الباحث القرآني

قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ الآية. يوم يجيء من كل أمة شهيد يتمنى الكافرون ﴿لَوْ تُسَوَّىٰ بِهِمُ ٱلأَرْضُ﴾ أي: يصيرون تراباً مثلها كما قال: ﴿وَيَقُولُ ٱلْكَافِرُ يٰلَيْتَنِي كُنتُ تُرَاباً﴾ [النبأ: ٤٠]. ومن قرأ "تُسوى" (بالضم)، فالمعنى يتمنون لو سواهم الله والأرض سواء، ومن قرأ "تَسوى" بالفتح والتخفيف، فهو مثل المشددة، إلا أنه حذف إحدى التاءين. وقيل المعنى: لو انقسمت بهم الأرض فيصاروا في بطنها. وقال الحسن في قراءة الضم: إن المعنى "لو تسوى" بالتخفيف عليهم، والباء بمعنى على، فالمعنى تنشق فتسوى عليهم. * * * قوله: ﴿وَلاَ يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثاً﴾ أي: لا تكتم جوارحهم حديثاً من الله. قال ابن عباس: لما رأوا أنه لا يدخل الجنة إلا أهل الإسلام جحدوا فقالوا: ﴿وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] فختم الله على أفواههم وتكلمت (أيديهم)، وأرجلهم فلا يكتمون الله حديثاً، وعنه هذا التفسير باختلاف ألفاظ. وسبب تفسيره لهذا القول من له يقول الله عن الكافرين أنهم قالوا: ﴿وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] وقد كتموا ويخبر أنهم لا يكتمون الله حديثاً ففسره بما ذكرنا، وقوله ﴿وَلاَ يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثاً﴾ على قول غير ابن عباس أنهم يودون لو استووا بهم الأرض، ولا يكتمون الله حديثاً لما عاينوا جوارحهم تشهد عليهم. وقيل: المعنى يومئذ لا يكتمون الله حديثاً، ويودون لو تسوى بهم الأرض، وهو معنى تفسير ابن عباس لأن السائل سأل كيف أخبر أنهم لم يكتموا الله حديثاً، وقد أخبر أنهم كتموا في قولهم ﴿وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾. وقيل: المعنى يتمنون لو استووا مع الأرض، وليس يكتمون الله حديثاً أي هو عالم بهم وبما أسروا مما يودون ويتمنون بهم، وإن لم ينطقوا به، فليس ذلك بكتمان على الله [تعالى - كأن الكلام قد تم على قوله - لو تسوى بهم الأرض، ثم قال: وليس يخفى على الله] من حديثهم شيء وهذا جواب ثالث عن الآيتين. وقيل: المعنى أنهم يتمنون إذ عصوا الرسول أن يسووا مع الأرض ويودون لا يكتمون الله حديثاً. وكتمانهم الذي ندموا عليه هو قولهم ﴿وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ وهو جواب ثالث لمن سأل عن الآيتين. وقال قتادة: هي مواطن في يوم القيامة، فمواطن يجحدون، ومواطن يقرون. وجاء رجل إلى ابن عباس فقال له: رأيت أشياء تختلف علي في القرآن، فقال: ما هو؟ أشك في القرآن؟ فقال: ليس بشك، ولكنه اختلاف، فقال: هات ما اختلف عليك من ذلك، فقال: أسمع الله عز وجل يقول: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] وقال ﴿وَلاَ يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثاً﴾ فقد كذبوا إذا ادعوا الإسلام. فقال ابن عباس: وماذا؟ قال أسمعه يقول: ﴿فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١] وقال: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ﴾ [الصافات: ٥٠]. وقال: ﴿أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً﴾ [فصلت: ٩]. إلى قوله: ﴿ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ [فصلت: ١١] الآية. وقال في آية أخرى: ﴿أَمِ ٱلسَّمَآءُ بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا * [وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا]﴾ [النازعات: ٢٧-٢٩] ﴿وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات: ٣٠]. وأسمعه يقول: ﴿[وَكَانَ] ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً﴾ [النساء: ١٧] الآية. فقال ابن عباس: "أما قولهم ﴿وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ فإنهم لما رأوا يوم القيامة أن الله لا يغفر إلا لأهل الإسلام، يغفر لهم الذنوب جميعاً، ولا يتعاظم ذنب يغفره، ولا يغفر شركاً، جحدوا وقالوا: ﴿وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ رجاء أن يغفر لهم، فختم الله عز وجل على أفواههم وتكلمت أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون، فعند ذلك ﴿يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ ٱلرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّىٰ بِهِمُ ٱلأَرْضُ وَلاَ يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثاً﴾ يريد أنهم ندموا في جحدهم وقالوا: ﴿مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾. وأما قوله: ﴿فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ﴾ فإنه ينفخ في الصور، فيصعق من في السماوات، ومن في الأرض إلا من شاء الله ﴿فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ﴾. ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨] ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ﴾ [الصافات: ٥٠]. وأما قوله ﴿أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ...﴾ الآية فإن الأرض خلقت قبل السماء وكانت السماء دخاناً فسواهن سبع سماوات في يومين بعد خلق الأرض. وأما قوله: ﴿وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ فإنه تعالى دحاها بعد خلق السماوات، وجعل فيها جبالاً وأنهاراً وبحوراً. وأما قوله: ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ﴾ فإن الله لم يزل كذلك عزيراً حكيماً قديراً لم يزل كذلك وما اختلف عليك من القرآن فهو شبه ما ذكرت لك. وقال مجاهد: ﴿وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أي: مع ذلك.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.