لأنهم اعتذروا أنهم يخافون أن تجتمع عليهم العرب، فتقتلهم إن آمنوا أو خالفوا دين العرب، فأعلمهم أن من جعل لكم الحرم آمناً يقدر على أن يمنعكم من العرب إن آمنتم. قال ابن عباس: "الحارث بن نوفل هو الذي قال: ﴿إِن نَّتَّبِعِ ٱلْهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَآ﴾. * * * قوله: ﴿يُجْبَىٰ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾، أي تجبى إليه من كل بلد. ﴿رِّزْقاً مِّن لَّدُنَّا﴾، أي رزقاً لهم من عندنا. ﴿وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾، نعم الله عليهم. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾، أي وكثير من القرى أهلكنا أهلها، و ﴿كَمْ﴾ في موضع نصب بـ ﴿أَهْلَكْنَا﴾، و ﴿مَعِيشَتَهَا﴾، نصب على حذف "في". والتقدير عند "المازني" بطرت في معيشتها، ونصبه عند الفراء على التفسير، ونظيره ﴿إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠] ﴿فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً﴾ [النساء: ٤]. والبطر: الأشر في النعمة ﴿فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ﴾، أي دورهم: ﴿لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلاً﴾، أي إلا وقتاً قليلاً، فتلك إشارة إلى مساكن عاد بناحية الأحقاف واليمن. وإلى منازل ثمود بناحية وادي القرى، ومساكن قوم لوط بالمؤتفكات وغير ذلك من مساكن الأمم المهلكة. وقيل: المعنى لم يسكن منها إلا القليل، وباقيها خراب، والمعنى: إلا قليلاً منها فإنه سكن. ﴿وَكُنَّا نَحْنُ ٱلْوَارِثِينَ﴾، أي لا وارث لهم فيها. * * * ثم قال تعالى ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ حَتَّىٰ يَبْعَثَ فِيۤ أُمِّهَا رَسُولاً﴾، أي لم يكن ربك يا محمد مهلك القرى التي حوالي مكة في زمانك وعصرك ﴿حَتَّىٰ يَبْعَثَ فِيۤ أُمِّهَا رَسُولاً﴾ أي في مكة لأنها أم القرى. ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾، أي القرآن، والرسول محمداً ﷺ. ﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي ٱلْقُرَىٰ إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾، أي لم نكن مهلكي القرى وهي بالله مؤمنة، إنما نهلكها بظلمها أنفسها. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا﴾، أي ما أعطيتم من شيء من مال وأولاد، فإنما هو متاع تتمتعون به في هذه ﴿ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتُهَا﴾. ليس مما يغني عنكم شيئاً، ولا ينفعكم شيء منه في معادكم، ﴿وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ﴾، مما متعتم به في الحياة الدنيا، وإبقاء لأهل طاعته وولايته لأنه دائم لا نفاذ له. وقيل معناه: خير ثواباً وإبقاء عندنا. ﴿أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾، أي أفلا عقول لكم أيها القوم تتدبرون بها فتعرفون بها الخير من الشر، وتختارون لأنفسكم خير المنزلتين. * * * ثم قال تعالى: ﴿أَفَمَن وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لاَقِيهِ﴾، أي أفمن وعده الله من خلقه على طاعته إياه أن ينجز له ما وعده ﴿فَهُوَ لاَقِيهِ﴾ لاق ما وعد به، كمن متعه الله في الدنيا متاعاً زائلاً ﴿ثُمَّ هُوَ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ مِنَ ٱلْمُحْضَرِينَ﴾، أي من المشهدين عذاب الله وأليم عقابه. وقال قتادة: هو المؤمن يسمع كتاب الله جل وعز وصدق به، وآمن بما وعده الله فيه. ﴿كَمَن مَّتَّعْنَاهُ مَتَاعَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا﴾، وهو الكافر ﴿ثُمَّ هُوَ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ مِنَ ٱلْمُحْضَرِينَ﴾، عذاب الله. قال مجاهد: نزلت هذه الآية في النبي ﷺ، وفي أبي جهل بن هشام لعنه الله. وعن مجاهد أيضاً: أنها نزلت في حمزة، وعلي، وأبي جهل. وقيل: نزلت في حمزة وأبي جهل. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾، أي ويوم ينادي رب العزة الذين أشركوا به في الدنيا، فيقول لهم: ﴿أَيْنَ شُرَكَآئِيَ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾، في الدنيا أنهم لي شركاء، فالمعنى: أين شركائي على قولكم وزعمكم؟ وهذا النداء إنما هو على طريق التوبيخ لهم، وإلا فقد عرفوا في ذلك اليوم بطلان ما كانوا عليه، وعرفوا أن أولئك الشركاء الذين كانوا يعبدون لا ينفعونهم بشيء. قوله تعالى: ﴿قَالَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ﴾، أي وجب عليهم العذاب والغضب واللعنة. قال قتادة: هم الشياطين يعني الذين يغوون الناس. وقيل: ﴿حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ﴾ وجبت عليهم الحجة فعذبوا. ﴿رَبَّنَا هَـٰؤُلاۤءِ ٱلَّذِينَ أَغْوَيْنَآ﴾، أي دعوناهم إلى الغي، ﴿أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا﴾، أي أضللناهم كما ضللنا. ﴿تَبَرَّأْنَآ إِلَيْكَ﴾، أي تبرأ بعضنا من بعض وعاداه، وهو قوله تعالى: ﴿ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧]. * * * قوله: ﴿مَا كَانُوۤاْ إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾، أي ما كانوا يعبدوننا. وقيل: هم دعاة الكفار إلى الكفر من الإنس.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب