الباحث القرآني

قوله (تعالى ذكره): ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْيَ﴾ إلى قوله: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾. قال ابن عباس: السعي العمل. وقال مجاهد: لما شب حتى أدرك سعيُه سَعْيَ [على] إبراهيم في العمل. وقال قتادة: لما مشى مع إبراهيم. وقال ابن زيد: السّعي هنا العبادة. ثم قال : ﴿يٰبُنَيَّ إِنِّيۤ أَرَىٰ فِي ٱلْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ أي: سأذبحك. روي أنه أُمِرَ في المنام بذبحه. وذكر أنه حين بُشِّرَ به نذر أن يجعله إذا وُلِدَ له ذبيحاً. فلما وُلِدَ وبلغ (معه) السعي - مع أبيه -، أُري في المنام فقيل له: فد لله بنذرك. ورؤيا الأنبياء يقين. قال السدي: لما قال جبريل ﷺ لسارة أبشري بولد اسمه إسحاق، ضربت وجهها عجباً، وقالت: أألد وأنا عجوز، وهذا بعلي شيخاً، إن هذا لشيء عجيب، فقالت سارة لجبريل ﷺ: ما آية ذلك؟ فأخذ جبريل عليه السلام عوداً يابساً فلواه بين أصابعه فاهتز خضرة، فقال إبراهيم: هو لله إذاً ذبيحاً، فلما كبر إسحاق أتي إبراهيم في النوم، فقيل له: أوْفِ لله بنذرك الذي نذرت، إن الله رزقك غلاماً من سارة، فقال لإسحاق: انطلق نقرب قرباناً إلى الله عز وجل، وأخذ سكيناً وحبلاً، ثم انطلق معه حتى إذا ذهب بين الجبال قال له الغلام: يا أبت أين قربانك؟ قال: با بني إني رأيت في المنام أني أذبحك فانظر ما ترى؟، ﴿قَالَ يٰأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤمَرُ سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّابِرِينَ﴾. ثم قال له إسحاق: يا أبت أشدد رباطي حتى لا أضطرب، واكفف عني ثيابك حتى لا ينضح عليها من دمي بشيء فتراه سارة فتحزن، وأسرِع مر السكين على حلقي ليكون أهون للموت علي، فإذا أتيت سارة فاقرأ عليها مني السلام، فأقبل عليه إبراهيم يقبله وقد ربطه وهو يبكي وإسحاق يبكي، حتى استنقع الدموع تحت خد إسحاق، ثم إنه جر السكين على حلقه فلم تحك السكين، وضرب الله صفحة من نحاس (على حلق إسحاق)، فلما رأى ذلك صوب به على جبينه وحز في قفاه، فذلك قوله (تعالى): ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا﴾ (أي): أسلما الأمر لله ورضيا بالذبح، الذابح والمذبوح، وتله: صرعه. والجبين: ما عن يمين الجبهة و (عن) شمالها. قال قتادة: تله: كبه وحول وجهه إلى قفاه. قال ابن عباس: كبه على جبهته. (قال السدي): فنودي أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا بالحق، فالتفت فإذا بكبش فأخذه وخلى عن ابنه، وأكب على ابنه يقبله، وهو يقول: اليوم يا بني وُهِبْتَ لي، فهو قوله تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾، فرجع إلى سارة فأخبرها الخبر فجزعت، وقالت: يا إبراهيم أردت أن تذبح ابني ولا تعلمني. قال عكرمة في معنى ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾: قال له الغلام: (يا أبت) اقذفني للوجه كي لا تنظر إلى وجهي فترحمني [وأنظر أنا إلى الشفرة فأجزع. قال مجاهد: "وتله للجبين" وضع وجهه على الأرض]، فقال له: يا أبت لا تذبحني وأنت تنظر إلى وجهي عسى أن ترحمني، فلا تحن علي، اربط يدي إلى (المرفقين)، ثم ضع وجهي في الأرض. ومن قرأ (تَرَى) بفتح التاء والراء، فمعناه: ماذا عندك من الرأي فيما قلت لك، على معنى الامتحان لإسحاق، لا (على) معنى الاستشارة له في أمر الله. ومن ضم التاء، فمعنى قراءته: ماذا ترى [من صبرك أو جزعك. وقيل: معنى الكلام: ماذا] تشير، امتحاناً له. وغلط أبو عبيد وأبو حاتم في هذا فجعلاه من رؤية العين، وليس كذلك، إنما هو في معنى الرأي. تقول أريت فلاناً الصواب وأريته رشده. قال ابن عباس: إن الله لما أمر ابراهيم بالمناسك، عرض له الشيطان عند المسعى، فسابقه، فسبقه إبراهيم، ثم ذهب به جبريل ﷺ إلى جمرة العقبة، فعرض له الشيطان فرمى بسبع حصيات حتى ذهب، [ثم عرض له عند الجمرة الوسطى فرماه بسبع حصيات حتى ذهب]. ثم تلّه للجبين وعلى إسماعيل قميص أبيض، فقال (له): يا أبت إنه ليس لي ثوب تكفنني فيه غير هذا، فاخلعه عني فكفني فيه، فالتفت إبراهيم ﷺ فإذا بكبش أعين أبيض أقرن فذبحه. قال ابن عباس: لقد رأيتنا نتبعُ هذا الضرب من الكباش. وجواب لما محذوف، والتقدير: فلما