الباحث القرآني

قوله تعالى ذكره: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ﴾ إلى قوله: ﴿لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَحْوِيلاً﴾. أي: يعلم ما يخفي جميع الخلق وما يسرّون، وما لم يخفوه. ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾ أي: ما تخفون في أنفسكم. * * * ثم قال: ﴿هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ فِي ٱلأَرْضِ﴾ أي: استخلفكم في الأرض بعد الأمم الماضية. قال قتادة: أمة بعد أمة وقرناً بعد قرن. وفيه معنى التنبيه والتخويف أن يصيبهم مثل ما أصاب الأمم قبلهم. * * * ثم قال تعالى: ﴿فَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ أي: على نفسه ضرر كفره راجع، مثل: ﴿وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا﴾ [فصلت: ٤٦]. وقيل: معناه: فعليه جزاء كفره. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ يَزِيدُ ٱلْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِلاَّ مَقْتاً﴾ أي: بعداً من الله ورحمته. ﴿وَلاَ يَزِيدُ ٱلْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلاَّ خَسَاراً﴾ أي: هلاكاً. والمقت عند أهل اللغة أشد البغض. * * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَآءَكُمُ﴾ أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين: أخبروني عن شركائكم الذين تدعون من دون الله، ﴿مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ ٱلأَرْضِ﴾، أي: هل خلقوا شيئاً، ﴿أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ﴾ - إن لم يكونوا خلقوا في الأرض شيئاً - أم أعطاكم الله كتاباً أن تشركوا بها، وتعبدونها من دون الله، فأنتم على حجج من عبادتكم لها إن كان معكم شيء من ذلك، فهل عبدتموها لأمر من هذه الأمور: فيقوم لكم بذلك عذر، أم عبدتموها لا لمعنى، فتظهر لكم خطاياكم. وكذلك فعلوا، ألا ترى أنهم لم يجدوا حجة من عبادتهم لها إلا أن ﴿قَالُواْ وَجَدْنَآ آبَآءَنَا لَهَا عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٥٣]. ومعنى "أرأيتم" عند سيبويه: أخبروني عن كذا، على (معنى) التوقيف، وأجاز سيبويه: "قد عَلِمْتُ زَيدٌ أبو مَنْ هُوَ" بالرفع لأن زيداً في المعنى مستفهم عنه، ولو جعلت موضع علمت أرأيت، لم يجز الرفع لأنه بمعنى أخبرني عن زيد، فلا يصلح أن يعلق، إذْ خرج عن حد ما يدخل على الابتداء والخبر، وحسن تعليق علمت لأنها داخلة على الابتداء والخبر. * * * ثم قال: ﴿بَلْ إِن يَعِدُ ٱلظَّالِمُونَ بَعْضُهُم بَعْضاً إِلاَّ غُرُوراً﴾ أي: ليس لآلهتهم شيء من هذه الخِلال، فقولهم: ما نعبد آلهتنا إلا لتقربنا إلى الله زلفى خداع من بعضهم لبعض، وحسن إضافة الشركاء إليهم لأنهم هم اختلقوها وجعلوها شِرْكاً لله. و "بَيّنَت" في الخط بالتاء، وذلك يدل على أنه جمع لأنه لو كان واحداً لم يكتب بالتاء لأنه مُنَوَّنٌ، وإنَّ ما وقع بالتاء من هذا النوع ما كان غير منونٍ نحو "رَحْمَتِ رَبّي". و [...] الله وشبه ذلك. وأيضاً فإن كثيراً من المصاحف كتبت "بيِّنَاتِ" فيه بألف قبل التاء فمن قرأ بالتوحيد فلا يخلو من أن يكون خالف الخط، ومخالفته لا تجوز، أو تكون قراءة على لغة الذين قالوا في طلحة: طلحت فوقفوا بالتاء، وهي لغة شاذة. * * * ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ أَن تَزُولاَ﴾ أي: لئلا تزولا عن مكانهما. ﴿وَلَئِن زَالَتَآ﴾ قال الفراء: "لئن" بمعنى لو. والمعنى: ولو زالتا. وحسن ذلك عنده لأن: (لئن ولو) تجابان بجواب واحد فشبيهتان في المعنى. قال قتادة: "أن تزولا": أي من مكانهما. وروي أن رجلاً جاء إلى عبد الله، فقال له: من أين جئت؟ فقال من الشام، فقال: مَنْ لَقِيتَ؟ قال: لقيت كعباً، قال: ما حدثك كعب؟ قال: حدثني أن السماوات تدور على منكب ملك، قال: فصدقته أو كذبته؟ قال: ما صدقته ولا كذبته، قال: لوددت أنك افتديت من رحلتك إليه براحلتك ورحلها، كذب كعب، إن الله يقول: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ﴾ الآية. وروي عنه أن الرجل قال له: قال كعب: إن السماء في قطب كقطب الرحى، [والقطب عمود]، والعمود على منكب ملك. وقيل: إن المعنى أن النصارى لما قالت: إن المسيح ابن الله، وقالت اليهود عزير ابن الله كادت السماوات أن تنفطر، وكادت الجبال أن تزول، وكادت الأرض أن تنشق، فأمسك الله جل ذكره ذلك حِلْماً منه وأنَاةً وتفضلاً، وهو قوله تعالى: ﴿تَكَادُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ ٱلأَرْضُ وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدّاً * أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَداً﴾ [مريم: ٩٠-٩١]. وقوله جل ذكره: ﴿وَلَئِن زَالَتَآ﴾ يعني به يوم القيامة لأنها تزول فيه. س وقيل: إن المعنى: لو وقع هذا، على ما ذكرنا عن الفراء. * * * ثم قال: ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً﴾ أي: حليماً عن مَنْ عصاه أن يعاجله بالعقوبة، فإمساكه السماوات والأرض والجبال عند قولهم ذلك، وإضافتهم الولد إليه مِن حلمه، غفوراً لمن تاب من كفره. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ أي: أقسم هؤلاء المشركون أشد الأيمان وأبلغها. ﴿لَئِن جَآءَهُمْ نَذِيرٌ﴾ ينذرهم بأس الله ﴿لَّيَكُونُنَّ أَهْدَىٰ مِنْ إِحْدَى ٱلأُمَمِ﴾ أي: ليكونن أسلك لطريق الحق واتباع الرسول من إحدى الأمم الماضية، فلما جاءهم نذير وهو محمد ﷺ ازدادوا في كفرهم وغيهم ونفروا عن الأيمان أكثر مما كانوا قبل أن يأتيهم، استكباراً منهم في الأرض وأنفة أن يُقِرُّوا بنبوة محمد ﷺ. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَكْرَ ٱلسَّيِّىءِ﴾ أي: وخدعة سيئة، وذلك أنهم صدوا الضعفاء عن اتباعه مع كفرهم به. قال قتادة: "ومكر السيء" هو الشرك. وأصل المكر السيء في اللغة الكذب والخديعة بالباطل. وقوله "جهد" نصبه على المصدر، أي: جهدوا في مبالغة الإيمان جهداً. "واستكباراً" "ومكراً" انتصبا على أنهما مفعولان من أجلهما، أي فعلوا ذلك لهذا أي للاستكبار والمكر. وأكثر النحويين على رد قراءة حمزة بإسكان همزة "السَّيِّءْ في الوصل". وقال قوم: هو جائز في كلام العرب سائغ، وإنما فعل ذلك في الوقف، فوصل على نية الوقف كما أثبت هاء السكت وألف "أنا" في الوصل من أثبتهما على نية الوقف. وقال قوم: إنما أسكن استخفافاً لأنه قد اجتمع في الكلمة ياءان: الثانية مكسورة، والكسرة مقام ياء، وبعد ذلك همزة، وهي ثقيلة، فأسكن لاجتماع هذا الثقل. وقد خففت العرب كسرتين نحو: "إِبِلٍ" "وإِطِلٍ"، فقالوا: إِبْلٍ وإِطْلٍ، وخففوا ضمتين فقالوا: "رُسُلٍ وسُبُلٍ". فشبهوا حركة الإعراب بحركة البناء عند اجتماع كسرتين على حرفين ثقيلين قبلهما حرف ثقيل. وقيل: إنه إنما كان يخفي الحركة وليس يسكن. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ يَحِيقُ ٱلْمَكْرُ ٱلسَّيِّىءُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ﴾ أي: لا يحل مكروه الباطل وعقوبته إلاّ بمن فعله. * * * ثم قال: ﴿فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ سُنَّتَ ٱلأَوَّلِينَ﴾ أي: سنتنا في إهلاكه الأمم الماضية على كفرهم. ﴿فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَبْدِيلاً﴾ أي: لا تجد يا محمد لعادة الله في إهلاك الكفار تغييراً. ﴿وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَحْوِيلاً﴾ أي: انتقالاً، بل ينتقم منهم، وينزل عليهم سخطه، فإن أمهلهم وأملى لهم فلا بد من عادة الله فيهم بالانتقام كما مضت فيمن كان قبلهم من الأمم.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب