الباحث القرآني

قوله: ﴿يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيۤ أَوْلَٰدِكُمْ لِلذَّكَرِ﴾ الآية. ومعنى قوله ﴿إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً﴾ معناه: لم يزل كذلك، كأن القوم عاينوا حكمة وعلماً، فأعلمهم الله أنه لم يزل كذلك هذا مذهب سيبويه. وقال المبرد: ليس في قوله: (كان) دليل على نفي أنه كان ذلك في الحال وفي الاستقبال. وفيها قول ثالث وهو: أن كان يخبر بها عن الحال كما قال: ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي ٱلْمَهْدِ صَبِيّاً﴾ [مريم: ٢٩]، وقول رابع: أن الإخبار من الله عز وجل في الماضي والمستقبل واحد لأنه عنه معلوم. * * * ومعنى ﴿يُوصِيكُمُ﴾ يفرض عليكم فلفظه لفظ الخبر، ومعناه الإلزام كما قال:- ["ذلكم وصاكم به أي فرضه عليكم". وقيل معناه: يعهد إليكم إذا مات منكم ميت وخلف] أولاداً أن يقسم عليهم على كذا وكذا. * * * وقوله: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلأُنْثَيَيْنِ﴾ وما بعده هو تفسير ما وصاهم به، بين الله للنبي ﷺ وأمته الواجب في مواريث من مات منهم في هذه السورة ونسخ به ما كان عليه أهل الجاهلية من توريث الأولاد المقاتلة دون الصغار وتوريث الذكور دون الإناث. وقال مجاهد وغيره كانت الوصية للوالدين والأقربين، فنسخ الله تعالى بما أحب وفرض هذه السورة ما قد نص عليه. وروي أن هذه الآية نزلت لما استشهد سعد بن الربيع يوم أحد، وترك بنتين وامرأة، وأباه الربيع، فأخذ أبوه جميع ما ترك على ما كانوا عليه في الجاهلية، فأتت امرأة سعد النبي ﷺ فشكت ذلك إليه مرتين وهي تبكي، وتذكر فقر بنيها، وأنه لا أحد يرغب فيهما لفقرهما، فنزلت آية المواريث ﴿يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيۤ أَوْلَٰدِكُمْ﴾. قال أبو محمد: وقد كان هذا في علم الله عز وجل أنه سيفرضه علينا، ويجعل لإنزاله علينا سبباً، وكذلك جميع ما أنزله علينا من الفرائض وغيرها، قد تقدم علمه بذلك لا إله إلا هو. * * * قوله: ﴿فَإِن كُنَّ نِسَآءً﴾ أي فإن كان المتروكات نساء. * * * وقوله: ﴿فَوْقَ ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ (فرض الله تعالى لما فوق الاثنين من النساء: الثلثين، وليس للاثنين فرض مسمى، فقال قوم "فوق" هاهنا زائدة والمعنى فإن كان المتروكات نساء اثنتين فلهن ثلثاً ما ترك) كما قال: ﴿فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلأَعْنَاقِ﴾ [الأنفال: ١٢] فيكون على هذا القول لا فرض لما فوق الاثنتين، والقول فيها إن فرض الاثنتين غير منصوص عليه لكن يعطين بالإجماع بدليل النص (الثلثين). والدليل: هو أن الله تعالى جعل فرض الاثنين من الأخوات: الثلثين بالنص، والابنتان أمس قرابة، وأقرب من الأختين، فوجب ألا ينقص عن فرض الأختين، وأيضاً فإن الله تعالى جعل [فرض] الأختين للأم كفرض ما فوق ذلك، (فكذلك يجب أن يكون فرض الابنتين كفرض [الأختين] فما فوق). ودليل آخر وهو أنه جعل فرض الأخت كفرض البنت، فيجب أن يكون فرض البنتين كفرض الأختين، وكذلك أعطى الأخوات الجماعة الثلثين قياساً على فرض البنات المنصوص عليه، وكان المبرد يقول: إن في الآية دليلاً على أن فرض البنتين: الثلثان، وهو أنه قال: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلأُنْثَيَيْنِ﴾ (فأقل العدد ذكر وأنثى، فإذا كان للواحدة الثلث دل ذلك على أن للاثنتين) الثلثين. وقيل: (إن) الابنة لما وجب لها مع أخيها في مال أبيها الثلث، كانت أحرى أن يجب لها في مال أبيها مع أختها أيضاً الثلث، ويكون لأختها معها مثلما وجب لها وهو الثلث، فوجب للابنتين الثلثان بهذا الاستدلال. والهاء في ﴿لأَبَوَيْهِ﴾ تعود على الميت، ولم يجر له ذكر، لكن الكلام يدل عليه، والأولى من هذا كله أن تكون الابنتان أعطيتا الثلثين لفعل النبي ﷺ فقد روي عنه أنه أعطى للابنتين الثلثين. وقيل: أُعطيتا الثلثين بالإجماع. والأولاد فيما ذكر الله تعالى هم أولاد الصلب الذكور والإناث وولد الابن خاصة وإن سفلوا الذكور والإناث، وكذلك ولد ابن الابن وابن ابن الابن إذا نسب إلى الميت من قبل آبائه والأعلى يحجب الأسفل إلا أن يكون الأعلى أنثى، فإن لها ما للبنت، والباقي لمن هو أسفل منهما من ولد الابن إذا كان فيهم ذكر، ولهذا تبيين يطول ذكره، وهو مذكور في كتاب الفرائض، وكذلك الابنتان لهم الثلثان والباقي لمن هو أسفل منهما إذا كان فيهم ذكر. * * * قوله: ﴿فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ الآية. مذهب بعض الصحابة وبعض الفقهاء أن الإخوة الذين يحجبون الأم عن الثلث إلى السدس هم ثلاثة فما فوق ذلك لقوله (إخوة فأتى بلفظ الجمع)، وقال أكثرهم، وكثير من الفقهاء (وإن كانوا أخوة، رجالاً ونساءً) وهو مذهب زيد الاثنان يحجبان الأم كالثلاثة والإخوة في الآية يراد بهم اثنين فما فوقهما، وإنما جاز أن يقع لفظ الجماعة للاثنين لأنهما شبها بالشيء الذي ليس في الإنسان منه غير عضو (واحد) كقولك: الزيدان صغت قلوبهما وخرجت أنفسهما، وفقئت أعينهما، فلما جمع في موضع التثنية كان هو المشهور عن العرب، وأتى به القرآن، شبه الشخصان بالأعضاء التي في كل واحد منهما عضو واحد في موضع التثنية (كما يجمع الأعضاء في موضع التثنية). والشبه الذي بينهم هو أن الشخصين كل واحد غير صاحبه كذلك الأعضاء كل واحد غير الآخر، فأخرج تثنيتهما بلفظ تثنية العضوين. وقال بعض النحويين: ضمك واحد إلى اثنين كضمك واحداً، إلى واحد. وقال: [الخليل]: الاثنان جماعة، وقولهما فعلنا حقيقة، وقول الواحد فعلنا مجاز، وقد قال تعالى: ﴿وَإِن كَانُوۤاْ إِخْوَةً رِّجَالاً وَنِسَآءً﴾ ولا اختلاف أن هذا يصلح لاثنين فصاعداً. والاثنان جماعة لأنه ضم واحد إلى واحد وجمع واحد إلى واحد وقد قال تعالى: ﴿وَأَطْرَافَ ٱلنَّهَارِ﴾ [طه: ١٣٠] يريد طرفيه إذ ليس له سوى طرفين، وقد قال النبي ﷺ (صلاة) الاثنين جماعة وقال تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي ٱلْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ ٱلْقَوْمِ﴾ [الأنبياء: ٧٨] ثم قال بعقب ذلك ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨] فأخبر أولاً عن اثنين ثم أتى بلفظ الجمع آخراً لأن الاثنين جماعة. وقال بعض المفسرين في قوله تعالى: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُّسْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء: ١٥]. أراد به موسى وهارون المتقدم ذكرهما، وقال في قوله: ﴿أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لاَّ يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة: ١٨] وإنما أراد به علياً رضي الله عنه والوليد، فجمع (يستوون). وقالوا في قوله: ﴿وَأَلْقَى ٱلأَلْوَاحَ﴾ [الأعراف: ١٥٠] أنهما كانا لوحين فجمع في موضع التثنية، وقالوا في قوله: ﴿أُوْلَـٰئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ [النور: ٢٦] أنهما عائشة رضي الله عنها وصفوان ابن المعطل، فجمع، والناس يقولون: شهد الشهود على فلان وإن كان إنما شهد عليه شاهدان. ويقولون: أعط هذا لأولادك وإن كان ليس له إلا ولدان، وأهل الحساب على تسمية الاثنين عدداً والعدد كثير في المعنى. وإنما نقصت الأم بالإخوة (وزيدت للأب) لأن على الأب مؤنتهم دون الأم. * * * قوله: ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَآ أَوْ دَيْنٍ﴾ الآية. "أو" هنا للإباحة، والكلام فيه تقديم وتأخير، والدين هو المتقدم على الوصية وليست "أو" بمعنى الواو، لأن الواو لو كانت لجاز أن يتوهم أن الحكم لا ينفذ إلا باجتماع الدين والوصية. * * * قوله: ﴿آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً﴾ المعنى لا يعلمون أيهم أقرب لهم نفعاً في الدنيا والآخرة. وقال ابن عباس: لا تدرون أيهم أرفع درجة في الجنة، لأن الآباء يشفعون في الأبناء والأبناء يشفعون في الآباء إذا كان [بعضهم] أعلى درجة من بعض رفع الأسفل إلى الأعلى. فالمعنى على هذا لا تدرون في الدنيا أيهم أقرب لكم نفعاً في الآخرة. وفرض الزوج والزوجة ظاهر في النص غير خفي، فلذلك لم يذكر. * * * قوله: ﴿فَرِيضَةً﴾ منصوب على الحال المؤكدة لما قبلها من الفرض، وقيل: هو مصدر لأن معنى قوله ﴿يُوصِيكُمُ﴾ يفرض عليكم. ثم قال: ﴿فَرِيضَةً﴾ فأعمل فيه المعنى الذي دل عليه يوصيكم، وهذا قول حسن.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.