الباحث القرآني

قوله تعالى ذكره: ﴿وَرَدَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿أَجْراً عَظِيماً﴾. أي: ورد الله الأحزاب بغيظهم أي بِكَرْبِهِم وعمهم لفوتهم ما أملوا من الظفر لم ينالوا من المسلمين مالاً ولا غيره. ﴿وَكَفَى ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلْقِتَالَ﴾ بالريح والجنود التي أنزل الله من الملائكة. روى عبد الرحمن بن أبي سعدي الخدري عن أبيه أنه قال: حُبِسْنَا يَوْمَ الخَنْدَقِ عَنِ الصَّلاةِ فَلَمْ نُصَلِّ الظُّهْرَ وَلاَ العَصْرَ وَلاَ المَغْرِبَ وَلاَ العِشَاءَ حَتَّى كَانَ بَعْدَ العِشَاءِ بِهَويٍّ فَكَفَيْنَا فَأنْزَلَ اللهُ تَعالى: ﴿وَكَفَى ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلْقِتَالَ﴾ الآية "فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِلالاً فَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَصلَّى الظُّهْرَ فَأَحْسَنَ صَلاتَهَا كَمَا كَانَ يُصَلِّيهَا فِي وَقْتِهَا، ثُمَّ صَلَّى العَصْرَ كَذَلِكَ، ثُمَّ صَلَّى المَغْرِبَ كَذَلِكَ، ثُمَّ صَلَّى العِشَاءَ كَذَلِكَ، لِكُلِّ صَلاَةٍ إِقَامَةٌ وقوله: ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً﴾ أي: قوياً في أمره عزيزاً في نقمته. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَنزَلَ ٱلَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ﴾ يعني بني النضير وبني قريظة عاونوا المشركين على النبي وأصحابه، فأنزلهم الله من حصونهم ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ﴾ يعني المُقَاتِلَةَ. ﴿وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً﴾ يعني النساء والصبيان كما حكم فيهم سعد، لأنهم حكموه في أنفسهم لحلف كان بينهم وبين قوم سعد فطمعوا أن يميل معهم، فلم تأخذه في الله لومة لائم، وحكم بقتل مقاتلهم وسبي ذراريهم، وقد مضى ذكر ذلك. وأصل الصَّيْصَّةِ ما تمتنع به، فلذلك قيل للحصن صيصية لأنه يمتنع به، ولذلك يقال لقرون البقر صياصي لأنها يمتنع بها. وذكر قتادة وغيره: "أن النبي ﷺ بعد ذهاب الأحزاب عنه دخل بيت زينت بنت جحش يغسل رأسه، فبينما هو يغسله إذ أتاه جبريل ﷺ، فقال: عفا الله عنك، ما وضعت الملائكة سلاحها منذ أربعين ليلة، فانهض إلى بني قريظة فإني قد قطعت أوتادهم وفتحت أبوابهم وتركتهم في زلزال وبَلْبَالِ فاسْتَلأَمَ ﷺ، ثم سلك شق بني غنم، فاتَّبَعَهُ الناس، فأتاهم رسول الله فحاصرهم، وناداهم يا إخوة القرود، فقالوا: يا أبا القاسم ما كنت فاحشاً، فنزلوا على حكم سعد فحكم بقتل مقاتلهم - وكانوا ست مائة -، وسبي ذراريهم، وقسم عقارهم بين المهاجرين دون الأنصار، فقال قومه: أَأَثَرْتَ المهاجرين بالعقار علينا، قال: فإنكم كنتم ذوي عقار وأن المهاجرين لا عقار لهم". * * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ أي: ملككم ذلك بعد مهلكهم. * * * ثم قال: ﴿وَأَرْضاً لَّمْ تَطَئُوهَا﴾. قال الحسن: هي أرض فارس والروم ونحوهما من البلاد. وقال قتادة: هي مكة. وقال يزيد بن رومان: هي خيبر. وكذلك قال ابن زيد. * * * ثم قال: ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً﴾ أي: لا يتعذر عليه ما أراد. * * * ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا﴾ الآية أي: إن كنتن تَخْتَرنَ الحياة الدنيا على الآخرة. ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ﴾ بما أوجب الله على الرجال لنسائهم من المتعة عند مفارقتهن بالطلاق. * * * ومعنى ﴿وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً﴾: أطلقكن طلاقاً جميلاً، أي: على ما أذن الله به وأدب به عباده، وهو قوله ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]. * * * ثم قال: ﴿وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ رضى الله ورسوله، ﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْراً عَظِيماً﴾ أي: للعاملات منكن بأمر الله ورسوله أجراً عظيماً. روي أن هذه الآية نزلت من أجل عائشة سألت رسول الله شيئاً من عرض الدنيا، واعتزل رسول الله لذلك نساءه شهراً، ثم أمره الله أن يخيرهن بين الصبر والرضى بما قسم لهن والعمل بطاعة الله، وبين أن يمتعهن ويفارقهن. وروي أن النبي ﷺ "لم يخرج لصلوات فقالوا: ما شأنه؟ فقال عمر: إن شئتم لأَْعْلَمَنَّ لكم ما شأنه، فأتى النَّبِيَّ فجعل يتكلم ويرفع صوته، حتى أذن له، قال: فجعلت أقول في نفسي: أيَّ شيء أكلم به رسول الله لعله يَنْبَسِطُ؟ قال: فقلت يا رسول الله لو رَأَيْتَ فُلانَةَ وسألتني النفقة فصككتها صكة، فقال: ذَلِكَ حَبَسَنِي عَنكُمْ، فأتى عمر حفصة فقال لها: لا تسألي رسول الله ﷺ شيئاً، ما كانت لك من حاجة فإليّ، ثمَّ تتبع نساء النبي فجعل يكلمهن، فقال لعائشة: أَيَغُرُّكِ أنك امرأة حسناء وأن زوجك يحبك، لتنتهين أو لينزلن الله فيكن القرآن، فقالت له أم سلمة: يا ابن الخطاب أو ما بقي لك إلا أن تدخل بين رسول الله ﷺ وبين نسائه، من يسأل المرأة إلا زوجها، ونزل القرآن: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ﴾ إلى قوله ﴿أَجْراً عَظِيماً﴾، فبدأ بعائشة وخيرها، وقرأ عليها القرآن، فقالت: هل بدَأْتَ بأحد من نسائك قبلي؟ قال: لا، قالت: فإني أختار الله ورسوله والدار الآخرة، ولا تخبرهن بذلك، ثم تتبعهن فجعل يخبرهن ويقرأ عليهن القرآن ويخبرهن بما صنعته عائشة فتتابعن على ذلك". قال قتادة والحسن: خيَّرهن بين الدنيا والآخرة والجنة والنار في شيء كُنَّ أَرَدْنَهُ من الدنيا. وقال عكرمة: في غَيْرَةٍ كانت غارتها عائشة، وكان تحته يومئذ تسع نسوة، خمس من قريش: عائشة، وحفصة، وأم حبيبة ابنة أبي سفيان، وسودة بنت زمعة، وأم سلمة بنت أبي أمية، وكانت تحته صفية بن حيي الخيبرية، وميمونة بنت الحارث الهلالية، وزينب بنت جحش الأسدية، وجويرية بنت الحارث من بني المُصْطَلِق، فبدأ بعائشة فاختارت الله ورسوله، فرُئِيَ الفرح في وجه رسول الله ﷺ فتتابعن كلهن على ذلك. قال الحسن وقتادة: فلما اخترن الله ورسوله شكرهن الله على ذلك فقال: "لاَ يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ" الآية، فقصره الله عليهن. وقال ابن زيد: كان سبب ذلك الغيرة. وقد روي في ذلك أخبار كثيرة يختلف لفظها والمعنى يرجع إلى ما ذكرنا في جميعها. قال ابن شهاب: امرأة واحدة اختارت نفسها فذهبت وكانت بدوية. قال ربيعة: فكانت البتة. قيل كان اسمها عمرة بنت يزيد الكلابية، اختارت الفراق وذهبت، فابتلاها الله تعالى بالجنون. ويقال: إن أباها تركها ترعى غنماً له فصارت إحداهن، فلم يعلم ما كان من أمرها وخبرها إلى اليوم. ويقال: إنها كِنْدِية، ويقال: إنها لم تختر، وإنما استعاذت من رسول الله ﷺ فردَّها، وقال: "لَقَدْ اسْتَعَذْتِ بِمُعَاذٍ". ويقال إنه دعاها، فقالت: إنا قوم نُؤتى ولا نأتي. وإذا خيّر الرجل امرأته فاختارت نفسها فهي البتة، وإن اختارت واحدة أو اثنتين أو لم تختر شيئاً، أو قالت: اخترت زوجي، فلا شيء في ذلك كله بالمدخول بها، وهي زوجة على حالها. قال ابن عبد الحكم: معنى خيّرهن: قرأ عليهن الآية. ولا يجوز أن يخيّرهن بلفظ التخيير لأن التخيير إذا قُبِلَ ثلاثاً، والله أمره أن يطلق النساء لعدتهن، وقد قال: سَرَاحاً جَمِيلاً، والثلاث ليس مما يَجْمُلُ مِنه، فالسراح الجميل هو واحدة لا الثلاث التي يوجبهن قبول التخيير.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.