الباحث القرآني

قوله: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً﴾ الآية. وروى أبو هريرة: أن النبي ﷺ قال: "والله للدنيا وما فيها أهون على الله من قتل مسلم بغير حق وروى عنه أيضاً أنه قال: "من أعان على قتل مسلم بشطر كلمة لقي الله يوم القيامة مكتوب على جبهته: آيس من رحمة الله". وعنه ﷺ أنه قال: "كل ذنب عسى [الله] أن يغفره إلا لمن مات مشركاً، أو من قتل مؤمناً متعمداً" المعنى: من يتعمد قتل مؤمن فجزاؤه جهنم. وقتل العمد عند مالك سواء كان بحجر أو عصا أو حديدة فيه القود. وقال غيره: لا يكون قتل العمد إلا بحديد، وأثبت جماعة شبه العمد وهو قول الشافعي، وهو الضرب بالخشبة الضخمة والحجر، فجعلوا فيه ثلاثين حقة، وثلاثين جذعة وأربعين خليفة. وليس عند أكثرهم في القتل غير الخطأ أو العمد، فأما شبه العمد فليس له نص في كتاب الله، ولا تواترت به الأخبار عن النبي ﷺ ... مذهب مالك: ومن أحرق رجلاً قتل به، وهو عمد، ولو أطعمه شيئاً فقتله، وقال: لم أرد قتله إنما أردت أن أسكره، فقال مالك: يقتل، ولا يقبل منه، وهو عمد. ومن قتل رجلاً بخنق فهو عمد، وقال محمد بن الحسن: إذا خنقه، وألقاه من ظهر جبل أو سلم (فمات) فهو خطأ. وإذا أمسكه واحد وقتله الآخر قتلا به جميعاً عند مالك، إلا أن يكون الممسك أمسكه وهو لا يظن أن الآخر يقتله، فيعاقب ولا يقتل الممسك، وإذا أمر الرجل عبده بقتل رجل فقتله العبد فيقتلان جميعاً عند مالك، وهو قول قتادة. وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال: أما العبد فيسجن، وأما السيد فيقتل. وقال أبو هريرة: يقتل الآمر دون العبد وكذلك قال الحسن وعكرمة، وقال الشعبي يقتل العبد ويضرب السيد. وقال الشافعي: إن كان العبد أعجمياً، أو صبياً فعلى السيد القود دون العبد، وإن كان يعقل ويفهم، فعلى العبد القود، وعلى السيد العقوبة. فإن أمره رجل بقتل آخر، فقتله فعلى القاتل القود عند مالك، والشافعي، وجماعة من التابعين. * * * وقوله: ﴿فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَٰلِداً فِيهَا﴾ معناه: فجزاؤه إن جازاه، قاله التميمي وغيره، ورواه ابن جبير عن ابن عباس. وهو كما يقول الرجل لعبد قد جنى عليه: ما جزاؤك إلا كذا وكذا، وهو لا يفعل به ذلك، فمعناه هذا جزاؤك إن جوزيت على ذنبك، فكذلك الآية، معناها: فجزاؤه إن جوزي على فعله جهنم، والله أكرم الأكرمين، له العفو وله العقوبة يفعل ما يشاء لا معقب لحكمه. * * * وقوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: ٤٨] يدل على جواز العفو على القاتل عمداً. وقيل: إنها نزلت في رجل بعينه أسلم، ثم ارتد، وقتل رجلاً مؤمناً، فمعنى الآية: ومن يقتل مؤمناً متعمداً مستحلاً قتله فجزاؤه جهنم، فالكافر يقتل المؤمن مستحلاً وليس كذلك المؤمن، بل إن قتل فإنما يقتل وهو يعلم أن قتله حرام. وقيل: نزلت في رجل من الأنصار قُتِل ولي له. وقبل الدية، ثم وثب على قاتل وليه فقتله وارتد، قال ذلك ابن جريج وغيره. وقال مجاهد: إلا من تاب يعني ان العفو من الله جائز للقاتل عمداً إذا تاب، وهو قول ابن عمر، وزيد بن ثابت، وجماعة من العلماء. وعن ابن عباس أنه لا توبة له، وأنها محكمة لم تنسخ. وقال زيد بن ثابت: نزلت ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً﴾ الآية بعد أن نزلت ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨] الآية بأربعة أشهر. وقال ابن عباس: هذه الآية التي في النساء مدنية نسخت التي في الفرقان ﴿إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ﴾ [الفرقان: ٧٠] لأنها مكية. وعن ابن عمر وزيد بن ثابت: إن للقاتل توبة وهو قول جماعة من العلماء لقوله: ﴿إِلاَّ مَن تَابَ﴾ وقوله: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ﴾ [طه: ٨٢] وقوله: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [الشورى: ٢٥]. وروي عن ابن عباس أنه قال: التي في الفرقان نزلت في أهل الشرك. وعن زيد بن ثابت أنه قال: نزلت سورة النساء بعد الفرقان بستة أشهر. وكان الطبري يقول: جزاؤه جهنم حقاً، ولكن الله يعفو ويتفضل على أهل الإيمان به وبرسوله، فلا يجازيه بالخلود فيها إما أن يعفو، فلا يدخلهم النار، وإما أن يدخلهم، ثم يخرجهم بفضل رحمته لقوله ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ [الزمر: ٥٣].
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.