الباحث القرآني

جديد: تطبيق «تراث»
قوله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بَآيَاتِ ٱللَّهِ﴾ الآية. المعنى: وينقض هؤلاء الذين تقدمت صفتهم: الميثاق - وهو كتمانهم أمر النبي ﷺ، وقد أخذ عليهم ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٨٧] وكفرهم بآيات الله أي: بإعلامه وأدلته وبـ ﴿وَقَتْلِهِمُ ٱلأَنْبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ وبـ ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ أي: عليها غشاوة وأغطية عما يقول، فلا نفهمه عنك، فأخبر الله عز وجل بكذبهم في قولهم، وقال ﴿بَلْ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ أي: ليست بغلف، ولكن طبع الله عليها طابعاً من أجل كفرهم بالله ﴿فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ لأنهم إنما صدقوا ببعض الأنبياء، فإيمانهم قليل لأنهم قد كذبوا بأكثر الأنبياء فيما جاءوا به، ومن كذب بالبعض، فهو مكذب بالكل من جهة أن الذي صدق به من نبي وكتاب يصدق ما كذب به هو ويقرب بصحته وهذا كلام متصل بما قبله. والمعنى: فبنقضهم ميثاقهم وبكفرهم، وبكذا وبكذا أخذتهم الصعقة. قال الطبري: هذا غلط لأن الذين أخذتهم الصاعقة قوم موسى ﷺ، والذين رموا مريم بالبهتان بعدهم بدهر طويل، فهؤلاء غير هؤلاء. والذي قال الطبري لا يلزم، لأن اليهود قد تأخروا، وهم الذين طالبوا عيسى ﷺ بالصاعقة، وإن لم تأخذهم بأعيانهم، فقد أخذت آباءهم. فالمراد آباؤهم على ما مضى في البقرة وفي غيرها لأنهم راضون بما كان عليه آباؤهم من الكفر فلهم من الحكم ما لآبائهم إذ هم على مذهبهم. وقال قتادة: ﴿لَعنَّاهُمْ﴾ محذوف من الكلام كأنه: فبنقضهم ميثاقهم وفعلهم كذا وكذا لعناهم وهو اختيار الطبري. قال: ودل على المحذوف قوله: ﴿بَلْ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ لأن من طبع الله على قلبه فقد لعنه الله وغضب عليه. وقيل: المعنى: فبنقضهم ميثاقهم وفعلهم كذا (وقولهم كذا). طبع الله عليها. وقال الزجاج: المعنى: فبنقضهم ميثاقهم حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم. * * * قوله: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَىٰ مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً﴾ ﴿وَبِكُفْرِهِمْ﴾ أي: بمحمد ﷺ ﴿وَقَوْلِهِمْ عَلَىٰ مَرْيَمَ﴾ هو أنهم رموها بالزنا ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا ٱلْمَسِيحَ﴾ أي: بدعواهم ذلك، فأكذبهم الله في ذلك، فقال: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ﴾. قيل: إن اليهود أحاطوا بعيسى ومن معه وهم لا يشبهون عيسى بعينه فحولوا جميعاً في صورة عيسى، فأشكل عليهم أمر عيسى، فخرج إليهم بعض من كان في البيت مع عيسى، فقتلوه وهم يحسبون أنه عيسى. قال وهب بن منبه: أتى عيسى ومن معه سبعة عشر من الحواريين في بيت، فأحاط بهم اليهود، فكلما دخلوا عليهم صورهم الله كلهم على صورة عيسى، فقالوا لهم: سحرتمونا لتبرزن لنا عيسى أو لنقتلنكم جميعاً، قال عيسى لأصحابه: من يشتري اليوم نفسه بالجنة؟ قال رجل منهم: أنا فخرج إليهم. فقال: أنا عيسى، فأخذوه وقتلوه، وهو على صورة عيسى، وصلبوه وظنوا أنه عيسى، وظنت النصارى مثل ذلك، إذا الصورة مشبهة، ورفع الله عيسى من يومه ذلك. وقيل: إنه كان محبوساً عند خليفة قيصر، فاجتمعت اليهود إليه فتوهم يريدون خلاصه، فقال: أنا أخليه لكم، فقالوا: بل نريد قتله، فرفعه الله إليه، فأخذ خليفة قيصر رجلاً فقتله، وقال لهم: قد قتلته، خوفاً منهم، وهو الذي شبه لهم. * * * قوله: ﴿وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ﴾ يعني اليهود الذين أحاطوا بعيسى، ومن معه وأرادوا قتله، وذلك أنهم كانوا عرفوا عدد من كان في البيت، قبل دخولهم فيما ذكر بعض أهل التأويل: فلما دخلوا فقدوا واحداً من العدد، ووجدوا الشبه فالتبس عليهم أمر عيسى بفقدهم واحداً من العدد، فقتلوا الذي عليه الشبه على شك. وقيل: إن شكهم فيه هو أن بعضهم زعم أنه الله وما قتل. وزعم بعضهم أنه ما قتل، فهم شاكون فيه. ودل على صحة شكهم قوله تعالى: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّ﴾ فقتلوا من قتلوا على شك لا على يقين وعلم. ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً﴾ أي: ما قتلوا لظنهم في المقتول أنه عيسى يقيناً، ولكنهم قتلوه على شك، فالهاء عائدة على الظن. قال ابن عباس: المعنى ما قتلوه ظنهم به يقيناً. وقال السدي: وما قتلوا أمره يقيناً أنه هو عيسى. وقال الفراء: المعنى: ما قتلوا العلم به يقيناً. وقيل المعنى: الذي شبه لهم إنه عيسى يقيناً، بل قتلوه على شك ﴿بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيْهِ﴾ أي عيسى. "ومن جعل الهاء تعود على العلم أو الظن أو النفس أو المشبه بعيسى وقف على يقيناً". "ومن جعلها تعود على عيسى وقف على قتلوه على النفي، ويكون يقيناً نعت لمصدر محذوف المعنى: قال هذا قولاً يقيناً". قال النحاس: إن قدرت أن يكون المعنى: "بل رفعه الله إليه يقيناً" فهو خطأ لأنه لا يعمل ما بعد بل فيما قبلها لضعف بل،... وكون الهاء تعود على عيسى قول خارج عن قول أهل التأويل. وقال بعض أصحاب حمزة": عيسى ابن مريم تمام. لأنهم لم يقروا بأنه رسول فليس بمتصل بما قبله. وقال نافع: ﴿لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ﴾ تمام. وأجاز ابن الأنباري الوقف على "قتلوه" على أن ينصب" يقيناً بإضمار فعل هو جواب القسم، تقديره: ولقد صدقتم يقيناً، ولقد أوضح لكم يقينه إيضاحاً يقيناً، ثم تبتدئ ﴿بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيْهِ﴾ مستأنفاً. * * * قوله: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً﴾ أدخله بعضهم في باب الاستعارة لأنه أريد به تحقيق الأمر واستيقانه. والاستعارة في كلام العرب باب، وهذا فصل نبين فيه نُبَذاً من معاني الاستعارة [فالاستعارة] معناها: أن نضع الكلمة في موضع ما هو قريب منها أو ما هو سببها، أو ما يشبه الآخر أي مقارب له بمعنى كقولك "النبات نوء" لأنه [عنه] يكون، والمطر سماء، لأنه منها ينزل، ويقولون "ضحكت الأرض" لأنها تبدي عن حسن النبات. وتفتر عنه كما يفتر الضاحك عن الثغر. ويقولون "لقيت من فلان عرق القربة" أي: شدة، وأصل هذا أن حامل القربة يتعب في نقلها حتى يعرق جبينه، فاستعير عرقه في موضع. ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢] أي: عن شدة الأمر، وذلك أن الرجل إذا وقع في أمر يحتاج إلى معاناة، شمر عن ساقه، فاستعير الساق في موضع الشدة، وهو كثير في القرآن، وإنما هذا في أصل كلام العرب ثم خاطبهم الله على ما يعقلون في كلامهم وما اعتادوا منه. ومنه قوله: ﴿وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾ [النساء: ٤٩] ﴿وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً﴾ [النساء: ١٢٤] إذ لم يرد أنهم لا يظلمون ذلك بعينه، إنما أراد مقدار هذين الحقيرين والعرب تقول: ما رزانه، زبالاً، فالزبال ما تحمله النملة بفيها. ومنه قوله: ﴿مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ﴾ [فاطر: ١٣] يريد به التقليل أي ما يملكون من شيء. ومنه ﴿فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً﴾ [الفرقان: ٢٣] أراد به أبطلناه، كما أن الهباء المنثور مبطل لا فائدة فيه، وهو ما سطع في شعاع الشمس من كوة البيت، والمنبث ما سطع من سنابك الخيل. ومنه: ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ﴾ [إبراهيم : ٤٣] أي: لا تغني خيراً، لأن المكان إذا كان خالياً فهو هواء لا شيء فيه. ومنه: ﴿وَكَذٰلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾ [الكهف: ٢١] أي أطلعنا، وأصله من عثر بشيء وهو غافل ثم نظر إليه فاطلع عليه فصار العثار سبباً للتبين فاستعير مكان التبيين والاطلاع. ومنه: ﴿حُبَّ ٱلْخَيْرِ﴾ [ص: ٣٢] يريد الخيل سميت خيراً لما فيها من الخير وهو منافعها. ومنه: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَٰهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢] أي كافراً فهديناه ﴿وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً﴾ أي إيماناً ﴿كَمَن مَّثَلُهُ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ﴾ أي في الكفر فاستعير الموت مكان الكفر، والحياة مكان الهدى والنور مكان الإيمان. ومنه: ﴿وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ﴾ [الشرح: ٢] أي: إثمك وأصل الوزر ما حمل على الظهر فشبه الإثم بالحمل، وشبه بالثقل، لأن الحمل والثقل سواء فقال: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣] أي آثاماً مع آثامهم. ومنه: ﴿وَلَـٰكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً﴾ [البقرة: ٢٣٥] أي نكاحاً لأن النكاح يكون سراً، ولا يظهر فاستعير له السر. ومنه: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] كما تزرع الأرض، فشبه الولد بالزرع والبطن بالأرض. ومنه: ﴿إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢٦٧] أي ترخصوا وأصله أن يصرف المرء، بصره عن الشيء ويغمضه فسمي الترخيص إغماضاً. ومنه: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧] جعل كل واحد لصاحبه كالثوب للإنسان يتضامان، ويلتصقان كالثوب في تضامه، والتصاقه على الإنسان، وقد قيل معنى ﴿لِبَاساً﴾ سكناً، كما قال ﴿لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [الأعراف: ١٨٩] ﴿لِتَسْكُنُواْ فِيهِ﴾ [يونس: ٦٧، القصص: ٧٣]. ومنه: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] أي: نفسك من الذنوب، فجعل موضع النفس، لأنه يشتمل عليها، وشبه ذلك كثير.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.