الباحث القرآني

قوله (تعالى ذكره): ﴿ٱلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ﴾ إلى آخر السورة. أي: نطبع (على) أفواه المشركين. ﴿وَتُكَلِّمُنَآ أَيْدِيهِمْ﴾ أي: بما عملوا في الدنيا. ﴿وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ﴾ أي: بما سعت فيه من المعاصي. روي أن الذي ينطق (من) أرجلهم أفخاذهم من الرجل اليسرى. قال أبو موسى: يدعى المؤمن للحساب يوم القيامة، فيعرض عليه ربه عمله فيما بينه وبينه، فيعترف فيقول: نعم إني عملته، قال: فيغفر الله (منه) ذنوبه ويستره منها. ويدعى الكافر والمنافق للحساب فيعرض عليه ربه عمله، فيجحده فيقول: أي: ربي وعزتك لقد كتب عَليَّ هذا المَلَكُ ما لم أعمل، فيقول له المَلَكُ: أما عملت كذا يوم كذا؟ فيقول: (لا) وعزتك، (أي): رب ما عملته، فإذا فعل ذلك ختم الله على فِيهِ. قال أبو موسى: فإني أحسب أول ما ينطق منه لفخذه اليمنى ثم تلى الآية: ﴿ٱلْيَوْمَ نَخْتِمُ﴾ وعن النبي ﷺ أنه قال: "أَوَّلُ شَيْءٍ يَتَكَلَّمُ مِنَ الإنْسَانِ يَوْمَ يُخْتَمُ عَلَى الأَفْوَاهِ فَخِذُهُ مِنْ رِجْلِهِ اليُسْرَى"، رواه عقبة بن عامر عنه. ثم قال (تعالى): ﴿وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا عَلَىٰ أَعْيُنِهِمْ﴾ أي: لأعميناهم عن الهدى فلا يهتدون إلى طريق الحق أبداً. قاله ابن عباس. وقال الحسن: (معناه): لو شاء لتركهم عمياً يترددون. وكذلك قال قتادة. وهو اختيار الطبري، لأن القوم كانوا كفاراً، فلا معنى لعماهم (عن) الهدى وهم كذلك كانوا، والمعنى عنده: لو نشاء لعاقبناهم على كفرهم فأعميناهم فلا يبصرون طريقاً في تصرفهم إلى منازلهم ولا إلى غيرها. وقيل معنى: ﴿فَٱسْتَبَقُواْ ٱلصِّرَاطَ﴾ أي: فبادروا إذا حدث بهم العمى إلى منازلهم ليلحقوا بأهلهم. والأَطْمَسُ هو الذي لا يكون بين عينه شق. وحكى الكسائي طَمَسَ يَطْمِسُ وَيَطْمُسُ. ثم قال (تعالى): ﴿وَلَوْ نَشَآءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَىٰ مَكَـانَتِهِمْ﴾ أي: لأفقدناهم جزاء على كفرهم، فلا يستطيعون أن يمضوا إلى أمامهم ولا يرجعون إلى ورائهم، هذا قول الحسن وقتادة. وقال ابن عباس: معناه: لأهلكناهم في منازلهم. وقيل: المعنى: لو شاء الله لمسخهم في الموضع الذي اجترؤوا فيه على معصية الله، فلا يقدرون على المضي ولا على الرجوع. وقال ابن سلام: هذا كله في القيامة، قال إذا كان يوم القيامة مُدَّ الصِّرَاطُ، ونادى مُنادٍ لِيَقُمْ محمد ﷺ وأمته، فيقومون بَرُّهم وفَاجِرُهُمْ يتبعونه فيتجاوزوا الصراط فإذا صاروا عليها، طمس الله أعين فُجَّارهم، فاستبقوا الصراط فمن أين يبصرونه حتى يجاوزوه، (قال): ثم ينادي مناد ليقم عيسى وأمته فيقومون فيتبعونه بَرُّهُمْ وفاجِرُهُم فيكون سبيلهم تلك السبيل، وكذلك سائر الأنبياء. والعرب تقول مَكَانٌ وَمَكَانَةٌ، وَدَارٌ وَدَارَةٌ. وحتى ابن الأعرابي: أن العرب تجمع مكاناً على أمكنة ومكنات. ثم قال (تعالى): ﴿وَمَن نُّعَمِّرْهُ نُنَكِّـسْهُ فِي ٱلْخَلْقِ﴾ أي: نرده إلى مثل حاله الأولى من الضعف وقلة العلم والفهم، بمنزلة قوله: ﴿لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً﴾ [النحل: ٧٠]. * * * ثم قال: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ ٱلشِّعْرَ﴾ أي: لم نُعَلِّمَ محمداً الشعر، بل علمناه القرآن، وليس هو شعر كما قال المشركون. ﴿وَمَا يَنبَغِي لَهُ﴾ أي: ما ينبغي له أن يكون شاعراً. وقيل: معناه: ما يسهل له قول الشعر. وقالت عائشة: "لَمْ يَتَمَثَّلْ رَسُولُ الله ﷺ بِبَيْتِ شِعْرٍ قَطُّ إِلاَّ بِبَيْتِ طَرَفة فَجَعَلَ آخِرَهُ أَوَّلَهُ وأَوَّلَهُ آخِرَهْ، وهو قول طرفة: "سَتُبْدِي لَكَ الأَيَّامُ مَا كُنْتَ جَاهِلاً" البيت. فكان يقول: وَيَأْتِيكَ مَنْ لَمْ تُزَوِّدِ بِالأَخْبَارِ. فأما ما