الباحث القرآني

جديد: تطبيق «تراث»
قوله تعالى: ﴿قَالُواْ رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ﴾ - إلى قوله - ﴿ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ﴾. قال ابن عباس والضحاك: هذا مثل قوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَٰتاً فَأَحْيَٰكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨] الآية. وقال قتادة: كانوا أمواتاً في أصلاب أبائهم فأحياهم الله عز وجل في الدنيا، ثم أماتهم الموتة التي لا بد منها، ثم أحياهم للبعث، فهاتان حياتان وموتتان. وقال السدي: أُميتوا في الدنيا، ثم أُحيوا في قبورهم فسئلوا وخوطبوا ثم أميتوا في قبورهم، ثم أحيوا في الآخرة. وقال ابن زيد: خلقهم من ظهر آدم حين أخذ عليهم الميثاق، وأماتهم، ثم خلقهم في الأرحام، ثم أماتهم في الدنيا، ثم أحياهم في الأخرة. وقوله تعالى: ﴿فَٱعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ﴾، أي: فأقررنا بذنوبنا، فهل إلى خروج من النار لنا سبيل، فهل إلى كرة فنرجع إلى الدنيا فنعمل غير الذي كنا نعمل. * * * ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ كَـفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُواْ﴾. في الكلام حذف؛ والتقدير: فأجيبوا أن لا سبيل إلى الخروج، ذلكم العذاب بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم، أي: إذا وحده موحد أشركتم وإن أشرك به مشرك صدقتموه. وذكر ابن وهب عن محمد بن كعب القرظي أنه قال: لأهل النار خمس دعوات، يكلمهم الله في الاربعة فإذا كانت الخامسة سكتوا: ﴿قَالُواْ رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا ٱثْنَتَيْنِ فَٱعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ﴾. قال: فيراجعهم بهذه الآية: ﴿ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ كَـفَرْتُمْ﴾ الآية. ثم يقولون: ﴿رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَٱرْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ١٢] قال: فيرد عليهم: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [السجدة: ١٣] - إلى - ﴿أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣]. ثم يقولون: ﴿رَبَّنَآ أَخِّرْنَآ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ ٱلرُّسُلَ﴾ [إبراهيم: ٤٤] . قال: فيراجعهم بهذه الآية: ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوۤاْ أَقْسَمْتُمْ مِّن قَبْلُ مَا لَكُمْ مِّن زَوَالٍ﴾ [إبراهيم: ٤٤]. قال: ثم يقولون: ﴿رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ ٱلَّذِي كُـنَّا نَعْمَلُ﴾ [فاطر: ٣٧] فيراجعهم: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَآءَكُمُ ٱلنَّذِيرُ﴾ [فاطر: ٣٧]. قال: ثم يقولون: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ [المؤمنون: ١٠٦]، قال: فيراجعهم: ﴿ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨]. قال: فكان آخر كلامهم ذلك. قال أبو محمد: وفي بعض رواية هذا الحديث تقديم وتأخير فيما ذكرنا. * * * ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْحُكْمُ للَّهِ ٱلْعَلِـيِّ ٱلْكَبِيرِ﴾. أي فالقضاء لله، لا لما تعبدونه، العلي على كل شيء، الخبير الذي كل شيء دونه متصاغر له. * * * ثم قال تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾، أي: الله هو الذي يريكم أيها الناس حججه وأدلته على وحدانيته. ﴿وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ رِزْقاً﴾، يعني: الغيث، يخرج به أقواتكم وأقوات أنعامكم. ﴿وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلاَّ مَن يُنِيبُ﴾، أي: ما يتذكر حجج الله عز وجل وأدلته على قدرته ووحدانيته فيتعظ ويعتبر إلا من يرجع إلى توحيد الله سبحانه وطاعته جلت عظمته. * * * ثم قال: ﴿فَٱدْعُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ﴾، أي: ادعوا الله أيها المؤمنون مخلصين له الطاعة ولو كره ذلك منكم الكافرون. * * * ثم قال تعالى: ﴿رَفِيعُ ٱلدَّرَجَاتِ ذُو ٱلْعَرْشِ﴾، أي: هو رفيع الصفات ذو السرير المحيط بما دونه. ﴿يُلْقِي ٱلرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ أي: ينزل الوحي على من يشاء، يختص بذلك من يشاء من خلقه. وقيل: "من" بمعنى الباء. والمعنى: يلقي الروح بأمره أي: يلقي الوحي بأمره على من يشاء. وقيل: معنى ﴿رَفِيعُ ٱلدَّرَجَاتِ﴾ (هي الدرجات) التي يعطيها الله عز وجل للأنبياء صلوات الله عليهم والمؤمنين في الجنة. فالمعنى: رفيع الثواب والمجازاة للأنبياء والمؤمنين. وسمي الوحي روحا لأن الناس يحيون به من الضلالة، والمهتدي حي، والضال (ميت في) التمثيل. قال مجاهد: الروح هنا: الوحي، وقال قتادة: هو الوحي والرحمة. وقال ابن عباس: الروح: النبوة. وقال: الضحاك: الروح: الكتاب الذي ينزله على من يشاء ومثله قوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا﴾، يعني: القرآن في قول جميع المفسرين. والروح: جبريل أيضاً، وهو قوله: ﴿نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] سمي روحاً لأنه ينزل من عند الله تعالى بما يحيي به من أنزل عليه. فأما قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ ٱلرُّوحُ وَٱلْمَلاَئِكَةُ صَفّاً﴾ فقال ابن زيد: الروح هنا القرآن. وفيه اختلاف سيذكر إن شاء الله. والضمير في "لينذر" يعود على الله جل ذكره، وقيل: يعود على الروح وهو الوحي، وقيل: يعود على النبي. وقد قرأ الحسن "لتنذر" بالتاء على المخاطبة. * * * وقوله: ﴿يَوْمَ ٱلتَّلاَقِ﴾، أي: يوم يلتقي أهل السماوات وأهل الارض، والأولون والآخرون. * * * ثم قال: ﴿يَوْمَ هُم بَارِزُونَ﴾ "يوم" بدل من "يوم" الأول. وقيل العامل فيه: "لا يخفى على الله منهم شيء ﴿يَوْمَ هُم بَارِزُونَ﴾. والمعنى أن جميعهم بمرأى منه، أي: لا يخفى عليه من أعمالهم شيء. وقيل معناه: بارزون من قبورهم. * * * ثم قال تعالى: ﴿لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ﴾، أي: يقول الله جل ذكره: لمن الملك اليوم؟. فيجيب نفسه: ﴿لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ﴾، أي: المنفرد بالوحدانية والقدرة. ﴿ٱلْقَهَّارِ﴾ لكل شيء سواه. وروى أبو وائل عن ابن مسعود (أنه قال): يحشر الناس على أرض بيضاء مثل الفضة لم يعص الله عز وجل عليها. فيؤمر منادى أن ينادي: لمن الملك اليوم؟ فيقول العباد: لله الواحد القهار المؤمن منهم والكافر. ثم أول ما ينظر من الخصومات في الدماء بمحضر القاتل والمقتول. فيقول: سل هذا: لم قتلني؟ فإن قال: قتلته لتكون العزة لفلان، قيل للمقتول: اقتله كما قتلك، وكذلك إن قتل جماعة أذيق القتل كما أذاقهم في الدنيا وهو قوله تعالى: ﴿ٱلْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَـسَبَتْ﴾ الآية. أي: تثاب بما عملت في الدنيا لا يظلم أحد فيعاقب بما لم يفعل ولا يضيع ظلمه (عند من ظلمه). ﴿إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ﴾، أي: ذو سرعة في محاسبته عبادة يومئذ على أعمالهم. روي أن ذلك اليوم لا ينتصف حتى يقيل أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار قد فرع الله عز وجل من حسابهم والفصل بينهم. فالمعنى: إنه تعالى لا تشغله محاسبة أحد عن محاسبة أحد. وقد روي أنه تعالى يحاسب الخلق كلهم في مقدار حلب شاة، وإنما هو تعالى يريد حساب كل نفس ويحدثه فيحدث لكل واحد منهم محاسبة في الحال التي يحدث فيها المحاسبة والمساءلة لأن بعض كلامه لا يشغله عن بعض، وكذلك بعض خلقه لا يشغله عن بعض، وهذه هي الصفات التي لا يشاركه فيها أحد، ليس كمثله شيء. ولا يجوز لأحد أن يتأول أو يتخايل إليه في محاسبة الله سبحانه خلقه أنه يحاسبهم بكلام أو لسان. تعالى الله عن الجوارح وعن مشابهة المخلوقين، إنما يحدث لكل إنسان محاسبة في الحال التي يريد محاسبته فيها. فافهم هذا ونزه الله عن التشبيه بالمخلوقين. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلأَزِفَةِ﴾، أي: وأنذر يا محمد مشركي العرب وحذرهم من يوم الآزفة، يعني: يوم القيامة. وسميت آزفة لقربها. يقال أزف الشيء إذا قرب. * * * ثم قال: ﴿إِذِ ٱلْقُلُوبُ لَدَى ٱلْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ﴾. قال قتادة: ارتفعت القلوب في الحناجر من المخافة. فلا هي تخرج ولا تعود في أمكنتها. و ﴿لَدَى﴾، بمعنى: عند. ﴿كَاظِمِينَ﴾: مفتاظين لا شيء يزيل غيظهم. ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ﴾، أي: من قريب (ولا صديق) يحتج عنهم فيزيل عظيم ما نزل بهم. ﴿وَلاَ شَفِيعٍ﴾ يشفع لهم عند ربهم عز وجل فيما يشفع فيه. قال الحسن: استكثروا من الأصدقاء المؤمنين، فإن الرجل منهم يشفع في صديقه وقريبه، فإذا رأى الكافر ذلك قال: ما لنا من شافعين ولا صديق حميم. * * * ثم قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ٱلأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي ٱلصُّدُورُ﴾، أي: يعلم الله جل ذكره خائنة أعين عباده وما أخفته صدورهم، لا يخفى عليه شيء من أمورهم حتى يتحدث به في نفسه ويضمره في قلبه. ومعنى "خائنة الأعين" هو أن الله تعالى يعلم ما أراد بنظره إذا نظر وما ينوي بذلك في قلبه. قال ابن عباس: ﴿يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ٱلأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي ٱلصُّدُورُ﴾: يعلم إذا نظرت إلى المرأة أتريد بذلك الخيانة أم لا. "وما تخفي الصدور"، أي: إذا قدرت عليها أتزني أم لا. * * * وقوله: ﴿وَٱللَّهُ يَقْضِي بِٱلْحَقِّ﴾، أي: يقدر أن يجزي بالحسنة الحسنة وبالسيئة السيئة. وروى ابن وهب عن رجاله عن ابن عباس أنه قال: هو الرجل تمر به المرأة فيُرِي القوم أنه يغض بصره، فإذا أغفلوا نظر إليها: ويريهم (أنه يغض) بصره ويود لو أنه يطلع على عورتها ويقدر عليها. وعن ابن عباس أنه قال في "خائنة الأعين": إنه الرجل ينظر إلى المرأة فإذا نظر أصحابه إليه غض بصره، (وقد علم الله عز وجل منه أنه يود لو نظر إلى عورتها، فإذا رأى منهم غفلة تدسس النظر، فإذا نظر إليه أصحابه غض بصره). قال مجاهد: خائنة الأعين: نظر العين إلى ما نهى الله عز وجل عنه. وقال قتادة: يعلم همزه بعينه، وإغماضه فيما لا يحب الله جل ذكره ولا يرضى به. قال الفراء: "خائنة الأعين": النظرة الثانية و ﴿وَمَا تُخْفِي ٱلصُّدُورُ﴾ النظرة الأولى" ﴿وَٱللَّهُ يَقْضِي بِٱلْحَقِّ﴾، أي: يجازي من غض بصره عن محارمه حذر الموقف بين يديه، ومن ردد النظر وعزم قلبه على مواقعة الفواحش إذا قدر عليها. قال الزجاج: "خائنة الأعين" نظر ونيّته الخيانة. * * * ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ﴾، أي: والأوثان التي يدعو هؤلاء (المشركون) من قومك من دون الله. ﴿لاَ يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾، أي لا تقدر على شيء ولا تعلم شيئاً، فاعبدوا الله الذي هو ﴿ٱلسَّمِيعُ﴾ لما تنطق به ألسنتكم ﴿ٱلْبَصِيرُ﴾ بما تعملون من الأفعال، المحيط بكل ذلك.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.