الباحث القرآني

جديد: تطبيق «تراث»
قوله تعالى: ﴿فَقَضَٰهُنَّ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ - إلى قوله - ﴿وَكَانُواْ يتَّقُونَ﴾، أي: فأحكمهن، وفرغ من خلقهن سبع سماوات في يومين، وذلك: يوم الخميس ويوم الجمعة. قال السدي: ثم استوى إلى السماء وهي دخان من تنفس الماء حين تنفس فجعلها سماء واحدة، ثم فتقها، فجعلها سبع سماوات في يوم الخميس ويوم الجمعة، وإنما سمي يوم الجمعة لأنه جمع فيها خلق السماوات والأرض. * * * وقوله: ﴿وَأَوْحَىٰ فِي كُلِّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا﴾، معناه: وألقى. في كل سماء ما أراد. من الخلق. قال مجاهد، معناه: وألقى في كل سماء ما أمر به وأراده. وقال السدي: معناه: وخلق في كل سماء من الملائكة والبحار والجبال ما أراد مما لا يعلم. وقال قتادة: معناه: وخلق فيها شمسها وقمرها ونجومها وصلاحها. وقيل: المعنى: وأوحى في كل سماء من الملائكة بما أراد من أمرها. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَزَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَٰبِيحَ﴾، يعني: بالكواكب. قال السدي: جعل النجوم زينة وحفظاً من الشياطين. وانتصب "حفظاً" على المصدر. قال الأخفش: معناه: وحفظناها حفظاً. لأن جعله فيها الكواكب يدل على أنه حفظها، لأنه اسم عطف على فعل فلا بد من إضمار فعل لتعطفه على الفعل الذي قبله وتنصب به حفظاً. وقيل: التقدير: وجعلنا المصابيح حفظاً من استراق السمع. وهذا كله مردود على أول الكلام في المعنى. والتقدير: قل ائنكم لتكفرون بمن هذه قدرته، وتجعلون له أمثالاً وأشكالاً تعبدونها من دونه. * * * وقوله: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ﴾، أي: جميع ما ذكر من الخلق والآيات من تدبير العزيز في نقمته من أعدائه العليم بسرائر خلقه وبكل شيء، لا إله إلا هو. * * * ثم قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾، أي: فإن أعرض قومك من قريش يا محمد عنك وعما جئتهم به، فلم يؤمنوا به، فقل لهم: أنذرتكم أيها الناس صاعقة تهلككم مثل صاعقة عاد (وثمود. وقرأ أبو عبد الرحمن والنخعي: صعقة مثل صعقة عاد). والصعقة: كل ما أفسد الشيء وغيره عن هيئته. وكذلك الصاعقة. قال قتادة: معناه: فقل (لهم يا محمد): أنذركم وقيعة مثل وقيعة عاد وثمود. وقال السدي: معناه: أنذركم عذاباً مثل عذاب عاد وثمود. * * * ﴿إِذْ جَآءَتْهُمُ ٱلرُّسُلُ مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾. العامل في "إذ:" الصاعقة. والمعنى: حين جاءتهم الرسل من بين أيدي الرسل ومن خلف الرسل (يعني: جاءت الرسل أبناء الذين أهلكوا بالصاعقة ومن خلف الرسل) الذين بعثوا إلى آبائهم. وذلك أن الله جل ذكره بعث إلى عاد: هوداً، فكذبوه من بعد رسل قد كانت تقدمت إلى آبائهم أيضاً فكذبوها فأهلكوا. قال ابن عباس: معناه: أنه يريد الرسل التي كانت قبل هود، (والرسل التي كانت بعد هود)، بعث الله عز وجل قبله رسلاً، (وبعده رسلاً) بأن لا يعبدوا إلا الله، فقالوا: لو شاء ربنا لأنزل ملائكة يدعوننا إلى الإيمان به ولم يرسلكم وأنت بشر مثلنا، ولكنه رضي بعبادتنا، فنحن بما أرسلتم به كافرون. وقال الضحاك: الرسل الذين من بين أيديهم: من قبلهم، والذين من خلفهم، يعني: الذين بحضرتهم. فيكون الضمير الذي في "خلفهم" يعود على الرسل، وهو مذهب الفراء. وقيل: الذين بين أيديهم، يعني: الذين بحضرتهم، (والذين من خلفهم، يعني:) الذين من