الباحث القرآني

قوله: ﴿يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ بِٱلْقِسْطِ ...﴾ الآية. * * * قوله: ﴿إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَٱللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا﴾ وقال الأخفش: "أو" بمعنى الواو، فلذلك قال: "بهما" ولم يقل به. وقيل: المعني: إن يكن المتخاصمان غنيين أو فقيرين. وقيل: هو مثل قوله ﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا [ٱلسُّدُسُ]﴾ [النساء: ١٢]. وقيل: لما كان المعنى فالله أولى بغنى الغني، وفقر الفقير، رد الضمير عليهما. وقيل: إنما رجع الضمير إليهما لأنه لم يقصد فقيراً بغني، فجاء الرد عليهما: بالتثنية، وبالتوحيد وبالجمع. ومعنى الآية: "إن الله تعالى تقدم إلى عباده أن يقوموا بالقسط أي: بالعدل، ولو على أنفسهم أو والديهم أو قرابتهم ولا يكونوا كالذين قالوا لطعمة بغير القسط لقرابته منهم. والقسط: العدل. وأن لا يميلوا لفقر فقير، ولا لغنى غني، فيجوروا. ﴿فَٱللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا﴾ أي أحق بهما لأنه خالقهما، ومالكهما دونكم ﴿فَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلْهَوَىٰ﴾ في الميل مع أحدهما. والشهادة على نفسه هو أن يقر بها عليه. وقيل: إن الآية نزلت في النبي ﷺ، تخاصم إليه غني وفقير، فكان ميله مع الفقير يروى أنه لا يظلم الغني لفقره. وقيل: نزلت في الأمر بالشهادة بالحق، وترك الميل مع الغني لغناه، أو مع فقير لفقره. قال ابن شهاب: كان فيما مضى من السلف الصالح تجوز شهادة الوالد لولده والأخ لأخيه ويتأولون في ذلك قول الله ﴿كُونُواْ قَوَّٰمِينَ بِٱلْقِسْطِ شُهَدَآءَ للَّهِ وَلَوْ عَلَىۤ أَنْفُسِكُمْ أَوِ ٱلْوَٰلِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ﴾ فلم يكن يتهم أحد في ذلك من السلف الصالح ثم ظهرت من الناس أمور حملت الولاة على اتهامهم، فتركت شهادة من يتهم، وصار ذلك لا يجوز في الولد والوالد والأخ والزوج والمرأة. ومذهب الحسن البصري والنخعي والشعبي، وشريح ومالك والثوري والشافعي وأحمد بن حنبل أنه: لا تجوز شهادة الوالد لولده. وقد أجاز قوم شهادة بعضهم لبعض إذا كانوا عدولاً. وروي عن عمر رضي الله عنه أنه أجازه، وكذلك روي عن عمر بن عبد العزيز، وبه قال إسحاق وأبو ثور والمزني. ومذهب مالك رضي الله عنه جواز شهادة الأخ لأخيه إذا كان عدلاً [إلا] في النسب. وروى ابن وهب عنه: أنها لا تجوز إذا كان في عياله أو في نصيبه مال يرثه. ولا تجوز عند مالك شهادة الزوج والمرأة أحدهما للآخر، وأجازه الشافعي. ولا تجوز شهادة الرجل المصاحب له بصلة، أو بعطف عليه عند مالك. وكذلك لا تجوز شهادة رجل لرجل، والشاهد [في عيال] المشهود له، قوله ﴿وَإِن تَلْوُواْ﴾ هي مخاطبة للحكام، فالمعنى: وإن تلووا أيها الحكام، في الحكم لأحد الخصمين على الأخر أو تعرضوا، فإن الله لم يزل خبيراً بما تعملون. وقال ابن عباس: هما الرجلان يجلسان بين يدي القاضي فيكون لَيُ القاضي وإعراضه لأحدهما على الآخر. وقيل: هي مخاطبة للشهداء، والمعنى أن تلووا أيها الشهداء ألسنتكم بغير الحق، أو تعرضوا عن الحق. وقيل: أو "تعرضوا" عن الشهادة فتتركوها. وقال مجاهد: ﴿وَإِن تَلْوُواْ﴾ تبدلوا الشهادة: ﴿أَوْ تُعْرِضُواْ﴾ أي: تكتموها كذلك قال قتادة والسدي. قال ابن زيد: ﴿وَإِن تَلْوُواْ﴾ تكتموا بعضها، أو تعرضوا [تكتموها] فتأتوا الشهادة، تقول: أكتم عن هذا أنه مسكين، رحمة به، ويقول: هذا غني أتقيه، وأرجو ما قِبَلَه، فهو قوله ﴿إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَٱللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا﴾ أي: إن يكن المشهود عليه غنياً أو فقيراً، فأقيموا الشهادة عليه لأن الله أولى به. ﴿فَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلْهَوَىٰ﴾ في ألا تعدلوا: ﴿وَإِن تَلْوُواْ﴾ تغيروا الشهادة ﴿أَوْ تُعْرِضُواْ﴾ تكتموها ﴿وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ مجازيكم ومن قرأ ﴿وَإِن تَلْوُواْ﴾ بواو فيحتمل أن تكون مثل تلوا من اللي ولكن أبدلت من الواو المضمومة همزة، ثم ألغيت حركتها على اللام على أصل التسهيل، ويكون المعنى واحداً. ويجوز أن يكون من الولاية، قال ذلك الكسائي، فيكون المعنى وإن تلوا شيئاً من الشهادة، فتبلغوه على حقه، ولا تجوروا فيه ﴿أَوْ تُعْرِضُواْ﴾ أي: تتركوا تبليغه فتكتموه، فإن الله لم يزل خبيراً بأعمالكم.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب