الباحث القرآني

قوله (تعالى ذكره): ﴿وَٱلصَّافَّاتِ صَفَّا﴾ الى قوله: ﴿(بَلْ عَجِبْتَ) وَيَسْخَرُونَ﴾. أي: ورب الصافات، وهي الملائكة بإجماع. وهو جمع صافة، كأنها جماعات مصطفة لذكر الله وتسبيحه. قال ابن عباس: الملائكة صفوف، لا يعرف كل منهم مَنْ إلى جانبه لم يلتفت منذ خلقه الله. يسبحون ويهللون ويحمدون الله (ويمجدونه). والزاجرات: جمع زاجرة، أي: تزجر عن معاصي الله، وهي الملائكة، قال ذلك ابن مسعود والسدي. وقيل: الزاجرات: الملائكة تزجر السحاب، تسوقه إلى المواضع التي يريد الله سقيها، قاله مجاهد والسدي أيضاً. وقال قتادة: الزاجرات: ما زجر الله (عنه) في القرآن. فهي أي القرآن التي زجرنا الله بها. قال قتادة: الزاجرات كل ما زجر عنه. ثم قال (تعالى): ﴿فَٱلتَّٰلِيَٰتِ ذِكْراً﴾. يعني: الملائكة تتلو ذكر الله وكلامه، قاله مجاهد والسدي. وقال قتادة: هو يُتْلَى عليكم في القرآن من أخبار الأمم قبلكم. * * * ثم قال: ﴿إِنَّ إِلَـٰهَكُمْ لَوَاحِدٌ﴾ أي: إن معبودكم واحد. وإن جواب القسم. * * * ثم قال: ﴿رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ أي: مالك ذلك ومدبره. ﴿وَرَبُّ ٱلْمَشَارِقِ﴾ أي: ومَالِكُ مشارق الشمس، ومدبرها في الشتاء والصيف، وحذف ذكر المغارب لدلالة الكلام عليه لأن ذكر المشارق يدل على أن ثم مغارب. قال السدي: المشارق ستون وثلاث مائة مشرق، والمغارب مثلها عدد أيام السنة. قال ابن عباس: للشمس كل يوم مشرق، وكل يوم مغرب، فتلك المشارق والمغارب، وللصيف مشرق ومغرب، وللشتاء مشرق ومغرب، فذلك كقوله: ﴿رَبُّ ٱلْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ ٱلْمَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٧]. * * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِزِينَةٍ ٱلْكَوَاكِبِ﴾ من أضاف زينة فمعناه تتزين الكواكب، أي بحسنها. ومن نوّن زينة وخفض "الكواكب"، جعل الكواكب بدلاً من زينة. ومن نون زينة ونصب "الكواكب" أعمل زينة في الكواكب، وإن شئت جعلت "الكواكب" بدلاً (من زينة) على الموضع. وإن شئت نصبت على إضمار: أعني. وقرئت بتنوين "زينة" ورفع "الكواكب"، على تقدير بأن زينتها الكواكب. * * * ثم قال: ﴿وَحِفْظاً مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ﴾ أي: وحفظناها حِفْظاً. فحِفْظٌ نصب على المصدر. وقال بعض الكوفيين: هو مفعول من أجله، والواو زائدة. والتقدير عنده: إنا زينا السماء الدنيا حفظاً لها، أي للحفظ. ومعنى: ﴿ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا﴾ السماء التي تليكم، وهي أدنى إليكم من غيرها من السماوات، ودل ذلك على أن سائر السماوات ليس فيها من الكواكب ما في هذه السماء القريبة منا. والمارد: العاتي الخبيث. ثم قال (تعالى): ﴿لاَّ يَسَّمَّعُونَ إِلَىٰ ٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ﴾ أي: لا يميلون بسمعهم إلى ما تقول الملائكة (في) السماء للحفيظ الذي في السماء. تقول: سَمِعْتُ إليه يقول كذا، أي أملت بسمعي إليه. قال ابن عباس: (هم) لا يسمعون وهم (لا) يتسمعون. فهذا شاهد للتخفيف. ويدل على قوة قراءة التخفيف قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ عَنِ ٱلسَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢] ولم يقل عن التسمع. ومن قرأ بالتشديد فمعناه: أنهم مُنِعُوا من السَّمع ومن التَّسَمُّعِ، وإذا مُنِعوا من السمع فهم عن التَّسَمُّعِ أعظم منعاً. فالتسمع في النفي أبلغ. قال ابن عباس: "كانت للشياطين مقاعد في السماء، وكانوا يسمعون الوحي، وكانت النجوم لا تجري وكانت الشياطين لا تُرْمَى. قال: فإذا سمعوا الوحي نزلوا إلى الأرض فزادوا في الكلمة تسعاً. قال: فلما بعث الله محمداً ﷺ، جعل الشيطان إذا قعد مقعده جاءه شهاب فلم يُخْطِئه حتى يحرقه. قال: فَشَكواْ ذلك إلى إبليس فقال: ما هو إلا من حَدَثٍ. قال: "فَبَثَّ جُنودَه فإذا رسول الله قائم يصلي. قال: فرجعوا