الباحث القرآني

قوله تعالى ذكره: ﴿يٰنِسَآءَ ٱلنَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيـراً﴾. قال الطبري: الفاحشة هنا الزنا. ﴿يُضَاعَفْ لَهَا ٱلْعَذَابُ﴾ أي: على فعلها، وذلك في الآخرة. ﴿ضِعْفَيْنِ﴾ أي: على عذاب أزواج غير النبي عليه السلام إذا أتين بفاحشة. وقيل: إذا أتت الفاحشة المبينة فهي عصيان الزوج ومخالفته، وكذلك معناها في هذه الآية لا الزنى. فإذا أتت الفاحشة بالألف واللام فهي الزنى واللواط. وإذا أتت نكرة غير منعوتة ببينة فهي تصلح للزنا وغيره من الذنوب. قال قتادة: يعني عذاب الدنيا وعذاب الآخرة. وقال ابن عباس: يعني به عذاب الآخرة. وقال أبو عبيدة: ﴿يُضَاعَفْ لَهَا ٱلْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ يجعل ثلاثة أضعاف، أي: ثلاثة أعذبة. وقال أبو عمرو: ﴿يُضَاعَفْ﴾ للمرار الكثيرة ويَضَعَّفُ مرتين. ولذلك قرأ "يُضَعَّفُ". وأكثر أهل اللغة على خلافها لأن يضاعف ضعفين ويضعف ضعفين واحد، بمعنى مثلين كما تقول: إن دفعت إلي درهماً دفعت إليك ضعفيه، أي مثليه يعني درهمين، ويدل على صحة هذا قوله: ﴿نُؤْتِهَـآ أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ فلا يكون العذاب أكثر من الأجر، وقد قال تعالى: ﴿[رَبَّنَآ] آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ ٱلْعَذَابِ﴾ [الأحزاب: ٦٨] أي مثلين. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ للَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ أي: ومن يطع منكن الله ورسوله وتعمل بما أمرها الله به، ﴿نُؤْتِهَـآ أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ أي ثواب عملها مثلي ثواب غيرها من نساء المؤمنين. ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقاً كَرِيماً﴾ أي في الآخرة، يعني به: في الجنة. * * * ثم قال تعالى: ﴿يٰنِسَآءَ ٱلنَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ إِنِ ٱتَّقَيْتُنَّ﴾ أي: لستن في الفضل والمجازاة كأحد من نساء هذه الأمة، إن اتقيتن الله بالطاعة له ولرسوله. ووقع أحد في موضع واحدة لأنه أعم إذ يقع على المؤنث والمذكر الواحد والجمع بلفظ واحد. فقوله: ﴿فَلاَ تَخْضَعْنَ بِٱلْقَوْلِ﴾ أي: لا تُلِنَّ القول للرجال. ﴿فَيَطْمَعَ ٱلَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ أي: شك ونفاق، أي يطمع في الفاحشة استخفافاً بحدود الله. قال عكرمة ﴿فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ أي شهوة الزنا. قال قتادة: ﴿مَرَضٌ﴾ نفاق. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً﴾ أي: قولاً أَذِنَ الله لكن فيه وأباحه لكن. قال ابن زيد: معناه: قولاً جميلاً معروفاً في الخير. * * * ثم قال: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ أي: اثبتن في بيوتكن. هذا على مذهب من قرأ بكسر القاف، يكون عند الفراء وأبي عبيد من الوقار، يقال وَقَرَ يَقِرُّ وُقُوراً إذا ثبت في منزله. وقيل: هو من قَرَّ في المكان إذا ثبت أيضاً، فيكون الأصل: واقْرِرْنَ فحذفت الراء الثانية استثقالاً للتضعيف، وألقيت حركة الأولى الباقية على القاف فاستغني عن ألف الوصل، فصار وَقِرْنَ كما تقول ظِلْتُ أفعل بكسر الظاء. فأما قراءة من فتح القاف، وهي قراءة نافع وعاصم، فهي لغة لأهل الحجاز، يقولون: قَرَرْتُ بالمكان أَقَرَّ، بمنزلة قَرِرْتُ به عيناً أَقَرُّ، حكاه أبو عبيد في "المصنف" عن الكسائي. فيكون التقدير: واقْرِرْنَ [في بيوتكن]، ثم أُعِلَّ في الأولى فيصير: وَقَرْنَ. ويجوز أن يكون من قرة العين هذا على الحذف، والاعتلال أيضاً، وشاهده قوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَىٰ أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥١] فيكون التقدير: واقررن عيناً في بيوتكن. وروي أن عماراً قال لعائشة رضي الله عنها: إن الله قد أمركِ أن تَقَرّي في منزلك، فقالت: يا أبا اليقظان، ما زلت قَوَّالاً بالحق، فقال: الحمد لله الذي جعلني كذلك على لسانك. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ ٱلأُولَىٰ﴾ أي: إذا خرجتن من بيوتكن. قال قتادة: التبرج في هذا الموضع التبختر والتكسر، وكانت الجاهلية الأولى مشية فيها تكسير وتغنج فنهاهن الله عن ذلك. وقيل التبرج إظهار الزينة للرجال. وحقيقتها إظهار ما ستر الله، وهو مأخوذ من السعة. يقال في أسنانه بَرَجٌ إذا كانت متفرقة. والجاهلية الأولى ما بين عيسى ومحمد عليهما السلام. وروي أن هذه الفاحشة كانت ظاهرة في هذا الوقت، وكانت ثم بغايا يقصدن للفاحشة. وقيل: ما بين نوح وآدم عليهما السلام كان بينهما ثمان مائة سنة، وكان نساؤهم أقبح ما يكون، ورجالهم أحسن ما يكون، فكانت المرأة تريد الرجل على نفسه. وقال ابن عباس هو ما بين إدريس ونوح عليهما السلام، وكان ذلك ألف سنة، وأن بطنين من وُلْدِ آدم أحدهما يسكن السهل والآخر يسكن الجبل، وكان رجال الجبال صِبَاحاً والنساء قباحاً، وكان نساء السهل صِباحاً والرجال قباحاً، وأن إبليس أتى رجلا من أهل السهل في صورة غلام فأجر نفسه منه فكان يخدمه، واتخذ إبليس شيئاً من الذي يزمر فيه الرِّعَاء فجاء فيه بصوت لم يسمع الناس مثله، فبلغ ذلك من حولهم فانتابوهم يستمعون إليه، واتخذوا عيداً يجتمعون له في السنة، فتبرج الرجال حسناً، وتبرج النساء للرجال وإن رجلاً من أهل الجبل هجم عليهم، وهم في عيدهم فرأى النساء وصباحتهن فأتى أصحابه فأخبرهم بذلك فتحولوا إليهن، فنزلوا معهن، فظهرت الفاحشة فيهم فهو قوله جل ذكره: ﴿وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ ٱلأُولَىٰ﴾. * * * وقوله: ﴿ٱلْجَاهِلِيَّةِ ٱلأُولَىٰ﴾ يدل على أن ثم جاهلية أخرى في الإسلام، دل على ذلك قول النبي ﷺ "ثَلاثَ مِنْ عَمَلِ أهلِ الجَاهِلِيَّة لا يَدَعْهُنَّ النَّاسُ: الطَّعْنُ بِالأنْسابِ، والاسْتِمْطارُ بالكَواكِبِ وَالنِياحَةُ". (وقال ابن عباس لعمر لما سأله عن الآية، فقال له: وهل كانت الجاهلية إلا واحدة؟)، فقال ابن عباس: وهل كانت أولى إلا ولها آخرة؟ فقال له عمر: لله دَرُّكَ يا ابن عباس ، كيف قلت؟ فأعاد ابن عباس الجواب. وقال النبي صلى الله عليه سلم لأبي الدرداء وقد عيّر رجلاً فوعاه يا ابن فلانة، فقال له: "يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ إِنَّ فِيكَ جَاهِليَّةٌ، فَقَالَ أَجَاهِليَّةُ كُفْرٍ أَوْ إِسْلامٍ؟ قَالَ: بَلْ جَاهِليَّةُ كُفْرٍ"، قَالَ أَبُو الدَّردَاء: "فَتَمَنَّيْتُ لَوْ كُنْتُ ابْتَدَأْتُ إِسْلامِي يَوْمَئِذٍ" ثم قال [تعالى]: ﴿وَأَقِمْنَ ٱلصَّلاَةَ﴾ أي: المفروضة. ﴿وَآتِينَ ٱلزَّكَـاةَ﴾ يعني الواجبة في الأموال. ﴿وَأَطِعْنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي: فيما أمركن به ونهاكن عنه. ثم قال (تعالى): ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرِّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ﴾ أي: الشر والفحشاء يا أهل بيت محمد. ﴿وَيُطَهِّرَكُمْ﴾ أي من الدنس والمعاصي تطهيراً. قال ابن زيد: الرجس هنا الشيطان. وقيل: عُنِيَ بأهل البيت هنا النبي ﷺ وعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام، رواه الخدري. عن النبي ﷺ أنه قال "نَزَلَتِ الآيَة فِي خَمْسٍ: فِيَّ وَفِي علي وحَسَنٍ وحُسَينٍ وَفَاطِمَةَ". وهو قول جماعة من الصحابة. وقال عكرمة: عني بذلك أزواج النبي ﷺ. ويلزم عكرمة أن يقرأ عنكن. وقيل عني بذلك: نساؤه وأهله.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.