الباحث القرآني

قوله: ﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ الآية. قال ابن إسحاق: هذا بدل من ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ﴾ ﴿حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ والذي حرم عليهم هو قوله: ﴿وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ [الأنعام: ١٤٦] الآية. والظلم هنا هو نقضهم الميثاق ﴿وَكُفْرِهِم بَآيَاتِ ٱللَّهِ﴾ ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾. ﴿وَقَوْلِهِمْ عَلَىٰ مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً﴾ وعلى عيسى. فهذا هو الظلم، فمن أجله حرمت عليهم الطيبات وهي كل ذي ظفر والشحوم من البقر والغنم. * * * وقوله: ﴿وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ أي صدوا أنفسهم، وغيرهم عن الحق ﴿وَأَخْذِهِمُ ٱلرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ﴾ هو قولهم أؤخرك بديني وتزيدني ﴿وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَاطِلِ﴾ هو ما يأكلون من الرشا في الحكم، وعلى تغيير الدين يأخذون أثمان الكتب التي كانوا يكتبونها بأيديهم، ويقولون هذا من عند الله، فسمى ذلك باطلاً لأنه أخذ بغير استحقاق. ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ﴾ أي من هؤلاء اليهود ﴿عَذَاباً أَلِيماً﴾ أي موجع أي مؤلماً. * * * قوله: ﴿لَّـٰكِنِ ٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ مِنْهُمْ وَٱلْمُؤْمِنُونَ﴾ الآية: نصب ﴿وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلاَةَ﴾ عند سيبويه على التعظيم. وقال الكسائي: هو في موضع خفض عطف على "ما" جعل المقيمين هم الملائكة عليهم السلام، وهو اختيار المبرد، والطبري. واستبعد المبرد النصب على المدح لأن المدح إنما يكون بعد تمام الخبر، والخبر لم يأت بعد. ومذهب سيبويه أن "يؤمنون" الخبر فقد أتى قبل الراسخون. ومذهب المبرد أن أولئك الخبر، فهو لم يأت بعد. وقيل: هو معطوف على قبلك. وقيل: على الكاف في قبلك. وقيل: على الكاف في أولئك. وقيل: على الهاء، والميم في منهم. وهذه الأقوال الثلاثة عطف فيها على مضمر مخفوض على مذهب الكوفيين، وهو لا يجوز عند البصريين. * * * قوله: ﴿وَٱلْمُؤْمِنُونَ﴾ في رفعه خمسة أقوال: رفعه عند سيبويه على الابتداء. وقيل: رفع على إضمار مبتدأ. وقيل: عطف على المضمر في المقيمين. وقيل: عطف على المضمر في "يؤمنون". وقيل: هو معطوف على الراسخين. ومعنى الآية: إن الله تعالى أخبر عن أهل الكتاب أنهم سألوا محمد ﷺ أن ينزل عليهم كتاباً من السماء، ثم بيّن أنهم ليسوا كلهم قالوا ذلك، فأخبر أن الراسخين في العلم منهم أي: من أهل الكتاب والمؤمنون أي منهم أيضاً يؤمنون بالقرآن، والتوراة والإنجيل، وجميع كتب الله، وهو ما أنزل من قبل محمد ﷺ فهم لا يسألون ما سأل أولئك. * * * وقوله: ﴿وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلاَةَ﴾ هم من أهل الكتاب أيضاً. قال أبان بن عثمان: هو غلط من الكاتب يعني كونه بالياء وإنما حقه الرفع بالواو وهي قراءة ابن مسعود. وقالت عائشة رضي الله عنها لعروة إذ سألها عن اختلاف الإعراب في ﴿وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلاَةَ﴾ وفي ﴿وَٱلصَّابِئُونَ﴾ [المائدة: ٦٩] في المائدة وفي ﴿إِنْ هَـٰذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ [طه: ٦٣] في طه، يا ابن أختي، هذا عمل الكاتب غلطوا في الكتاب. وفي قراءة عبد الله "والمقيمون" بالرفع. وقال عثمان رضي الله عنه أرى فيه لحناً، وستقيمه العرب بألسنتها، يريد المصحف، وهذه الأحاديث مطعون فيها عند العلماء لصحة جواز خط المصحف على لغة العرب. وإذا كان للشيء وجه لم يجز أن يحمل على الغلط، وقد ذكرنا أن كونه بالياء له وجوه سائغة في لغة العرب، ويدل على أنه ليس بخطأ من الكاتب إن في مصحف أُبَيّ ﴿وَٱلْمُقِيمِينَ﴾ أيضاً فلو كان الرفع الصواب لم تجتمع المصاحف على تركه.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.