الباحث القرآني

قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً﴾ الآية. * * * قوله: ﴿إِلاَّ خَطَئاً﴾ استثناء ليس من الأول. وإلا عند البصريين في هذا النوع بمعنى لكن. وهذا كلام أوله حظر، وآخره في الظاهر إباحة، وقتل المؤمن لا يباح لكنه محمول على المعنى الباطن، ومعناه ما كان مؤمن ليقتل مؤمناً على النفي، والنفي يستثنى منه الإثبات، فهو محمول على معنى الأول وباطنه، فالمعنى أن المؤمن قد يقتل المؤمن خطأ فهو خبر، خبر بأنه قد يقع، وليس بإطلاق ولا إباحة قتل، ومثله ﴿مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ﴾ [مريم: ٣٥] فظاهر هذا الحظر، والله لا يحظر عليه. ومعنى الآية: أنه ليس لمؤمن قتل مؤمن البتة إلا أن يقتله خطأ، فإن قتله خطأ، فعليه تحرير رقبة في ماله، ودية مسلمة إلى أهل المقتول يؤديها عاقلة القاتل ﴿إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ﴾ أي: أن يتصدق أولياء المقتول على عاقلة القاتل بديته فيسقط عنهم الدية. وقرأ أبو عبد الرحمان السلمي: ﴿إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ﴾ بالتاء أراد: تتصدقوا ثم أدغم. قال مجاهد وغيره: هذه الآية نزلت في عيا[ش] ابن أبي ربيعة قتل رجلاً مؤمناً يحسب أنه كافر، وقد كان ذلك الرجل يعذب عياشاً بمكة، أخبر عياش النبي ﷺ فنزلت: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً﴾. قال ابن زيد: نزلت في أبي عامر، والد أبي الدرداء خرج في سرية فعدل إلى شعب يريد حاجة، فوجد رجلاً في غنم، فقتله، وكان يقول: لا إله لا الله، وأخذ غنمه فوجد من ذلك في نفسه، فذكر ذلك للنبي ﷺ فأنكر عليه النبي (عليه السلام) قتله، إذ قال: لا إله إلا الله فنزلت الآية: وقيل: نزلت في اليمان والد حذيفة، واسمه حسل من بني عبس قتل خطأ يوم أحد. وروي أن حذيفة وأبا الدرداء تصدقا بدية أبويهما على من قتلهما، وكذلك قتل هشام بن صبابة الكناني خطأ فنزلت الآية في ذلك. والآية عند جماعة العلماء عامة في كل من قتل خطأ واختلف في الرقبة، فقيل: لا يُعْتَق إلا مؤمن قد صام وصلى وعقل وبلغ، وقيل: كل مؤمن يجزئ وإن لم يبلغ. * * * ومعنى ﴿وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ﴾ أي موفرة، والدية مائة من الإبل على أهل الإبل. وروي عن عمر أن على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثنى عشرة آلاف درهم. قال مالك: على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق إثني عشر ألف درهم. وقيل: دية الحر مائة من الإبل لا يجزئ غيرها، وبه قال الشافعي، قال إلا ألا توجد فيُأخذ الفدية، ويجعل [الإبل] خمسة أخماس خمس جذاع وخمس حقاق وخمس بنات لبون. وخمس بنات مخاض وخمس بنو لبون، وهو قول لمالك والشافعي وغيرهما. ودية المرأة نصف دية الرجل، وهو قول جماعة الصحابة والتابعين، والفقهاء، إلا الشاذ منهم. وأهل الذهب: الشام ومصر، وأهل الورق أهل العراق وأهل الإبل أهل البوادي. وكل ما جناه جان خطأ فعلى عاقلته الدية، إلى أن يكون الذي يجب في ذلك أقل من ثلث الدية، فليس على العاقلة شيء، وذلك في مال الجاني، وتؤجل دية الخطأ في ثلاث سنين، وثلث الدية تؤديها العاقلة في سنة، ونصف الدية يجتهد فيها الإمام، فيجعلها في سنتين أو في سنة ونصف وثلاثة أرباع الدية في ثلاث سنين، وهي على الرجال البالغين دون النساء والصبيان، وليس على كل واحد شيء معلوم ولكن على كل واحد قدر يسره، فأما دية العمد فهي على القاتل خاصة إذا قبلت منه. * * * وقوله: ﴿فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ أي: فإن كان المقتول خطأ من قوم كفار أعداء لكم ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ أي: والمقتول مؤمن فقتله مؤمن يظن أنه كافر ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ أي: فعليه ذلك. قال عكرمة: هو الرجل يسلم في دار الحرب، فيقتل يظن أنه كافر، فليس فيه دية، وفيه الكفارة: تحرير رقبة مؤمنة. وروى ابن القاسم عن مالك أنه قال: إنما ذلك في حرب رسول الله عليه السلام أهل مكة، يكون فيهم الرجل المؤمن لم يهاجر، وأقام معهم فيصيبه المسلمون خطأ، فليس عل المسلمين فيه دية لأنه تعالى (يقول): ﴿وَٱلَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُوۤاْ أُوْلَـٰئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ﴾ [الأنفال: ٧٢]، وعليهم الكفارة تحرير رقبة على كل نفس. وقال ابن عباس والسدي وغيرهما: هو أن يكون الرجل مؤمناً، وقومه كفار لا عهد لهم، فيقتل خطأ، فليس لأهله دية لأنهم كفار، وعلى القاتل الكفارة تحرير رقبة، وقاله قتادة. وقال الحسن البصري، وجابر بن زيد: هو مؤمن من قوم معاهدين، وهو قول مالك. وروي عن ابن عباس أيضاً أنه قال: كان الرجل يسلم، ثم يأتي قومه، فيقيم فيهم، وهم مشركون، فيمر بهم الجيش لرسول الله ﷺ، فيقتل فيمن قتل فلا دية فيه، وفيه الكفارة. وجماعة أهل التفسير على أن المعنى إن كان المقتول في دار الحرب مؤمناً، وهو من قوم كفار وهو بينهم فلا دية فيه وفيه الكفارة. * * * قوله: ﴿وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىۤ أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ الآية. المعنى: وإن كان المقتول خطأ بين أظهرهم من قوم كفار بينكم وبينهم عهد، ففيه الدية إلى أهله، والكفارة تحرير رقبة مؤمنة. وقيل: المعنى: إن كان المقتول خطأ في دار قومه من قوم كفار بينكم وبينهم عهد ففيه الدية والكفارة [كسائر المؤمنين، واختلف في المقتول هنا: فقيل عن ابن عباس أنه إن كان كافراً، ففيه الدية والكفارة] كالمؤمن لأن له عهداً وميثاقاً. وقال الزهري: دية الذمي دية المسلم. وقيل: المراد به إن كان المقتول مؤمناً قتل خطأ، وهو من قوم كفار بينكم وبينهم عهد ففيه الدية إلى قومه الكفار، وفيه تحرير الرقبة المؤمنة قاله النخعي ومثله روى ابن القاسم عن مالك أنه قال: ذلك في الهدنة التي كانت بين النبي ﷺ، وبين المشركين أنه إن أصيب مسلم كان بين أظهركم لم يهاجر وأصيب خطأ فإن ديته على المسلمين يردونها إلى قومه الذين كان بين أظهركم الكفار، ومما يبين ذلك أن أبا جندل ورجل آخر أتيا النبي ﷺ مسلمين في الهدنة، فردهما إليهم فكما كان لهم أن يردوا إليهم، فكذلك كانت ديته لهم إذا قتل خطأ، ودية الخطأ عند مالك والشافعي في هذا تؤدى في ثلاث سنين على كل رجل ربع دينار، وروي ذلك عن جابر بن عبد الله، وقاله الحْسن. وكان الطبري يختار أن يكون المقتول من أهل الذمة لأن الله سبحانه وتعالى لم يقل: "وهو مؤمن" كما قال في الأول ﴿فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ وقد قال جماعة: إن دية الذمي والمسلم سواء، وهو قول عمر بن الخطاب وعثمان وابن مسعود ومعاوية. وقال عمر بن عبد العزيز وعروة بن الزبير: دية الكتابي نصف دية المسلم، وبه قال عطاء وابن المسيب والحكم وعكرمة، وهو قول الشافعي. فأما دية المجوسي فثمان مائة درهم روي ذلك عن عمر بن الخطاب، وبه قال ابن المسيب وعطاء وسليمان بن يسار، والحسن وعكرمة ومالك والشافعي. وقال عمر بن عبد العزيز: دية المجوسي نصف دية المسلم. وروى عن النخعي والشعبي والثوري أن ديته مثل دية المسلم. وإذا قَتَل العبد المؤمن حراً مؤمناً خطأ، فدمه في رقة العبد وأن لا دية فيه لأن العبد لا عاقلة له وعلى العبد الكفارة، فعتق رقبة على قول من قال: إن العبد يملك ما لم يمنعه سيده، ومن قال: لا يملك العبد، فعليه صيام شهرين متتابعين، وكذلك حكمه في الظهار لا يجزئه الصيام في قول مالك لأنه عنده يملك. * * * قوله: ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ﴾ أي: لم يجد رقبة مؤمنة لعسرته، وقلة ما في يده، فعليه صيام شهرين متتابعين. وقال الشعبي: صوم الشهرين عن الدية والرقبة جميعاً إذا لم يجدها لفقره، وفقر عاقلته. وقال الطبري: عن الرقبة خاصة لأن الدية على العاقلة، وهو قول جماعة العلماء. * * * قوله: ﴿تَوْبَةً مِّنَ ٱللَّهِ﴾ مصدر، وقيل مفعول من أجله. ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ﴾ أي: لم يزل بما يصلح عباده ﴿حَكِيماً﴾ "فيما يقضي به ويأمر". * * * قوله: ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ الآية. قيل: معناه: من لم يجد الدية، ولا الرقبة، فليصم شهرين متتابعين. وقيل: معناه: من لم يجد الرقبة فعليه صيام شهرين متتابعين، وهذا القول أولى لأن الدية لم تجب على القاتل خطأ فيكون الصيام يقوم مقامها، وإنما وجبت الدية في الخطأ على العاقلة، فلا يجزئ عنها صوم القاتل.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.