الباحث القرآني

قوله تعالى ذكره: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ﴾، إلى قوله: ﴿وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ﴾، "قارون" فاعول اسم أعجمي معرفة فلذلك لم ينصرف ومعنى ﴿كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ﴾ أي من عشيرته، وكان ابن عمه لأبيه وأمه، وكان عند موسى من عباد المؤمنين. وهو قارون بن يصهر بن قاهث، وموسى: هو موسى بن عمران بن قاهث. قاله ابن جريج، والنخعي، وقتادة، ومالك ابن دينار. وقال ابن إسحاق: كان قارون عم موسى لأب وأم. * * * وقوله: ﴿فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ﴾، أي تجاوز حده في التكبر عليهم. وقيل: كان بغيه أنه أحدث زيادة شبر في طول ثيابه، قاله شهر بن حوشب. وقال قتادة: كان بغيه عليهم بكثرة ماله. قيل: إنه لكثرة ماله استخف بالفقراء، وازدرى بني إسرائيل، ولم يرع لهم حق الإيمان بالله. وقيل: إنه كان ابن عم موسى، وكان عالماً بالتوراة فبغى على موسى، وقصد إلى الإفساد عليه والتكذيب له، وكان من طلبه للإفساد أن بغيّاً كانت مشهورة في بني إسرائيل فوجه إليها قارون، وكان أيسر أهل زمانه، فأمرها أن تصير إليه، وهو في ملإ من أصحابه، فتكذب على موسى، وتقول: إن موسى طلبني للفساد، وضمن لها قارون إن هي فعلت ذلك أن يخلطها بنسائه، وأن يعطيها على ذلك عطاء كثيراً، فجاءت المرأة، وقارون جالس مع أصحابه ورزقها الله التوبة، وقالت في نفسها: مالي مقام توبة مثل هذا، فأقبلت على أهل المجلس وقارون حاضر، فقالت لهم: إن قارون هذا وجه إلي يأمرني ويسألني أن أكذب على موسى وأن أقول: قد أرادني للفساد، وأن قارون كاذب في ذلك. فلما سمع قارون كلامها تحير وأبلس، واتصل الخبر بموسى عليه السلام فجعل الله أمر قارون إلى موسى، وأمر الأرض أن تطيعه فيه، فورد موسى على قارون، فأحس قارون بالبلاء، فقال: يا موسى ارحمني، فقال: يا أرض خذيه، فخسفت به إلى سرته، ثم قال: يا أرض خذيه، فخسفت به إلى عنقه، واسترحم موسى فقال: يا أرض خذيه، فخسفت به حتى ساخت الأرض به وبداره، وهو قوله جل ذكره: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ ٱلأَرْضَ﴾ [القصص: ٨١]. * * * وقوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ ٱلْكُنُوزِ﴾، أي كنوز الأموال ﴿مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُ﴾، أي خزائنه. وقيل: هي التي يفتح بها الأبواب، والواحد في الوجهين: مفتاح، وروى الأعمش عن خيثمة أنه قال: كانت مفاتح قارون تحمل على ستين بغلاً، كل مفتاح منها ، لباب كنز معلوم مثل الإصبع من جلود. قال مجاهد: كانت المفاتيح من جلود الإبل. وقال أبو صالح: كانت خزائنه تحمل على أربعين بغلاً. وقال الضحاك: مفاتحه: أوعيته. وقيل: كانت مفاتح أقفال خزائنه لا تنقل من مكان إلى مكان إلا بعشرة أنفس من أهل القوة. قال ابن عباس: ﴿لَتَنُوءُ بِٱلْعُصْبَةِ﴾، أي لتثقل بالعصبة. وقال أبو عبيدة: مجازه ما إن العصبة ذوي القوة لتنوء بمفاتح نعمه، والصحيح عند أهل اللغة أنه يقال: نؤت بالحمل: أي نهضت به على ثقل، ونأنى، وأنأني: إذا أثقلني. وقيل المعنى: لتنيء العصبة: أي تميلهم من ثقلها، كما يقال: ذهبت به، وأذهبته. والعصبة عند ابن عباس: أربعون، وكذلك قال الضحاك وأبو صالح. وقال قتادة: هي ما بين العشرة إلى الأربعين. وقال خيثمة: هم ستون، وقال: كانت مفاتحه تحمل على ستين بغلاً. وقيل: كانت تحمل على ما بين ثلاثة إلى عشرة. وروى الضحاك عن ابن عباس: ﴿لَتَنُوءُ بِٱلْعُصْبَةِ﴾ قال: العصبة: ثلاثة، وعنه: العصبة ما بين الثلاثة إلى العشرة. وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد: العصبة ما بين عشرة إلى خمسة عشر. وروى ابن جريج عن مجاهد: العصبة خمسة عشر رجلاً. وحكى الزجاج: أن العصبة هنا: سبعون رجلاً، والعصبة في اللغة: الجماعة، يتعصب بعضهم لبعض. * * * وقوله: ﴿أُوْلِي ٱلْقُوَّةِ﴾، أي ذوي الشدة. قال