إلى إبليس فأخبروه، فقال: هذا الذي حدث". ثم قال (تعالى): ﴿وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ * دُحُوراً﴾ أي: ويُرْمون من كل جانب من السماء دحوراً، ودحوراً مصدر دحرته (أي) دفعته وأبعدته، يقال اللّهمَّ ادْحَرْ (عَنَّا) الشَّيْطَانَ، أي: ادفعه عنّا وأبعِده. قال قتادة: "دحوراً" قذفاً بالشّهب. وقال مجاهد: من كل مكان مطرودين. فيقذفون مستأنف، وليس بمعطوف على يسمعون، لأنه نفي ويقذفون أيجاب. * * * ثم قال: ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ وَاصِبٌ﴾ أي: وللشيطان من الله عذاب دائم، قاله ابن عباس وقتادة ومجاهد وابن زيد. وقال أبو صالح والسدي: "واصب" موجع. وعلى القول الأول أهل اللغة. * * * ثم قال: ﴿إِلاَّ مَنْ خَطِفَ ٱلْخَطْفَةَ﴾ مَنْ في موضع رفع على البدل من المضمر في "يسمعون"، أو في موضع نصب على الاستثناء من المنفي عنه السمع، والبدل أحسن. وقيل: هو في موضع نصب على الإستثناء من قوله: "ويقذفون"، لأنه إيجاب. ويجوز أن تكون في موضع (رفع) على معنى: لكن من خطف. ومعنى الآية: من استرق السمع من الشياطين. ﴿فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ أي: مضيء متوقد. قال ابن عباس: تحرقهم الشهب من غير موت ولا قتل. قال السدي: يحرقه حين يرمى به. قال الضحاك: للشياطين أجنحة بها يطيرون إلى السماء. يقال: إذا أخذ الإنسان الشيء بسرعة خَطَفَه وخَطِفَهُ واخْتَطَفَهُ وتَخَطَّفَه. وأصله: اختطفه، ثم أدغمت التاء في الطاء (وأُلْقِيَت حركتها على الخاء فاستغني عن ألف الوصل، ويقال: خطفه وأصله أيضاً اختطفه وأُدْغِمت التاء في الطاء) وحُذِفَتْ حركتها. ثم حُرِّكَت الخاء إلى الكسر لإلتقاء الساكنين واستغني عن ألف الوصل أيضاً، ويقال: خطفه على هذا التقدير، إلا أنه كسر الطاء اتباعاً لكسرة الخاء. أجاز يعقوب (أن نقف على:) "من كل جانب". ومنعه غيره لأنه قام مقام العامل في دحوراً. والتمام "دحوراً". والشهب التي يرمون بها ليست من الكواكب الثابتة، لأنا نراها ونرى حركتها، فهي أقرب إلينا من الكواكب الثابتة، ولذلك لا نرى حركات الكواكب الثابتة، وهي تجري بلا شك، لكن لا يُرى جريها لبعدها منا. ثم قال (تعالى): ﴿فَٱسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً [أَم مَّنْ خَلَقْنَآ]﴾ أي: سل يا محمد هؤلاء المشركين المنكرين للبعث، أهم أشد خلقاً أم من تقدم ذكره من الملائكة والسماوات والأرضين والجن؟. وفي قراءة ابن مسعود "(أَمْ) مَنْ عَدَدْنَا". ثم قال (تعالى): ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ﴾ أي: لاحق علك، يعني آدم لأنه خُلِق من ماء وتراب و (نار) وهواء. والعرب تقول للذين يلزق هو لازب، ولازم، ولابث. قال ابن عباس: اللازب الحر الجيد اللازق. وقال ابن جبير: اللازب الجيد. وقال قتادة: اللازب اللزق الذي يلتزق باليد. وهو قول ابن زيد. ثم قال (تعالى ذكره): ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ أي: عجبت يا محمد مما يأتون به من إنكارهم للتوحيد وللبعث، وهم يسخرون. ودليل إضافة العجب إلى النبي ﷺ قوله: ﴿وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾ [الرعد: ٥]. فأما من ضم التاء فإنه أضاف العجب إلى الله جل ذكره، والعجب منه تعالى ذكره مخالف للعجب من عباده، لأن العجب من الخلق إنما هو أن يطرأ عليهم ما لم يكونوا يظنون فيعجبون منه، وهذا لا يضاف إلى الله لأنه تعالى عالم بجميع الأشياء، ولكن معناه (من الله) جل ذكره، بل جعلته عجباً ورأيت من أفعالهم ما يُتَعَجَّبُ منه وظهر منه عجب، ودليله قوله: ﴿فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾ [الرعد: ٥]، أي: فقولهم مما يجب أن يعجب منه. وقيل: المعنى: قل يا محمد: بل عَجِبْتُ. فيكون مضافاً إلى النبي كفتح التاء. والمعنى على قول قتادة: عجب محمد من هذا القرآن حين أعطيه، وسخر منه الكفار.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.