الباحث القرآني

قوله تعالى ذكره: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ إلى قوله: ﴿عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ﴾. فمعنى قوله تعالى: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ﴾. أي: وليعلمنّ أولياء الله وحزبه أهل الإيمان بالله منكم من أهل النفاق وهو قوله: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ﴾. * * * ثم قال تعالى ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّبِعُواْ سَبِيلَنَا﴾ أي: كونوا على ما نحن عليه من الكفر ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ إن بعثتم وجوزيتم، فنحن نحمل آثام خطاياكم عنكم. وذلك قول الوليد بن المغيرة: قال للمؤمنين: كونوا على ما نحن عليه من الكفر ونحن نحمل خطاياكم. قيل: هو من الحمالة وليس من الحمل على الظهر. فالمعنى اتبعوا ديننا ونحن نضمن عنكم كل ما يلزمكم من عقوبة ذنب، وما هم بحاملين: أي: بضامنين ذلك. وقيل: ذلك قول كفار قريش لمن آمن منهم: أنكروا البعث والجزاء فقالوا للمؤمنين أنكروا ذلك كما ننكره نحن، فإن بعثتم وجوزيتم فنحن نحمل عنكم خطاياكم. قال الله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِّن شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ في قولهم. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ أي: وليحملنّ هؤلاء المشركون أوزارهم وأوزار من أضلّوا وصدوا عن سبيل الله. ﴿وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ أي: يكذبون. ومثله قوله تعالى ﴿لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ﴾ [النحل: ٢٥]. قال قتادة: في حديث رفعه "من دعا إلى ضلالة كُتبَ عليه وزرها ووِزرُ من عَمِل بها ولا يَنْقُصُ منه شيء وقال أبو أمامة الباهلي: "يُؤْتى بالرّجل يومَ القيامة يكونُ كثيرَ الحسناتِ فلا يزَالُ يقتصُّ منه حتى تَفْنى حسناته، ثم يُطالبُ فيقولُ الله جلّ وعزّ: اقتصُّوا من عبدي فتقول الملائكة، ما بقيَتْ له حسناتٌ، فيقولُ خذوا من سيّئاتِ المظلومِ واجعلوها عليه. قالَ أبو أمامة: ثم تلى النبيّ ﷺ: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ﴾". ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَاماً﴾. وهذه الآية وعيد من الله للمشركين من قريش القائلين للمؤمنين منهم: اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم. فيها تسلية للنبي ﷺ مما لحقه من قومه. فالمعنى تسلَّ يا محمد ولا تحزن فإن مصيرك ومصير من آمن بك إلى النجاة، ومصير من كفر بك إلى البوار والهلاك كفعلنا بنوح وقومه. ذكر عون بن أبي شداد: أن الله جلّ ذكره أرسل نوحاً إلى قومه وهو ابن خمسين وثلاثمائة سنة، فلبث فيهم ألف سنة إلاّ خمسين عاماً. ثم عاش بعد ذلك خمسين وثلاث مائة سنة. وروى ابن وهب عمّن سمع عبد الوهاب بن مجاهد يقول: مكث نوح يدعو قومه إلى الله ألف سنة إلاّ خمسين عاماً، يدعوهم إلى الله يسره إليهم. قال: ثم يجهر به إليهم، قال: فيأخذونه، فيخنقونه حتى يُغشى عليه فيسقط مغشياً عليه، ثم يفيق فيقول: اللهم اغفر لقومي إنهم لا يعلمون قال: ويقول للرجل ابنه: يا أبه، ما لهذا الشيخ يصبح كل يوم ولا يفيق، فيقول له: أخبرني جدي أنه لم يزل على هذا منذ كان. وقوله تعالى ذكره: ﴿فَأَخَذَهُمُ ٱلطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾. أي أهلكهم الماء الكثير في حال كفرهم وظلمهم لأنفسهم. وكل ماء كثير فاش فهو عند العرب طوفان. وكذلك الموت الذريع الكثير، يقال له: طوفان. مشتقّ من طاف يطوف وهو اسم موضوع لما أحاط بالأشياء. ثم قال تعالى ذكره: ﴿فأَنْجَيْناهُ وأَصْحَابَ ٱلسَّفِينَةِ﴾ أي: أنجينا نوحاً ومن معه في السفينة من ولده وأزواجهم. ﴿وَجَعَلْنَاهَآ آيَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ أي: وجعلنا السفينة عبرة وعظة للعالمين وحجة عليهم. قال قتادة: أبقاها الله آية للناس على الجودي. وقيل: المعنى: وجعلنا عقوبتنا آية. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ﴾. قال الكسائي: "وإبراهيم" عطف على الهاء في "أنجيناه" وهي: نوح. أي: أنجينا نوحاً وإبراهيم. وقيل: المعنى: وأرسلنا إبراهيم. وقيل: المعنى: واذكر إبراهيم. ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱتَّقُوهُ﴾ أي: اتقوا سخطه بأداء فرائضه واجتناب معاصيه. ﴿ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ أي: هذا الفعل خير لكم من غيره ﴿إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ما هو خير لكم مما هو شر لكم. * * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْثَاناً﴾ أي: أصناماً. ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً﴾ أي: تقولون كذباً. وقال ابن عباس: معناه: تصنعون كذباً. وعن ابن عباس: تخلقون: تنحتون، أي: تصورون إفكاً. وقاله الحسن. فالمعنى أن الذين تعبدون من دون الله أصنام وأنتم تصنعونها. * * * ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لاَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً﴾ يعني الأصنام التي عبدوها من دون الله لا تقدر لهم على نفع فترزقهم. ﴿فَٱبْتَغُواْ عِندَ ٱللَّهِ ٱلرِّزْقَ﴾ أي: التمسوا من عند الله الرزق لا من عند الأوثان. ﴿وَٱعْبُدُوهُ﴾ أي: ذلوا له. ﴿وَٱشْكُرُواْ لَهُ﴾ على رزقه إياكم. ﴿إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أي: تردون من بعد مماتكم فيجازيكم على أعمالكم ويسألكم على شكر نعمه عندكم. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِن تُكَذِّبُواْ فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِّن قَبْلِكُمْ﴾ أي: إن تكذبوا أيها الناس محمّداً فيما دعاكم إليه، فقد كذب جماعات من قبلكم رسلها فيما أتتهم به من الحق، فحلّ بهم سخط الله، فكذلك سبيلكم سبيل الأُمم فيما هو نازل بكم، إذا كذبتم رسولكم. ﴿وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ﴾ أي: ما على محمد إلاّ أن يبلغكم من الله رسالته الظاهرة لمن سمعها. * * * ثم قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ كَيْفَ يُبْدِئُ ٱللَّهُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ أي: ألم يرَ هؤلاء المنكرون للبعث كيف يُبدئ الله خلق الإنسان من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة، ثم ينقله حالاً بعد حال حتى أن يصير رجلاً كاملاً. فمن قدر على هذا فهو قادر على إعادة المخلوق بعد موته، وذلك عليه هيّن لأن الإعادة عندكم أسهل من الابتداء، إذ الابتداء كان على غير مثال والإعادة هي على مثال متقدم، فذلك أسهل وأيسر فيما يعقلون. وقيل: معناه: كيف يُبدئ الله الثمار وأنواع النبات فتفنى بأكلها ورعيها وشدّة الحرّ عليها، ثم يعيدها ثانية أبداً أبداً، وكيف يُبدئ الله خلق الإنسان فيهلك، ثم يحدث منه ولداً، ثم يحدث للولد ولداً، وكذلك سائر الحيوان يبدئ الله خلق الوالد ثم يعيد منه خلق الولد، ويهلك الوالد، وهكذا أبداً.. فاحتجّ الله عليهم بذلك لأنه أمر لا ينكرونه، يقرون به فمن قدر على ما تقرون قادر على إعادته بعد موته، وذلك أهون عليه فيما تعقلون، وكل عليه هيّن. ومعنى ﴿يَرَوْاْ﴾: يعلموا.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.