مجاهد: ﴿أُوْلِي ٱلْقُوَّةِ﴾ خمسة عشر رجلاً. * * * ثم قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لاَ تَفْرَحْ إِنَّ ٱللَّهَ﴾، أي لا تبطر ولا تأشر ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْفَرِحِينَ﴾، أي البطرين الأشرين الذين لا يشكرون على ما آتاهم الله من فضله، أمروا بالتواضع والاستكانة لله. قال قتادة: ﴿ٱلْفَرِحِينَ﴾، المرحين، وكذلك قال ابن عباس. وقال مجاهد: المتبذخين. وقيل: ﴿ٱلْفَرِحِينَ﴾ المستهزئين. وذكر الفراء: أن موسى الذي قال له ذلك وحده، فأخبر عنه بلفظ الجماعة كما قال: ﴿ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] يعني نعيم بن مسعود. وفرق الفراء بين الفرحين والفارحين، فقال: الفرحين الذين هم في حال فرح، والفارحين: الذين يفرحون فيما يستقبل، ومثله عنده طمع وطامع، وميت ومايت، وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] يدل على خلاف ما قال الفراء، لأن هذا للمستقبل، ولم يكونوا في حال موت إذ خوطبوا بهذا، ولم يقل: مايت ومايتون. وقال الزجاج: معنى ﴿لاَ تَفْرَحْ﴾ أي لا تفرح بالمال فإن الفرح بالمال لا يؤدي فيه الحق. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱبْتَغِ فِيمَآ آتَاكَ ٱللَّهُ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ﴾، أي وقال قوم قارون له: التمس في المال الذي أعطاكه الله الدار الآخرة بالعمل الصالح فيه ﴿وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنْيَا﴾. قال ابن عباس: معناه لا تترك العمل في الدنيا لله بطاعته وهو معنى قول مجاهد وغيره. قال ابن زيد: لا تنس أن تقدم من دنياك لآخرتك. وقيل معناه: بل من لذات الدنيا المحللة، لأن ذلك ليس بمحظور عليك. وقيل: معناه لا تترك أن تطلب بدنياك الآخرة فهو حظك من دنياك. وقال قتادة: معناه لا تخسر ما أحل الله لك فيها فإن لك فيها غنى وكفاية وقال الحسن: معناه قدم الفضل وأمسك ما يبلغك. وقال ابن جريج: الحلال فيها. وعن مالك رضي الله عنه: أنه الأكل والشرب في غير سرف. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ﴾، أي وأحسن في الدنيا بإنفاق مالك في وجهه، كما وسع الله عليك. ﴿وَلاَ تَبْغِ ٱلْفَسَادَ فِي ٱلأَرْضِ﴾، أي لا تلتمس ما حرم الله عليك من البغي على قومك ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُفْسِدِينَ﴾، أي لا يحب بغاة البغي والمعاصي. * * * ثم قال تعالى: ﴿قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِيۤ﴾، أي قال قارون لقومه لما وعظوه: إنما أوتيت هذا المال: ﴿عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِيۤ﴾ أي بفضل علم عندي علمه الله مني، فرضي بذلك عني، وفضلني عليكم بالمال لذلك، فلم يرض بأن يكون الله هو المنعم عليه بذلك، فأضاف اكتساب ذلك إلى نفسه لا بشكر الله عليه، فصار كافراً بذلك، وببغيه على بني إسرائيل، وكان قارون أقرأ الناس للتوراة. قيل: كان يعرف عمل الكيمياء، وأنكره الزجاج، وقال: الكيمياء باطل. * * * ثم قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ ٱلْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ﴾، أي بطشاً ﴿وَأَكْثَرُ جَمْعاً﴾، أي جمعاً للأموال فلم تغن عنه أمواله شيئاً، فلا فضل لمن أوتيها. * * * ثم قال: ﴿وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ﴾. قال قتادة: يدخلون النار بغير حساب. وقيل: المعنى أن الملائكة لا تسأل عنهم لأنهم يعرفونهم بسيماهم، كقوله جل ذكره: ﴿يُعْرَفُ ٱلْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ﴾ [الرحمن: ٤١] قاله مجاهد، وسيماهم: زرقة العيون، وسواد الوجوه. وقيل: المعنى ولا يسأل هؤلاء عن ذنوب من مضى وأهلك من الأمم الكثيرة الأموال. وقيل المعنى: لا يسألون سؤال اختيار فيختلف الضمير في ذنوبهم على مقدار المعاني المذكورة.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب