الباحث القرآني

جديد: تطبيق «تراث»
قوله تعالى ذكره: ﴿وَٱنطَلَقَ ٱلْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ ٱمْشُواْ﴾ - إلى قوله - ﴿قَبْلَ يَوْمِ ٱلْحِسَابِ﴾. أي: وانطلق الأشراف من مشركي قريش القائلين: ﴿أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَاحِداً﴾، يقولون للعوام: أمشوا واصبروا على عبادة آلهتكم، أي: اصبروا على دين آبائكم. وكان لهم يومئذ ثلاث مائة صنم وستون صنماً يعبدونها من دون الله سبحانه وروي أن قائل ذلك كان عقبة بن أبي معيط. * * * وقوله: ﴿أَنِ ٱمْشُواْ﴾، معناه: تناسلوا، كأنه دعا لهم بالنماء وهو من قول العرب: مَشَى الرجل وأُمْشَى إذا كثرت ماشيته، وأمشت المرأة: كَثُرَ وَلَدُها. قال الشاعر: ؎ ........................ ∗∗∗ * والشَّاةُ لا تُمْشَى على الهمَلَّعِ أي: لا تُنْهى عن الذنب. (والهملع: الذئب). ثم قال عنهم إنهم قالو: ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾، أي: لشيء يريد بنا محمد - ﷺ - يطلب علينا الاستعلاء به، وأن يكون له فينا اتباع. ثم قالو: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا فِى ٱلْمِلَّةِ ٱلآخِرَةِ﴾. قال ابن عباس: يعنون النصرانية دين عيسى. أي: لم نسمع في دين عيسى ﷺ أن محمداً يبعث رسولاً إلينا ولا يأتينا بكتاب. ﴿إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ ٱخْتِلاَقٌ﴾، أي: ما هذا إلا كذب. وعن ابن عباس أن المعنى: لو كان هذا القرآن حقاً لأخبرنا به النصارى. وقال مجاهد: معناه ملة قريش. وقال قتادة: معناه في زماننا وديننا. قال أبو اسحاق: ﴿فِى ٱلْمِلَّةِ ٱلآخِرَةِ﴾: في النصرانية ولا في اليهودية ولا فيما أدركنا عليه آباءنا. * * * ثم قال: ﴿إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ ٱخْتِلاَقٌ﴾، أي: ما هذا الذي أتانا به محمد ﷺ إلاّ كذب اختلقه وتخرصه وابتدعه حسداً منهم لمحمد ﷺ. ودل على أنه حسد منهم قوله عنهم: ﴿أَءُنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا﴾، أي: كيف خُصَّ محمد بنزول القرآن عليه من بيننا. وهذا كقولهم: ﴿وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] أي: من إحدى القريتين، يعنون: مكة والطائف، يعنون: الوليد بن المغيرة المخزومي من أهل مكة، وعروة بن مسعود الثقفي من أهل الطائف. والمعنى: على أحد رجلين من إحدى القريتين. * * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ هُمْ فَي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي﴾، أي: في شك من القرآن. ﴿بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ﴾، أي: لم يذوقوا العذاب، ولو ذاقوه لأيقنوا حقيقة ما هم فيه وعلموا أن الذين كذَّبوا به حق. * * * ثم قال: ﴿أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ ٱلْعَزِيزِ ٱلْوَهَّابِ﴾، أي: أم عند هؤلاء المكذبين مفاتح ربك وعطاياه، فَيَخُصُّوا من شاءوا بالرسالة. العزيز في سلطانه، الوهاب لمن يشاء من خلقه ما يشاء من رسالته وكرامته. ثم قال جل ذكره: ﴿أَمْ لَهُم مُّلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُواْ فِى ٱلأَسْبَابِ﴾، أي: إن كان لهم مُلْكُ ذلك فليصعدوا في أبواب السماء أو طرفيها، لأن من كان له ملك ذلك لم يتعذر عليه الصعود فيه، هذا معنى قول مجاهد وقتادة وابن زيد وقال الضحاك: فليرتقوا إلى السماء السابعة. وقال الربيع بن أنس: الأسباب أَرَقُّ من الشعر وأشَدُّ من الحديد، وهو مكان ولكن لا يُرى. والسبب هو: كل شيء يوصل به إلى المطلوب من حبل أو جبل أو ستر أو رحم أو قرابة أو طريق أو باب. يقال: رَقِيَ يَرْقَى رَقْياً إذا صعد، كرَضِيَ يرضى. ومثله: ارتقى يرتقي إذا صعد ويقال: رقى يرقِي رقياً من الرقية مثل: رمى يرمي رمياً. * * * ثم قال: ﴿جُندٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِّن ٱلأَحَزَابِ﴾. يعني بقوله: ﴿جُندٌ مَّا هُنَالِكَ﴾: الذين قال فيهم: ﴿بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ﴾ وهم أشراف قريش الذين هُزِموا وقُتلوا يوم بدر. والتقدير: هم جند مهزوم هنالك. * * * ومعنى ﴿مِّن ٱلأَحَزَابِ﴾: من القرون الماضية. قال قتادة: وعد الله تعالى نبيه ﷺ وهو بمكة أنه سيهزم جنداً من المشركين، فجاء يوم بدر تأويلها. وقال الفراء: معناه: هم جند مغلوب أن يصعد السماء. وقيل: هم الأحزاب الذين تحزبوا على رسول الله ﷺ فأتوا إلى المدينة فهزمهم الله عز وجل بالريح والخوف. فأعلم الله عز وجل نبيه ﷺ ومن معه من المؤمنين أنه سيتحزب عليهم المشركون، وأنهم سيُهزمون. فكان في ذلك أبين دلالة لهم على نبوة محمد ﷺ وصِدْقِه في جميع ما يَعِدُهُم به، ولذلك قال تعالى: ﴿وَلَمَّا رَأَى ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلأَحْزَابَ قَالُواْ هَـٰذَا مَا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [الأحزاب: ٢٢] الآية لأنه أخبرهم بذلك وهم في مكة ثم جاءهم ما أخبرهم به وهم في المدينة. ثم قال تعالى ذكره: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾، أي: قبل قريش، وكذلك عاد ﴿وفِرْعَوْنُ ذُو ٱلأَوْتَادِ﴾. فرعون هو: الوليد بن مصعب. وقيل هو: مصعب بن الديان. وقيل: كان يسمى كل من مَلَكَ مصر فرعون، كما يسمى كلُّ من ملك اليمين تُبّعاً، ومن مَلَكَ فارس كسرى، ومن مَلَكَ الروم قيصر وهرقل. قال المبرد: كَسرى بالفتح. وقال غيره: بالكسر. وإنما نُعِتَ فرعون بالأوتاد لأنه كانت له أوتاد يلعب له عليها؛ قاله ابن عباس وقتادة وابن جبير. وقال السدي: كان يُعذِّب الناس بالأوتاد؛ يعذبهم بأربعة أوتاد، ثم يرفع (الصخرة تمد بالحبال) ثم تُلقى عليه فتشدخه. وقال الضحاك: ﴿ذُو ٱلأَوْتَادِ﴾: ذو البُنيان. وقد تقدم ذكر الأيكة في الشعراء. * * * وقوله: ﴿أُوْلَـٰئِكَ ٱلأَحْزَابُ﴾، أي: الجماعة المتحزبة على معاصي الله تعالى والكفر به سبحانه وتعالى. * * * ثم قال: ﴿إِن كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ﴾، أي: ما كل هؤلاء الأمم إلا كذب الرسل فيما جاؤهم به. ﴿فَحَقَّ عِقَابِ﴾، أي: وجب عليهم عقاب الله تعالى ثم قال تعالى: ﴿وَمَا يَنظُرُ هَـٰؤُلآءِ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ﴾، أي: وما ينتظر هؤلاء المشركون بالله سبحانه إلا صيحة واحدة - وهي النفخة الأولى في الصور - ما لها من فتور ولا انقطاع. وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "لَمَّا فَرَغَ الله مِنْ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ خَلَقَ الصُّورَ وأَعْطَاهُ إسْرَافِيلَ. فَهْوَ واضِعُهُ عَلَى فِيهِ، شَاخِصٌ بَصَرُهُ إلى الْعَرْشِ يَنْتَظِرُ مَتَى يُؤْمَرُ. قال أبو هريرة: يا رسول الله، وما الصُّورُ؟ قال: قَرْنٌ. قال: وكيف هو؟ قال: قَرْنٌ عَظِيمٌ يُنْفَخُ فِيه ثَلاَثَ نَفَخَاتٍ: نَفْخَة الفَزَعِ، فَيَفْزَعُ أهْلُ السَّماواتِ وأهْلُ الأرْضِ إلاَّ مَنْ شَاءَ اللهَ. وَيَأْمُرهُ الله فَيُدِيُمَها وَيُطَوِّلُهَا فَلاَ تَفْتُرُ. وَهِيَ التَّي يَقُولُ اللهُ جَلّ وعزّ: ﴿وَمَا يَنظُرُ هَـٰؤُلآءِ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ﴾ وقال ابن عباس: ﴿فَوَاقٍ﴾: ترداد. وعنه: من رجعة وقال مجاهد: "من رجوع". وقال قتادة: من مثنوية ولا رجوع (ولا ارتداد). وقال السدى: معناه: ما لهؤلاء المشركين بعد ذلك من إفاقة ولا رجوع إلى الدنيا. وقال ابن زيد معناه: ما ينتظر هؤلاء المشركون إلا عذاباً يهلكهم. فالصيحة عنده: العذاب. ﴿مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ﴾، أي لا يفيقون منها كما يفيق الذي يُغشى عليه. وأصل هذا من فواق الناقة، وهو ما بين الحلبتين من الراحة. فالمعنى: ما لها من راحة، أي: لا يروحون حتى يتوبوا ويرجعوا عن كفرهم. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْحِسَابِ﴾، أي: وقال هؤلاء المشركون من قريش: عجل لنا كتابنا قبل يوم القيامة. والقط في كلام العرب: الصحيفة المكتوبة. فإنما سألوا تعجيل حظهم من العذاب، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة. فهو مثل قولهم: " ﴿ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ﴾ [الأنفال: ٣٢]" الآية. وقال السدي: إنما سألو تعجيل رؤية حظهم من الجنة ورؤية منازلهم ليعلموا حقيقة ما يعدهم به محمد ﷺ. وقال ابن جبير: سألو تعجيل حظهم من الجنة يتنعمون به في الدنيا. وقيل: إنما سألو تعجيل رزقهم قبل وقته. وقيل: إنما سألو تعجيل كتبهم التي تؤخذ بالإيمان والشمائل، لينظروا أبأيمانهم يعطونها أم بشمائلهم، فيعلمون أمن أهل الجنة هم أم من أهل النار، استهزاء منهم بالقرآن وبوعد الله جل ذكره.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.