الباحث القرآني

جديد: تطبيق «تراث»
قوله تعالى ذكره: ﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ءَايَاتُنَا وَلَّىٰ مُسْتَكْبِراً﴾ إلى قوله: ﴿إِلَيَّ ٱلْمَصِيرُ﴾. أي: وإذا يتلى على الذي يشتري لهو الحديث القرآن أدبر يستكبر عن سماع الحق، ﴿كَأَنَّ فِيۤ أُذُنَيْهِ وَقْراً﴾ أي صمماً وثقلاً فهو لا يستطيع أن يسمع ما يتلى عليه. ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ أي: مؤلم، يعني في يوم القيامة، وذلك عذاب النار. * * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ ٱلنَّعِيمِ﴾. أي: إن الذين صَدَّقُوا محمداً وما جاء به وعملوا الأعمال الصالحة، لهم بساتين النعيم ماكثين فيها إلى غير نهاية. ﴿وَعْدَ ٱللَّهِ حَقّاً﴾ أي: وعدهم الله ذلك [وعداً] حقاً لا خلف فيه. ﴿وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ﴾ أي: الصنيع الشديد في انتقامه من أهل الشرك. ﴿ٱلْحَكِيمُ﴾ في تدبيره لخلقه. ولا يحسن الوقف على: "خالدين فيها" عند سيبويه، لأن الجملة عاملة في: "وَعْدَ الله" إذ هو عنده مصدر مؤكد. وأجازه أبو حاتم لأنه يضمر فعلاً ينصب به "وعداً الله"، وتقديره: وعدهم الله بذلك وعداً حقاً. ثم قال تعالى ذكره: ﴿خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾. قال ابن عباس: عمدها قاف، وهو الجبل المحيط بالدنيا، وهو من زبرجدة خضراء. من زبرجد الجنة، وخضرة السماء منه، وخضرة البحار من السماء، والسماء مقبة على الجبل الذي اسمه قاف، ولكنكم لا ترونه. وروي عنه أنه قال: لعلها بعمد لا ترونها. وقاله عكرمة. فيكون ترونها على هذا القول في موضع خفض نعتاً للعمد، والتاء متعلقة بخلق. وقال الحسن: لا عمد لها البتة. فيكون "ترونها" على هذا القول في موضع نصب على الحال من السماوات، والباء متعلقة بِتَرَوْنها. ويجوز أن يكون "ترونها" مستأنفاً، أي أنتم ترونها فتقف على: "بغير عمد" ولا تقف على القولين الأولين إلا على: "ترونها"، فإذا كان الضمير في ترونها للعمد، فترونها نعت للعمد، وليس ثم عمد، والمعنى فلا عمد مرئية البتة ويحتمل على هذا الوجه، فلا عمد مرئية لكم، أي ثم عمد ولكن لا ترونها. [فإذا جعلت الضمير في ترونها يعود على السماوات، كان ترونها] حالاً من السماوات. والمعنى ترون السماوات بغير عمد تمسكها، فلا عمد ثم البتة، كالتأويل الأول. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَلْقَىٰ فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ﴾ أي: أن تحرك بكم يميناً وشمالاً، أي: حمل على ظهر الأرض جبالاً ثوابت لئلا تميد بكم. قال قتادة: لولا ذلك ما أقرت عليها خلقاً. ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ﴾ أي فرق في الأرض من كل أنواع الدواب، ثم قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً﴾ أي مطراً. ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا﴾ أي في الأرض بذلك الماء. ﴿مِن كُلِّ زَوْجٍ﴾ أي: نوع من النبات. ﴿كَرِيمٍ﴾ قال قتادة: حسن. وقال ابن عباس: من كل لون حسن. وتأوله الشعبي على الناس لأنهم مخلوقون من الأرض، فمن كان منهم إلى الجنة فهو الكريم، ومن يصير إلى النار فهو اللئيم. وتأوله غيره في النطفة لأنها مخلوقة من تراب في الأصل. ثم قال تعالى ذكره: ﴿هَـٰذَا خَلْقُ ٱللَّهِ﴾ أي: هذا الذي تقدم ذكره خلق الله الذي لا تصلح العبادة والألوهية إلاّ له، فأروني أيها المشركون أي شيء خلق الذين عبدتم من دونه. * * * ثم قال تعالى: ﴿بَلِ ٱلظَّالِمُونَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ أي: هؤلاء المشركون في عبادتهم الأصنام في جور عن الحق وذهاب عن الاستقامة ظاهر لمن تأمله. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ ٱلْحِكْمَةَ أَنِ ٱشْكُرْ للَّهِ﴾. قال مجاهد: كان لقمان رجلاً صالحاً ولم يكن نبياً. وروي عنه أنه كان لقمان الحكيم عبداً حبشياً غليظ الشفتين مصفح القدمين قاضياً على بني إسرائيل. وقال سعيد بن المسيب: كان لقمان أسوداً من سودان مصر. وقال ابن عباس: كان عبداً حبشياً. وروي أنه كان في وقت داود. وعن عكرمة أنه قال: كان نبياً. قال مجاهد: الحكمة التي أوتي لقمان: الفقه والعقل، والإصابة في القول في غير نبوة. وقال قتادة: الحكمة التي أوتي: الفقه في الإسلام. قال قتادة: لم يكن نبياً ولم يوح إليه. وعن مجاهد: أن الحكمة التي أوتي: القرآن. وروى ابن وهب عن مالك أنه قال: قال لقمان لابنه: إن الناس قد تطاول عليهم ما يوعدون، وهم إلى الآخرة سراعاً يذهبون، وإنك قد استدبرت الدنيا منذ كنت، واستقبلت الآخرة، وإن داراً تصير إليها أقرب إليك من دار تخرج عنها، يا بني ليس غنى كصحة ولا نعيم كطيب نفس. وروى أشهب عن مالك: أن لقمان كان يقول لابنه: اتق الله جهد نفسك. قال: وكان يقول له: يا بني لا تجالس الفجار ولا تماشهم، (اتق لا ينزل) عليهم عذاب من السماء فيصيبك معهم، يا بني جالس العلماء وماشهم عسى أن تنزل عليهم رحمة فتصيبك معهم. وروي عنه: أنه كان عبداً حبشياً نجاراً. وقيل: كان خياطاً. وقيل: كان راعياً، فقال له مولاه: اذبح لنا هذه الشاة فذبحها، فقال له: أخرج أطيب مضغتين فيها، فأخرج اللسان والقلب، ثم مكث ما شاء الله، ثم قال له: اذبح لنا هذه الشاة فذبحها، فقال له: أخرج أخبث مضغتين فيها فأخرج اللسان والقلب، فقال له مولاه في ذلك منكراً عليه وممتحناً له: [أمرتك أن تخرج أطيب مضغتين فأخرجتهما وأمرتك أن تخرج أخبث مضغتين فيها فأخرجتهما]، فقال لقمان : ليس شيء أطيب منهما إذا طابا، ولا أخبث منهما إذا خبثا. وروي أنه أتاه رجل وهو في مجلس أناس يحدثهم فقال: ألست الذي كنت ترعى معي الغنم في موضع كذا؟ قال: نعم. [قال]: فما بلغ بك ما أرى؟ قال: صدق الحديث، والصمت عما لا يعنيني. قال وهب بن منبه: قرأت من حكمته أرجح من عشرة آلاف باب. * * * وقوله: ﴿أَنِ ٱشْكُرْ للَّهِ﴾ أن بمعنى أي: لا موضع لها. وأجاز سيبويه أن تكون في موضع نصب على معنى بأن أشكر، كما تقول كتبت إليه أن قم، أي: بأن قم. والمعنى: أن أحمد الله على ما آتاك من الحكمة، فقوله: "أَنْ أشْكُرْ" بيان عن الحكمة، لأن من الحكمة التي أوتيها شكر الله على ما آتاه. * * * ثم قال: ﴿وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ أي: من شكر نعم الله عليه فإنما يشكر لنفسه لأنه يتزيد لنفسه من النعم بالشكر، ويؤدي ما على نفسه من الشكر، ويكتب له الأجر والذخر، بالشكر فلنفسه يعمل وإياها ينفع. * * * ثم قال: ﴿وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ﴾ أي: ومن كفر نعمة الله فلنفسه أساء، إذ الله تعالى معاقبه على ذلك، وهو غني عن شكره، ولا يزيده شكر العبد في سلطانه ولا ينقص تركه منه. ﴿حَمِيدٌ﴾ أي: محمود على كل حال. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يٰبُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِٱللَّهِ﴾ أي: واذكر يا محمد إذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك، أي: لا تعبد معه غيره. ﴿إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ أي: لخطأ كبير. وروي أن اسم ابنه ثاران. * * * ثم قال: ﴿وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾ أي: ببرهما. ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَىٰ وَهْنٍ﴾ أي: ضعفاً على ضعف وشدة على شدة، ومنه: "وَهَنَ العَظْمُ مِنِّي". قال ابن عباس: شدة بعد شدة وخلقاً بعد خلق. وقال الضحاك: ضعفاً على ضعف. وقال قتادة: جهداً على جهد. فهذا كله يعني به الحمل، يعني: ضعف الحمل، وضعف الطلق، وضعف النفاس. وعن ابن عباس أنه قال: مشقة وهن الولد على وهن الوالدة وضعفها. والوهن في اللغة الضعف: يقال: وَهَنَ يَهِنُ وَوَهُنَ يُوْهَنُ، وَوَهِنَ يَهِنُ مثل وَرِمَ يَرِمُ. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ أي: وفطامه من الرضاع في انقضاء عامين مثل وسئل القرية. ﴿أَنِ ٱشْكُرْ لِي﴾ أن بمعنى أي: أو في موضع نصب على ما تقدم. وكونها بمعنى (أي) أحسن. والمعنى: وعهدنا إليه أن أشكر نعمتي عليك، وأشكر لوالديك تربيتهما لك، ومحنتهما فيك. ﴿إِلَيَّ ٱلْمَصِيرُ﴾ أي: مصيرك فسائلك عن شكرك لي ولهما وعن غير ذلك. وروي أن هذه الآية نزلت في شأن سعد بن أبي وقاص وأمه، وذلك أن أمه حلفت أن لا تأكل ولا تشرب حتى يتحول عن دينه، فأبى عليها، فلم تزل كذلك حتى غشي عليها فلما أفاقت دعت عليه، فنزلت الآية.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.