الباحث القرآني

قوله ﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ﴾ الآية. من قرأ بالياء الذين هم الفاعلون و ﴿أَنَّمَا﴾ في موضع المفعولين وما مع نملي مصدر ويجوز أن تكون "ما" بمعنى الذي، والهاء محذوفة من ﴿نُمْلِي﴾، والمعنى: ولا يحسبن يا محمد الكافرون الإملاء خيراً لهم، فلما دخلت إن قامت مقام المفعولين فارتفع خير على خبر أن. ومن قرأ بالتاء، فقد زعم أبو حاتم أنه لحن، وتابعه على ذلك غيره "لأن الذين كفروا" يكونون في موضع نصب، والمخاطب هو الفاعل وهو محمد ﷺ فلا معنى لفتح "أن" على هذا. وقال الزجاج: "إن" بدل من ﴿ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ وهي تسد مسد المفعولين كأنه قال: ولا تحسبن يا محمد أن إملاءنا للذين كفروا [خير لهم. والكسائي الفراء يقدران الكلام على حد كأنه: ولا تحسبن الذين كفروا] لا تحسبن أن ما نملي لهم، وحذف المفعول الثاني من هذه الأفعال لا يجوز عند أحد فهو غلط منهما. وقد قرأ يحيى بن وئاب بكسر إن والياء كأنه ليبطل عمل حسب مع أن كما أبطلها مع اللام وهو قبيح. وتأويل قول النحاس فيها يدل على أن يحيى قرأه بالتاء وكسر إن وذلك قبيح أيضاً أبعد مما قبله. قال أبو حاتم: سمعت الأخفش يذكر كسر "إن" يحتج به لأهل القدر لأنه كان منهم، ويجعلهم على التقديم والتأخير، كأنه قال: ولا تحسبن الذين [كفروا] أنما نملي لهم ليزدادوا إثماً، إنما نملي خيراً لأنفسهم. قال: ورأيت في مصحف في المسجد الجامع قد زادوا فيه حرفاً فصار: إن ما نملي لهم ليزدادوا إيماناً، فنظر إليه يعقوب القارئ فتبين اللحن، فحكه. ومعنى: نملي لهم نؤخر لهم في الأجل. قال ابن مسعود رضي الله عنه: الموت خير للكافر، ثم تلا ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوۤاْ إِثْمَاً﴾، وقال الموت خير للمؤمن ثم تلا: ﴿وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ لِّلأَبْرَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٨]. وقيل: إن الآية مخصوصة أريد بها قوم بأعيانهم علم الله تعالى منهم أنهم لا يسلمون أبداً، وليست في كل كافر إذ قد يكون الإملاء له مما يدخله في الإيمان، فيكون أحسن له وهو الصحيح في المعاني.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.