قبلهم. وقيل: هذا على التكثير، والمعنى: جاءتهم الرسل من كل مكان بأن لا يعبدوا إلا الله. وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَٱسْتَكْبَرُواْ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَقَالُواْ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ أي: استكبروا عن أمر ربهم وتجبروا وأعجبهم بطشهم وقوتهم، وما أعطاهم الله من عظم الخلق وشدة البطش، ونسوا أن الذي خلق ذلك فيهم وأعطاهم إياه هو أشد منهم قوة، فجحدوا بآيات الله عز وجل وكفروا بها. فقوله: ﴿وَكَانُواْ بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ معطوف على "فاستكبروا" "وقالوا" وما بينهما اعتراض. قال الله جل ذكره: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً﴾. قال مجاهد: أرسل ريحاً شديدة (السموم) عليهم. وقال قتادة والسدي: ريحاً صرصراً: باردة)، وزاد السدي: ذات صوت. وقال أبو عبيدة: ريحاً شديدة الصوت عاصفة. وأصل الصر في كلام العرب: البرد. قال ابن القاسم: قال مالك: سئلت امرأة من بقية قوم عاد يقال لها: هرطة: أي عذاب الله أشد؟ قالت: كل عذاب الله شديد، وسلامته ورحمته: ليلة لا ريح فيها، ولقد رأيت العير تحملها الريح فيما بين السماء والأرض. ويقال: ما فتح عليهم إلا مثل حلقة الخاتم، ولو فتح عليهم مثل منخر الثور لأكسبت الأرض. * * * وقوله: ﴿فِيۤ أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ﴾. قال ابن عباس: نحسات: متتابعات. وقال مجاهد: نحسات: مشائم. وقال قتادة: نحسات: (مشائم نكدات). وقال ابن زيد: نحسات: ذات شر، ليس فيها من الخير شيء. وقال الضحاك: نحسات: شداد. ﴿لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ ٱلْخِزْيِ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا﴾، أي: عذاب الهوان في الدنيا. ﴿وَلَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ أَخْزَىٰ﴾، أي: أشد (هواناً). ﴿وَهُمْ لاَ يُنصَرُونَ﴾، أي: لا ينصرهم ناصر من عذاب الله فينقذهم. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَٱسْتَحَبُّواْ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ﴾، أي: وأما ثمود) فبينا لهم سبيل الحق وطريق الرشاد. قال ابن عباس: "فهديناهم: بينا لهم". (وقال قتادة: فهديناهم: بينا لهم سبيل الخير) والشر. وقال ابن زيد: فهديناهم: أعلمناهم الهدى والضلالة ونهيناهم أن يتبعوا الضلالة، وأمرناهم أن يتبعوا الهدى فاستحبوا الضلالة على الهدى واختاروها. وقال الضحاك: فهديناهم: أخرجنا لهم الناقة تصديقاً لما دعاهم إليه صالح، فاستحبوا الكفر على الإيمان. وقال السدي: فاختاروا الضلالة والعمى على الهدى، وهو قول ابن زيد وغيره. والرفع في "ثمود" عند سيبويه مثل: زيد ضربته. وقيل: إن النصب الإختيار، لأن "أما" فيها معنى الشرط. والشرط بالفعل أولى، وبه يكون، فلا بد من إضماره، فيعمل في ثمود فينصبه. وقرأ ابن أبي إسحاق بالنصب. ورويت أيضاً عن الأعمش وعاصم وذلك على إضمار فعل مثل: زيداً ضربته. * * * ثم قال: ﴿فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ ٱلْعَذَابِ ٱلْهُونِ﴾، أي: فأخذهم العذاب (المذل المهين)، فأهلكهم بما كانوا يكسبون من الكفر. * * * ثم قال: ﴿وَنَجَّيْنَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يتَّقُونَ﴾، أي: ونجينا المؤمنين من العذاب الذي نزل بالكفار من عاد وثمود.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.