روي عنه من قوله ﷺ: "أَنَا النَّبِيُّ لاَ كَذِبْ * أَنَا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبْ" فإنه فيما ذُكِرَ أنه كان يعرب: (كذباً) و (المطلب)، وإذا أعربها لم يكن شعراً. * * * ثم قال: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ﴾ أي: ما هذا القرآن إلا ذكر وليس بشعر، أنزله على محمد لينذر من كان حياً، وهو المؤمن، مثل قوله: ﴿إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ﴾ [يس: ١١]. وقال الضحاك: مَنْ كَانَ حَيَّاً هو العاقل. * * * ثم قال: ﴿وَيَحِقَّ ٱلْقَوْلُ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ﴾ أي: ويجب عليهم العذاب الذي تقدم لهم في علم الله أنهم صائرون إليه بكفرهم. * * * ثم قال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعاماً﴾ أي: أو لم ير هؤلاء المشركون أنا خلقنا لهم من خَلْقِنَا أنعاماً، وهي المواشي والإبل، ومعنى ﴿أَيْدِينَآ﴾ أي: بقوتنا وقدرتنا كان خَلْقُنَا لَهُمْ. [ثم قال: ﴿فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾ أي: مصرفون لهم كيف شاؤوا]. ثم قالوا: ﴿وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ﴾ (أي): سهلناها لهم فلا تعدو عليهم. ﴿فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ﴾ أي: ما يركبون. وقرأت عائشة "رَكُوبَتُهُمْ". قال أبو عبيدة: الرَّكُوبَة تكون للواحدة والجماعة، والركوب لا يكون إلا للجماعة. قال البصريون: حذفت الهاء من "ركوبهم" على النسب، والأصل الهاء. قال الكوفيون: العرب تفرق في فَعُول بين ماله الفعل، وبين ما الفعل واقع عليه، فيقولون: امرأة صبور وشكور، بغير هاء، ويقولون: شاة حَلُوبَةٌ ونَاقَةٌ رَكُوبَةٌ. ثم قال (تعالى): ﴿وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ﴾ (أي): لحوم الإبل والمواشي. (ثم قال تعالى): ﴿وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾ يعني في أصوافها وأوبارها وجلودها وغير ذلك. * * * ثم قال: ﴿وَمَشَارِبُ﴾ يعني ألبانها. ﴿أَفَلاَ يَشْكُرُونَ﴾ أي: يشكرون الله على هذه النعم التي خلق (لهم). ثم قال [تعالى: ﴿وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ آلِهَةً﴾] يعني: هؤلاء المشركين اتخذوا الأصنام آلهة. ﴿لَّعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ﴾، (أي): طمعاً أن ينصروهم من عقاب الله. ﴿لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ﴾ أي: من عقاب الله، أي لا تستطيع الآلهة نصر هؤلاء المشركين ولا غيرهم. * * * ثم قال: ﴿وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ مُّحْضَرُونَ﴾ [أي: هؤلاء المشركون] لآلهتهم جند محضرون عند الحساب، قاله مجاهد. وقال قتادة: معناه محضرون في الدنيا يغضبون إذا ذكرت آلهتهم بسوء. وقيل: المعنى: أنه يمثل لكل قوم ما كانوا يعبدون يوم القيامة فيتبعونه إلى النار، فهم جند لهم محضرون معهم في النار. ثم قال (تعالى): ﴿فَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ﴾ يقول لنبيه ﷺ: لا تحزن من قولهم: إنك شاعر، ولا من تكذيبهم لك. ﴿إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ﴾ أي: نعلم إنما يدعوهم إلى ذلك الحسد وأنهم يعلمون أنك جئتهم بالحق، ونعلم ما يعلنون من كفرهم وجحودهم لما جئتهم به. ثم قال (تعالى ذكره): ﴿أَوَلَمْ يَرَ ٱلإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ﴾ قيل: عني به أمية بن خلف أتى رسول الله ﷺ بعظم حائل، ففته ثم ذراه في الريح، فقال: مَنْ يُحِيِي العظام وهي رميم، قاله قتادة ومجاهد. وروى قتادة أن النبي ﷺ أجابه، فقال له: "الله يُحْيِيْكَ، ثُمَّ يُمِيتُكَ، ثُمَّ يُدْخِلُكَ النَّارَ"، فَقَتَلَهُ رَسُولُ الله يَوْمَ أُحُدٍ وقال ابن جبير: وهو العَاصِي بنُ وائِل السَّهْمِي. وقيل: عني به عبد الله بن أُبَيّ. قاله ابن عباس. وفي هذا نزلت: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ إلى آخر السورة. قال ابن عباس: جاء أُبي بن خلف إلى النبي ﷺ بعظم حائل بَالٍ فكسره وفته بيده، ثم قال: يا محمد، كيف يبعث الله هذا (وهو رميم)؟ (فقال له) (النبي ﷺ): "يَبْعَثُ الله هَذَا ثُمَّ يُمِيتُكَ ثُمَّ يُدْخِلُكَ جَهَنَّمَ" وكذلك ذكر ابن جبير في العاصي بن وائل. وروى ابن وهب: أن الذي قال ذلك هو أبي بن خلف الجمحي. وهو الذي قتله النبي ﷺ بيده فمات من طعنة رسول الله بالحربة بعد أن رجع إلى مكة. وعن ابن عباس: أنه عبد الله بن أبي. والسورة مكية وعبد الله بن أبي لم [يكن بمكة إنما كان بالمدينة، فأُبي بن خلف أشبه به لأنه بمكة] كان معانداً للنبي ﷺ. فالمعنى: ألم يَرَ هذا الذي قال: من يحيي العظام وهي رميم، أنا خلقناه من نطفة، وهي أضعف من العظم، فسويناه بشراً سوياً، فيعلم أن من فعل هذا قادر على إحياء العظام بعد كونها رميماً. * * * وقوله: ﴿فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ﴾ أي: ذو خصومة لربه، يخاصمه فيما قال له ربه: إني فاعله، فينكره. ثم قال: [تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾]. أي: ضرب مثلاً بالعظم الرميم، فقال من يحييه؟ وأنكر إحياءه، ونسي أنه خلق من نطفة من ماء معين حقير، فجعله الله بشراً سوياً ناطقاً. ثم قال (تعالى): ﴿قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِيۤ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أي: قل له يا محمد: الذي خلق هذه العظام من ماء حقير مهين، هو الذي يحييها بعدما تكون رميماً. ثم قال (تعالى): ﴿وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ أي: ذو علم بجميع خلقه، يُحيي ويُميت، ويُبدئ ويُعيد، لا يخفى عليه شيء. يعلم ما تنقص الأرض (من) لحومهم وعظامهم وسائر جثمانهم، فيعيدها كما كانت أول مرة. ثم قال (تعالى ذكره): ﴿ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلشَّجَرِ ٱلأَخْضَرِ نَاراً﴾ يعني: المَرَخُ والعُفَّارُ، يستعمل منه الأعراب الزنود. فالذي خلق النار واستخرجه لكم من شجر أخضر مائي - والماء ضد النار بِحَرِّهِ وَيُبْسِهِ - هو الذي يقدر على أن يحيي العظام وهي رميم. وهذه الآية تدل على جواز القياس لأنه جَعَلَ خلق الشيء دليلاً على خلق غيره. ثم قال (تعالى): ﴿أَوَلَـيْسَ ٱلَذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاواتِ وَٱلأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم﴾. هذا كله تنبيه للمُنْكِرِ للبعث، والمعنى: أوليس الذي خلق السماوات والأرضين على عظمهن وسعتهم، وما في السماوات من الآيات كالشمس والقمر والنجوم، وما في الأرض من الآيات كالبحار والجبال والشجر بقادر على أن يعيد مثل هؤلاء الذين قد صاروا رميماً، فليس إعادة الخلق بعد الموت بأعظم من (خلق) السماوات والأرض وما فيهن من الآيات، فمن لم يتعذر عليه خلق العظيم كيف يتعذر عليه خلق اليسير؟! ثم قال (تعالى): ﴿بَلَىٰ وَهُوَ ٱلْخَلاَّقُ ٱلْعَلِيمُ﴾ أي: بل يخلق مثلهم، وهو الخلاق لما يشاء، العليم بكل (ما) خلق. * * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ قال قتادة: ليس من كلام العرب شيء هو أخف من كُنْ ولا أهون، فأمر الله كذلك. * * * ثم قال تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أي: فتنزيه للذي بيده ملك كل شيء وخزائنه (يفعل) ما يشاء وإليه تردون بعد مماتكم وتصيرون. قال قتادة: ملكوت كل شيء: مفاتيح كل شيء. وملكوت وملكوتي في كلام العرب بمعنى مِلْك. قال نافع: "بَلَى" تمام. وكذلك قال محمد بن عيسى والقتبي. وقيل: "مِثْلَهُمْ" التمام، والأول أحسن. (و) "فيكون" تمام.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.