أسلما سُعِدَا وأجزل لهما الثواب. وقال الكوفيون: الجواب: ناديناه، والواو زائدة. * * * وقوله: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ ٱلرُّؤْيَآ﴾ التي أريناك في منامك أن تذبح ولدك. * * * ثم قال: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ أي: كما خلصنا الذبيح والذابح من الشدة والكرب، كذلك نخلص من أحسن بالعمل الصالح من الشدة والكرب. * * * ثم قال: ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْبَلاَءُ ٱلْمُبِينُ﴾ أي: إن أمرنا لك بذبح ابنك لهو الاختبار الظاهر. وقال ابن زيد: البلاء في هذا الموضع الشر والمكروه. وقيل: المعنى: إن هذا الفداء الذي فديناه به من الذبح لهو النعمة الظاهرة. وقيل: لا يقال في الاختبار إلا الابتلاء. يقال أبلاه الله إذا أنعم عليه أو امتحنه وبلاه إذا اختبره. والذِّبْح بالكسر المذبوح، والذَّبح بالفتح المصدر. وقال كعب الأحبار : لما أري ابراهيم ﷺ [ذبح إسحاق قال الشيطان] [والله لئن لم أفتن عند هذا آل إبراهيم] لا أفتن منهم أحداً أبداً (فتمثل الشيطان لهم رجلاً يعرفونه، فأقبل حتى خرج إبراهيم بإسحاق ليذبحه، دخل على سارة، فقال لها: (أين أصبح) إبراهيم غادياً بإسحاق؟ قالت سارة: غدا لبعض حاجته. قال الشيطان: (لا) والله ما لذلك غدا، قالت سارة: فَلِمَ غدا به؟ قال: غَدَا بِهِ ليذبحه، قالت سارة: ليس من ذلك شيء، لم يكن ليذبح ابنه، قال الشيطان: بلى والله. قالت سارة: فَلِمَ يذبح؟ قال: زعم أن ربه أمره بذلك. قالت: فهذا أحسن أن يطيع ربه إن كان أمره بذلك. فخرج الشيطان من عند سارة حتى أدرك إسحاق، وهو يمشي على إثر أبيه، فقال له: أين أصبح أبوك غادياً بك؟ قال: غدا بي لبعض حاجته، قال الشيطان: لا والله ما غدا بك لبعض حاجته، ولكنه غدا بك ليذبحك، قال إسحاق، ما كان أبي ليذبحني، قال: بلى، قال: لِمَ؟ قال: زعم أن ربه أمره بذلك. قال إسحاق: فوالله لئن أمره بذلك ليطيعنه. فتركه الشيطان وأسرع إلى إبراهيم، فقال: أين أصبحت غادياً بابنك؟ قال: غدوت به لبعض حاجتي، قال: أما والله ما غدوت به إلا لتذبحه، قال: لِمَ أذبحه؟ قال: زعمت أن ربك أمرك بذلك، قال إبراهيم: فوالله (إِنْ) كان أمرني بذلك لأفعلن. قال كعب: أوحى الله إلى إسحاق أني أعطيتك دعوة استجبت لك فيها، قال: إسحاق: اللهم إني أدعوك أن تستجيب لي، أيما عبد لقيك من الأولين والآخرين لا يشرك بك شيئاً فأدخله الجنة. وروي أن الكبش الذي فدي به هو الكبش الذي تُقُبِّلَ من ابن آدم حين قربه. وقال ابن عباس: "بذبح عظيم" (بكبش قد) رعى في الجنة أربعين سنة. وقال الحسن: ما فدي إلا بتيس من الأروي أُهْبط عليهما من ثبير. وقيل: فدي بوعل. والوعل: التيس الجبلي. وأجاز بعض العلماء نسخ الشيء قبل فعله، واستدل بأن هذه الآية قد نسخ الله فيها الأمر بالذبح بالفداء (له) بالكبش قبل فعله. ومثله عنده أمر الله النبي ﷺ بفرض خمسين صلاة، ثم رده إلى خمس. ومثله الأمر بالصدقة قبل مناجاة النبي ﷺ في سورة المجادلة، ثم نسخه بالترك. [وقال غيره: لا يجوز في هذا نسخ لأنه بَدَاء، لو قلت: قم، ثم قلت لا تقم لكان] بداء، وذلك لا يجوز على الله جل ذكره بل فعل إبراهيم ما أمر به من أخذ السكين والإضجاع وغير ذلك. وهذا عند الحذاق من العلماء، إنما هو من تأخير البيان. ومن قال: إنه نسخ، فإنما فعل ذلك لأن تأخير البيان لا يجوز عنده، وهو (الغاساني). ولو جاز أن يقال: إن هذا منسوخ لجاز في قوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧] ثم بَيَّنَهَا بعد ذلك فيكون البيان ناسخاً لما تقدم، وهذا لم يقله أحد. ويدل على جواز تأخير البيان قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٩]. وثم تدل على التراخي. وقد بينا هذا في كتاب "الناسخ والمنسوخ" بأبين من هذا. ويروى أن إبراهيم ﷺ لمَّا أراد أن يذبح ابنه قال له: اربطني، فلما أسلما لأمر الله ووضع السكين على حلقه، بعث الله نحاساً فكان على حلقه فجر على النحاس، ثم نودي فالتفت فرأى الذبح وراءه، فقال إبراهيم: يا بني إنك نبي وإن لك لدعوة أُعطيتَها كما أُعطي الأنبياء فاسأله، فقال إسماعيل: وإني أسأل أن يغفر لكل عبد مات ولا يشرك به شيئاً.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.