الباحث القرآني

قوله تعالى ذكره: ﴿قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَٱنظُرُواْ﴾ إلى قوله ﴿مِنْ أَحَدٍ مِّنَ ٱلْعَالَمِينَ﴾. أي: قل يا محمد للمنكرين للبعث: سيروا في الأرض فاستدلّوا بأنواع صنع الله، وانظروا إلى آثار كان قبلكم. وإلى ما صاروا إليه من الموت والفناء، فتعلموا أن الله بدأ الخلق في الأرض وأفناهم، ثم أحدثكم بعدهم. فكذلك سيفنيكم بالموت ثم يحييكم في الآخرة كلكم. فكما خلقكم في الدنيا بعد أن لم تكونوا كذلك فيها وخلق من كان قبلكم بعد أن لم يكونوا فيها كذلك يحييكم بعد موتكم، فاعلموا أن الله على كل شيء قدير. وانظروا كيف بدأ الله الخلق للأشياء وأحدثها، فكما أنشأها وابتدأها، كذلك يقدر على إعادتها بعد إفنائها. وليس يتعذّر الإعادة على من ابتدأ الشيء. * * * وقوله: ﴿ثُمَّ ٱللَّهُ يُنشِىءُ [ٱلنَّشْأَةَ] ٱلآخِرَةَ﴾. يعني البعث بعد الموت. ومن مده جعله اسماً في موضع المصدر كما قالوا: (عطاء) في موضع: (إعطاء). ولم يمد جعله مصدراً جرى على غير المصدر لأنه لو جرى على المصدر لقال ينشئ الإنشاء الآخر. ولكنه على تقدير: ثم الله ينشئ الخلق بعد موتهم فينشؤون النشأة الآخرة. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: إن الله على إنشاء جميع خلقه بعد فنائه كهيئته قبل ذلك قادر، لا يعجزه شيء أراده. وقدير أبلغ من قادر. * * * ثم قال تعالى: ﴿يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَرْحَمُ مَن يَشَآءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾ أي: يعذّب من يشاء ممن سبق له الشقاء، ويرحم من يشاء ممن سبق له السعادة، وإليه تردون. وقيل: يعذب من يشاء ممن يستحق العذاب، ويرحم من يشاء ممن يستحق الرحمة. ثم قال: ﴿وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ﴾ أي: وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا أهل السماء بمعجزين في السماء، أي: ليس يفوت الله أحد. وقيل: المعنى: وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء لو كنتم فيها. وقال المبرد: التقدير: ولا من في السماء، على أن تكون (من) نكرة، وفي السماء من نعتها، ثم أقام النعت مقام المنعوت. وقد ردّ عليه هذا القول علي بن سليمان، وقال: لا يجوز، لأن (من) إذا كانت نكرة فلا بد من صفتها، فصفتها كالصلة، ولا يجوز حذف الموصول وترك الصلة. والمعنى عنده: أن الناس خوطبوا بما يعقلون - ومن في السماء الوصول إليه أبعد - وأما المعنى: وما أنتم بمعجزين في الأرض، ولو كنتم في السماء ما أعجزتم، ومثله: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨]. فالمعنى: لا تعجزونا هرباً ولو كنتم في السماء. قال ابن زيد: معناه: لا يعجزه - تعالى ذكره - أهل الأرض في الأرض ولا أهل السماء في السماء إن عصوه. فالتقدير على هذا: وما أنتم بمعجزين الله في الأرض ولا من في السماء بمعجزي الله. على حرف (من) مرة واحدة، كما قال: ﴿وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤] أي: إلاّ من له مقام. وقيل: المعنى: وما أنتم معجزين من في الأرض من الملائكة ولا من في السماء منهم، على إضمار (من) في الموضعين، وهو بعيد. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ﴾ أي: ليس يمنعكم من عذاب الله ولي ولا نصير ينصركم إن أراد بكم سوءاً. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَلِقَآئِهِ أُوْلَـٰئِكَ يَئِسُواْ مِن رَّحْمَتِي﴾ أي: كفروا بالقرآن وبالبعث: ﴿أُوْلَـٰئِكَ يَئِسُواْ مِن رَّحْمَتِي﴾ أي: في الآخرة لمّا عاينوا ما أعد لهم من العذاب. ﴿وَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: مؤلم موجع. قال قتادة: إن الله جلّ ذكره ذمّ قوماً هانوا عليه فقال: ﴿أُوْلَـٰئِكَ يَئِسُواْ مِن رَّحْمَتِي﴾، وقال: ﴿إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧]. فينبغي للمؤمن ألاّ ييأس من رحمة الله، وأن لا يأمن عذابه وعقابه. وصفة المؤمن أن يكون راجياً خائفاً. ثم قال: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ﴾ يعني: قوم إبراهيم. وهذا جواب لقوله عن إبراهيم: إنه قال لقومه اعبدوا الله واتقوه. وجميع ما جرى بين ذلك إنما أتى به تسلية للنبي ﷺ وعظة لقريش، وتذكيراً لهم وتوبيخاً. ﴿إِلاَّ أَن قَالُواْ ٱقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ﴾. أي: قال بعضهم لبعض اقتلوه أو حرّقوه بالنار ففعلوا، فأنجاه الله منها ولم يسلط [عليه]، بل جعلها برداً وسلاماً. قال كعب: ما أحرقت منه إلاّ وثاقه. ﴿إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أي: إن في إنجاء الله إبراهيم من النار وتصييرها عليه برداً وسلاماً، لدلالة وحجة لقوم يصدقون بما آتاهم من عند الله. * * * ثم قال: ﴿وَقَالَ إِنَّمَا ٱتَّخَذْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ أَوْثَاناً﴾ أي: قال لهم إبراهيم: اعبدوا الله واتّقوه، وقال لهم: إنما اتخذتم من دون الله آلهة هي أوثاناً للمودة بينكم، أي: فعلتم ذلك للمودة. وهذا على قراءة من نصب. و (ما) مع (إن) حرف واحد. والمعنى: إنما اتخذتموها مودة بينكم، أي: تتحابون على عبادتها وتتواصلون عليها. فأما من رفع المودة فإنه جعلها خبر إن، وما بمعنى الذي. أو على إضمار مبتدأ، أي: هو مودة أو تلك مودة. أي: إلفتكم وجماعتكم مودة بينكم. وإن شئت جعلت (مودة) مبتدأ، وفي الحياة الدنيا الخبر. ومن أضاف المودة إلى بين أخرجها عن أن تكون ظرفاً، ولا يجوز أن تكون ظرفاً وهو مضاف. * * * ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾ أي: يكون أمركم بعد هذه المودة في الدنيا على عبادة الأوثان إلى أن يتبرأ بعضكم من بعض، ويلعن بعضكم بعضاً. ﴿وَمَأْوَاكُمُ ٱلنَّارُ﴾ أي: مصير جميعكم إليها أيها العابدون الأوثان. ﴿وَمَا لَكُمْ مِّن نَّاصِرِينَ﴾ أي: ما لكم من نصير من الله فينقذكم من عذابه. "أوثاناً" وقف إن رفعت مودة على الابتداء، أو على إضمار مبتدأ. * * * ثم قال تعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّيۤ﴾ أي: صدقه لوط وقال إبراهيم: إني مهاجر إلى ربي، يعني إلى الشام. قل ابن عباس: هاجرا جميعاً إلى الشام. قال قتادة: كانا بكوثى قرية من سواد الكوفة فهاجرا إلى الشام. وقيل: الذي قال إني مهاجر إلى ربي هو لوط، لما انفرد بالإيمان بإبراهيم لم يقم بين أظهر الكافرين، فقال: إني مهاجر لقومي وبلدي، أخرج (من) بين أظهر الكفار إلى حيث يأمرني ربي. فهاجر من سواد الكوفة إلى الشام. * * * ثم قال: ﴿إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ أي: الذي لا يذل من نصره، الحكيم في تدبيره . * * * ثم قال: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ أي: وهب الله لإبراهيم ولده إسحاق وولد ولده يعقوب بن إسحاق ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلْكِتَابَ﴾ أي: والكتب فدلّ الواحد على الجمع. يعني الكتاب الذي أنزل على موسى وداود وعيسى ومحمد صلّى الله عليهم، كلهم من ذرية إبراهيم. ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي ٱلدُّنْيَا﴾ أي: أعطيناه ثواب بلائه فينا في الدنيا ﴿وَإِنَّهُ فِي ٱلآخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾ أي: في المجازاة لا ينقص من أجره شيء والأجر هنا الثناء الصالح والولد الصالح، قاله ابن عباس. قال عكرمة: أجره في الدنيا هو أن أهل كل ملة يتولاه وهو عند الله من الصالحين في الآخرة. وقال قتادة: أجره في الدنيا عافية وعمل صالح وثناء حسن، فلست تلقى أحداً من الملل إلاّ يرضى إبراهيم ويتولاه. وقيل: أجره في الدنيا أن الله لم يبعث نبياً بعد إبراهيم ﷺ إلاّ من ذريته، وليس من أهل دين إلاّ (وهم) يتحلون حب إبراهيم ﷺ ويدعون دينه، وذلك كله لا ينقصه من ثوابه في الآخرة، فلذلك قال: ﴿وَإِنَّهُ فِي ٱلآخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾ أي: إن له في الآخرة منازل الصالحين. ومثله قوله تعالى: ﴿إِنَّآ أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى ٱلدَّارِ * وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ ٱلْمُصْطَفَيْنَ ٱلأَخْيَارِ﴾ [ص: ٤٦-٤٧]. يعني في الآخرة لم ينقصهم ما تفضل به عليهم في الدنيا من أجرهم في الآخرة شيئاً. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلْفَاحِشَةَ﴾ أي: واذكر لوطاً إذ قال لقومه إنكم لتأتون الفاحشة، وهي إتيان الذكور. ﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ ٱلْعَالَمِينَ﴾ أي: لم يتقدمكم أحد إلى إتيان الذكور.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.