الباحث القرآني

جديد: تطبيق «تراث»
قوله تعالى ذكره: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ﴾ إلى قوله ﴿إِذاً لاَّرْتَابَ ٱلْمُبْطِلُونَ﴾. أي: يعلم حال ما تعبدون من دون الله أنه لا ينفعكم ولا يضركم، وأن مثله في قلة غنائه عنكم مثل بيت العنكبوت في قلة غنائه عنها. ﴿وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ﴾ أي: في انتقامه ممن كفر به. ﴿ٱلْحَكِيمُ﴾ في تدبيره. و "من" في قوله: "من شيء" للتبعيض، ولو كانت زائدة للتوكيد بعد النفي لانقلب المعنى. فما ليست نفياً، وهي بمعنى الذي. * * * ثم قال: ﴿وَتِلْكَ ٱلأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ﴾ أي: وتلك الأشباه والنظائر نضربها للناس، أي: نمثلها للناس ونحتج بها عليها. ﴿وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلاَّ ٱلْعَالِمُونَ﴾ أي: وما يعقل الصواب لما ضرب له من الأمثال إلاّ العالمون بالله وآياته. ثم قال تعالى: {خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَ&# ١٦٤٩;لأَرْضَ بِٱلْحَقِّ} أي: انفرد بخلق ذلك للحق. * * * ﴿إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: لعلامة وحجة على خلقه في توحيده وعبادته لمن آمن به. ثم قال تعالى: ﴿ٱتْلُ مَا أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِنَ ٱلْكِتَابِ﴾ أي: اقرأ يا محمد ما أنزل عليك من القرآن. ﴿وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ﴾ أي: أدّها بفروضها وفي وقتها. ﴿إِنَّ ٱلصَّلاَةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ﴾. قال ابن عباس: في الصلاة منتهى ومزدجر عن معاصي الله جلّ ذكره . وقال ابن مسعود: من لم تأمره صلاته بالمعروف وتنهه عن المنكر لم يزدد بها إلاّ بعداً من الله جلّ ذكره. وروى الحسن عن النبي ﷺ مثل قول ابن مسعود. وهو قول قتادة وغيره. وقيل: المعنى: إن الصلاة تنهى من كان فيها عن الفحشاء والمنكر فتحول بينه وبين ذلك لشغله بها. وروي عن ابن عمر أنه قال: الصلاة هنا: القرآن. قال: القرآن الذي يقرأ في المساجد ينهى عن الفحشاء والمنكر. والفحشاء الزنى، والمنكر المعاصي. * * * ثم قال: ﴿وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ﴾ قال ابن عباس في معناه: ولذكر الله أكبر إذا ذكرتموه عندما أمركم به، ونهى عنه أكبر من ذكركم إياه. وهو قول مجاهد وعكرمة وغيرهما. وروي ذلك عن أبي الدرداء. وقيل: المعنى: ولذكر الله إياكم أفضل من ذكركم إياه. وهو اختيار الطبري. وقيل: المعنى: ولذكركم الله أفضل من كل شيء. أي: ذكركم الله في الصلاة والدعاء وغير ذلك أفضل من الصلاة وسائر العبادات بلا ذكر. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "ليس يتحسَّرُ أهلُ الجنّة على شيءٍ إلاّ على ساعاتٍ مرّت بهم لم يذكُروا الله عز وجل فيها ". وقال ثابت البُناني: "بلغني أن أهل ذكر الله يجلسون إلى ذكر الله وإن عليهم من الآثام مثل الجبال، وإنهم ليقومون منها عطلاً ما عليهم منها شيء". وسئل سلمان عن أيّ الأعمال أفضل؟ فقال: أما تقرأ القرآن، ﴿وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ﴾ لا شيءَ أفضل من ذكرِ الله. وقالت أم الدرداء: إن صليت فهو من ذكر الله، وإن صمتَ فهو من ذكر الله، وكل خير فعلته فهو من ذكر الله، وكل شيء تجنبته لله فهو من ذكر الله، وأفضل من ذلك تسبيح الله جلّ وعزّ. وقال قتادة: ولذكر الله أكبر، لا شيء أكبر من ذكر الله. وقيل: المعنى: ولذكر الله العبد في الصلاة أفضل من الصلاة. قاله السدي. وقيل: المعنى: والصلاة التي أنت فيها، وذكرى الله فيها أكبر مما نهتك الصلاة عنه من الفحشاء والمنكر. وقيل: المعنى: ولذكر الله الفحشاء والمنكر كبير. ﴿وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ أي: ما تفعلون في صلاتكم من إقامة حدودها وغير ذلك من ترككم الفحشاء والمنكر. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تُجَادِلُوۤاْ أَهْلَ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ أي: لا تجادلوا أيها المؤمنون اليهود والنصارى إلاّ بالجميل من القول، وهو الدعاء إلى الله والتنبيه على حججه. ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ﴾ هذا بدل من "أهل"، ويجوز أن يكون استثناء. والمعنى: إلاّ الذين امتنعوا من إعطاء الجزية ونصبوا دونها الحرب فلكم قتالهم حتى يسلموا أو يعطوا الجزية. قاله مجاهد وغيره، وهو اختيار الطبري. وقال ابن جبير: هم أهل الحرب ومن لا عهد له، فلك أن تجادله بالسيف. وقيل المعنى: لا تجادلوا من كفر منهم بمحمد ﷺ فيما يخبرونكم به من نص كتابهم إلاّ بالقول الجميل، وأن تقولوا آمنا بما أنزل إلينا وأنزل إليكم، إلاّ الذين ظلموا منهم. يعني الذين لم يؤمنوا بمحمد ﷺ، وأقاموا على كفرهم. فالآية محكمة على هذا القول. روي هذا القول عن ابن زيد. وقال قتادة: هي منسوخة بالأمر بالقتال لأنها مكية. وقال أبو هريرة: كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال النبي ﷺ: "لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذّبوهم، وقولوا آمنّا بالَّذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا.." الآية. ومعنى: ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ أي: ظلموكم في منعهم الجزية ومحاربتكم. والكل ظالمون لأنفسهم بكفرهم من أدى الجزية ومن لم يؤد. ﴿وَإِلَـٰهُنَا وَإِلَـٰهُكُمْ وَاحِدٌ﴾ أي: معبودنا ومعبودكم واحد. ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ أي: خاضعون ومتذللون بالطاعة له. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ﴾ أي: وكما أنزلنا الكتاب على من قبلك يا محمد، كذلك أنزلنا إليك الكتاب. ﴿فَٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ يعني: من كان من بني إسرائيل قبل محمد ﷺ. ﴿وَمِنْ هَـٰؤُلاۤءِ مَن يُؤْمِنُ بِهِ﴾ يعني: الذين كانوا من أهل الكتاب على عهد النبي عليه السلام، منهم من لم يؤمن بما أنزل على محمد. ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَآ﴾ أي: بأدلتنا وحججنا، ﴿إِلاَّ ٱلْكَافِرونَ﴾ أي: إلاّ الذين جحدوا نعمتنا بعد معرفتهم بها. قال قتادة: إنما الجحود بعد المعرفة. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ﴾ أي: ما كنت يا محمد تقرأ قبل هذا الكتاب كتاباً آخر. ﴿وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ أي: تكتبه، بل كنت أمياً لا علم عندك من ذلك حتى أنزل الله عليك الكتاب وعلمك ما لم تكن تعلم، ولو كنت تقرأ قبل ذلك كتاباً وتخطّه بيمينك. ﴿إِذاً لاَّرْتَابَ ٱلْمُبْطِلُون﴾ أي: لشكّ فيك من أجل ذلك القائلون إنه سجع وإنه كهانة وأساطير الأولين، هذا معنى قول ابن عباس وقتادة وغيرهما. وقال مجاهد: كان أهل الكتاب يجدون في كتبهم أن النبي عليه السلام لا يخطّ بيمينه ولا يقرأ كتاباً، فنزلت هذه الآية. قال مجاهد: ﴿إِذاً لاَّرْتَابَ ٱلْمُبْطِلُون﴾ أي: إذاً لقالوا إنما هذا شيء تعلمه محمد ﷺ وكتبه، ويعني بالمبطلين: كفار قريش. فكأنّ كونه لا يقرأ ولا يكتب، ثم أتاهم بأخبار الأنبياء، والأمم دليل على نبوته وأن ذلك من عند الله جل ذكره.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.