الباحث القرآني

قوله: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي ٱلنِّسَآءِ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ ...﴾ الآية. "ما" في قوله: ﴿وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ﴾ في موضع رفع عطف على اسم الله عز وجل. "وما" هو القرآن. أي الله يفتيكم فيهن، والقرآن يفتيكم فيهن أيضاً، وهو قول ابن عباس وغيره. وقال الفراء، ﴿مَا﴾ في موضع خفض عطف على الضمير في ﴿فِيهِنَّ﴾ أي: الله يفتيكم في النساء، وفيما يتلى عليكم يفتيكم، وهو غلط عند البصريين لأنه عطف ظاهر على مضمر مخفوض. وقيل ﴿مَا﴾ في موضع رفع بالابتداء، و ﴿مَا﴾ القرآن أيضاً على معنى: (ما يتلى عليكم يفتيكم). * * * قوله: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ﴾. المعنى عن أن، وأن في موضع نصب بحذف الخافض. وقيل المعنى: وترغبون في أن تنكحوهن، والإعراب واحد، والمعنى مختلف معنى قول من أضمر "عن" إنهم لا يريدون نكاحهن ومن أضمر "في" فمعناه أنهم يريدون نكاحهن ويرغبون في ذلك. * * * قوله: ﴿وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ عطف على يتامى النساء، أي يتلى عليكم في يتامى النساء، وفي المستضعفين. ومعنى الآية: إن أهل الجاهلية كانوا لا يورثون المولود حتى يكبر، ولا يورثون المرأة، فلما كان الإسلام سأل المؤمنون النبي ﷺ عن ذلك، فقال الله عز وجل لنبيه ﷺ: ﴿قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَٰبِ﴾ يفتيكم أيضاً يعني ما في أول السورة من الفرائض في اليتامى. قالت عائشة: "هذا في اليتيمة تكون عند الرجل لعلها أن تكون شريكته في ماله، وهو أولى بها من غيره فيرغب عنها أن ينكحها ويعضلها لما لها فلا يُنكحها غيره كراهة أن يشركه أحد في مالها". فهذا التفسير يجري على قول من أضمر "عن" مع "أن". وقال ابن جبير: كان لا يرث إلا الرجل الذي قد بلغ، ولا يرث الصغير ولا المرأة، فلما نزلت المواريث في أول النساء توقفوا، ثم سألوا النبي ﷺ عن ذلك، فأنزل الله عز وجل ﴿قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَٰبِ﴾ أي: في أول السورة، قال وكان الولي إذا كانت عنده المرأة ذات الجمال والمال رغب فيها ونكحها، وإن لم تكن ذات جمال ومال أنكحها غيره. وقال النخعي: كان الرجل إذا كانت عنده يتيمة دميمة لم يعطها ميراثها وحبسها عن التزويج حتى تموت فيرثها فنهى الله عز وجل عن ذلك ﴿وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَٰبِ فِي يَتَٰمَى ٱلنِّسَآءِ ٱلَّٰتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ﴾ أي: عن أن تنكحوهن، وذلك كله كان في الجاهلية. وقال ابن جبير ﴿وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَٰبِ﴾ هو ما أتى في آخر السورة قوله: ﴿إِن ٱمْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٧٦]. روى أن عمرة بنت عمرو بن حزم، كانت تحت سعد بن الربيع، فقتل يوم أحد، فكانت لها منه ابنة، فأتت عمرة النبي ﷺ تطلب ميراث ابنتها من أبيها، فنزلت الآية في ابنتها، وكان أمرهم في الجاهلية، أن الرجل إذا مات ورث أكبر ولده ماله كله. وقيل: المعنى: ﴿قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ وفيما ﴿وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَٰبِ فِي يَتَٰمَى ٱلنِّسَآءِ﴾ والذي يتلى هو قوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي ٱلْيَتَامَىٰ فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ﴾ [النساء: ٣]. فما في موضع خفض على هذا التأويل. وقيل: المعنى ﴿قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ والقرآن يفتيكم وهو قوله: * * * ﴿فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثْنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَ﴾. ﴿وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ﴾ أي ترغبون عن نكاحهن لدمامتهن وفقرهن. وقيل: المعنى وترغبون في نكاحهن وذلك لمالهن وحسنهن. واختار الطبري أن يكون المعنى: وترغبون عن نكاحهن لأنهم إنما عيب عليهم أن يأخذوا مالها ويحبسوها ولا ينكحوها، ولم يعب عليهم نكاحها إلا إذا لم يعطوها صداق مثلها، ولم يذكر هنا الصداق فالمعنى أنهم لا يعطونهم ميراثهن ويرغبون عن نكاحهن. * * * قوله: ﴿وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلْوِلْدَٰنِ﴾ أي: ﴿وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَٰبِ فِي يَتَٰمَى ٱلنِّسَآءِ﴾ وهي اليتيمة يأخذ مالها ولا يتزوجها ولا يزوجها، وفي المستضعفين من الصبيان كانوا لا يورثون إلا بالغاً. ﴿وَأَن تَقُومُواْ﴾ أي: وفي أن تقوموا لليتامى بالقسط تعطوا الصغير والكبير حقه، وفرضه الذي نص الله عز وجل عليه لكم هو ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] والذي أفتاهم في اليتامى قوله ﴿وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَهُمْ إِلَىٰ أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢]. وقيل هو: ﴿وَآتُواْ ٱلْيَتَامَىٰ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ ٱلْخَبِيثَ بِٱلطَّيِّبِ﴾ [النساء: ٢]. والذي يتلى عليكم في التزويج هو قوله: ﴿فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثْنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَ﴾ [النساء: ٣]. * * * قوله: ﴿وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ﴾ أي: ما تفعلوا من عدل في اليتامى، فإن الله لم يزل عالماً بما هو كائن منكم من ذلك.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.