الباحث القرآني

قوله: ﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ الآية. من قرأ بالياء فالذين فاعلون، والمفعول الأول محذوف دل عليه يبخلون و "خبراً" مفعول ثان، والتقدير ولا يحسبن الباخلون [البخل] هو خير لهم، وهو فاصلة عند البصريين، وعماد عند الكوفيين، ودل يبخلون على البخل، لأنه منه أخذ. ومن قرأ بالتاء ففي الكلام حذف مضاف دل عليه ما يتصل بالمضاف إليه، تقديره ولا تحسبن يا محمد بخل الذين يبخلون خيراً لهم، فخيراً مفعول ثان، وبخل مفعول أول، ومعنى الآية: ولا يحسبن الباخلون ولا ينفقون في سبيل الله: البخل خيراً لهم بل هو شر لهم في الآخرة. [ومن قرأ بالتاء فهو خطاب للنبي ﷺ والمعنى: ولا تحسبن يا محمد بخل الباخلين عن الإنفاق في سبيل الله خيراً لهم بل هو شر لهم في الآخرة]. وقيل: عنى بذلك الزكاة وهو إخبار عمن لم يؤد الزكاة. وقيل: إخبار عن اليهود الذين بخلوا أن يبينوا للناس ما نزل عليهم من التوراة من أمر النبي ﷺ قاله ابن عباس ومجاهد رضي الله عنهما. ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ﴾ أي: سيجعل ما بخل به المانعون الزكاة طوقاً من نار في أعناقهم يوم القيامة أي: كهيأة الطير، قال رسول الله ﷺ: "ما من ذي رحم يأتي [ذا] رحمه فيسأله من فضل ما أعطاه الله إياه، فيبخل عليه إلا أُخرج [له] يوم القيامة شجاع من النار يتلبط حتى يطوقه" وقرأ ﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ الآية. وقال ابن مسعود رضي الله عنه: قال رسول الله ﷺ: "ما من أحد لا يؤدي زكاة ماله إلا مُثّل له شجاع أقرع يطوقه" ثم قرأ ﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ الآية. قال الشعبي: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ﴾ قال: شجاع يلتوي على عنقه. وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: من أتاه الله مالاً فلم يؤد زكاته مُثِّل له ماله يوم القيامة شجاعاً أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة يأخذ بلهزمتيه - يعني شدقيه - يقول له: أنا مالك، أنا كنزك، ثم تلا هذه الآية ﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ وقيل: يجعل الذي بخلوا به طوقاً من نار في أعناقهم. وقال أبو وائل: هو الرجل يرزقه الله مالاً فيمنع منه قرابته الحق الذي جعل الله لهم في ماله، فيُجعل حية يطوقها، فيقول: ما لي ولك؟ فيقول: أنا مالك. وقال مجاهد: ﴿سَيُطَوَّقُونَ﴾ سيكلفون أن يأتوا يوم القيامة بمثل الذي بخلوا به. وقيل: المعنى سيطوقون جزاء ما بخلوا به وعقاب ما بخلوا به. والتطوق: إلزام الله تعالى لهم ذلك، ومنعهم من التخلص منه. وقيل: المعنى سيكلفون يوم القيامة إحضار الأموال التي بخلوا بها، وهم لذلك غير مستطيعين، قاله ابن مجاهد وغيره. وقيل: المعنى: سيطوق اليهود ثم الذين بخلوا [به]، هو صفة محمد ﷺ، والنبوة فيه كتموا ذلك، وهو عندهم في كتابهم. قوله ﴿وَللَّهِ مِيرَاثُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ أعلم الله الخلق في هذه الآية أنهم سيفنون كلهم، فصار ما بقي بعدهم بمنزلة الميراث الذي يبقى بعد الميت فسماه ميراثاً على ذلك، وإلا فكل شيء له، أولاً وآخراً، ولكن سماه هنا ميراثاً إعلاماً منه أنهم سيفنون، وأن الأمور كلها ترجع إليه، والعرب تسمي كل ما بقي في يد الإنسان، فصار إلى غيره بعد موته: ميراثاً، فخوطبوا على ما يعقلون ولذلك قال (وهو خير الوارثين).
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.