الباحث القرآني

قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَآءُ ٱللَّهِ إِلَى ٱلنَّارِ﴾ - إلى قوله - ﴿مِّنَ ٱلْمُعْتَبِينَ﴾، أي: واذكر يا محمد يوم نحشر هؤلاء المشركين وغيرهم من أعداء الله إلى نار جهنم. ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾، أي: يحبس أولهم على آخرهم قاله السدي وقتادة وغيرهما. قال أبو الأحوص: "فإذا تكاملت العدة بدئ بالأكابر فالأكابر جرماً". قال أبو عبيدة: يوزعون: يدفعون. يقال: وزعه يزعه، ويزعه، إذا كفه وحبسه. * * * ثم قال تعالى: ﴿حَتَّىٰ إِذَا مَا جَآءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم﴾. هذا الكلام فيه حذف مفهوم، واختصار بليغ، (وهذا أمر معجز) القرآن. والتقدير: حتى إذا جاءوا النار سئلوا عن كفرهم وجحودهم، فأنكروا بعد أن شهد عليهم النبيئون والمؤمنون، فعند ذلك تشهد عليهم جوارحهم بما كانوا يعملون في الدنيا. وأكثر المفسرين على أن الجلود هنا: الفروج. كنى عنها كما كنى عن النكاح بالمس. وقيل عنى بها الجلود بعينها، وهو اختيار الطبري لأنه الأشهر المستعمل في كلام العرب، ولا يحسن نقل المعروف في كلامها إلى غيره إلا بحجة ودليل يجب له التسليم. قال ابن مسعود (رضي الله عنه) يجادل المنافق عند الميزان ويدفع الحق ويدعي الباطل فيختم على فيه، ثم تستنطق جوارحه فتشهد عليه، ثم يطلق عنه فيقول: بعداً لكن وسحقاً، إنما كنت أجادل عنكن. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا﴾، (أي: وقال المشركون للجلود لما أنطقها الله بالشهادة عليهم لم شهدتم علينا) فأجابتهم. ﴿أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ فنطقنا. روى أنس أن النبي ﷺ ضحك ذات يوم حتى بدت نواجذه، ثم قال: "ألا تسألوني مم ضحكت؟ قالوا: مم ضحكت يا رسول الله؟ قال: عجبت من مجادلة العبد ربه سبحانه يوم القيامة: قال: يقول: أي رب، أليس وعدتني ألا تظلمني؟! قال: فإن (ذلك لك) قال: فإني لا أقبل علي شاهداً إلا من نفسي. قال: أوليس كفى بي شهيداً وبالملائكة الكرام الكاتبين! قال: فيختم على فيه وتتكلم أركانه بما كان يعمل. قال: فيقول لهم بعداً وسحقاً، عنكم، كنت أجادل" وروى حكيم بن معاوية عن أبيه أن النبي (ﷺ) قال: وأشار بيده إلى الشام فقال: "من (هاهنا) يحشرون ركباناً ومشاتاً وعلى وجوههم يوم القيامة، على أفواههم الفدام. توفون سبعين أمة أنتم آخرها وأكرمها على الله، وإن أول (ما يعترف من أحدهم) فخذه" وعن عقبة بن عامر أنه سمع النبي ﷺ يقول: "أول عظم يتكلم من الإنسان (يوم يختم على الأفواه: فخذه من رجل الشمال"، وفي حديث آخر) "فخذه وكفه ثم قال: "﴿وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، أي خلق الخلق الأول ولم يكونوا شيئاً. ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾، أي: تردون بعد مماتكم. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلاَ أَبْصَارُكُمْ وَلاَ جُلُودُكُمْ﴾. قال السدي: معناه: وما كنتم تستخفون من جوارحكم. وقال مجاهد: معناه: "وما كنتم تتقون"، وقال قتادة: معناه: وما كنتم تظنون. قال قتادة: والله إن عليك يا ابن آدم لشهوداً غير متهمة من بدنك فراقبهم واتق الله في سر أمرك وعلانيتك، فإنه لا تخفى عليه خافية، الظلمة عنده (ضوء، والسر) عنده علانية من استطاع أن يموت وهو بالله حسن الظن فليفعل، ولا قوة إلا بالله. * * * ثم قال: ﴿وَلَـٰكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ ٱللَّهَ لاَ يَعْلَمُ كَثِيراً مِّمَّا تَعْمَلُونَ﴾ أي: ولكن حسبتم أيها العاصون حين ركبتم المعاصي في الدنيا أن الله لا يعلم أعمالكم فلذلك فعلتموها). قال ابن مسعود: كنت مستتراً بأستار الكعبة فدخل ثلاثة نفر: ثقفيان وقرشي أو قرشيان وثقفي، كثير شحوم أبدانهم، قليل فقه قلوبهم، فتكلموا بكلام لم أفهمه. فقال أحدهم، أترون أن الله يسمع ما نقول. فقال الرجلان: إذا رفعنا أصواتنا سمع، وإذا لم نرفع أصواتنا لم يسمع. فأتيت النبي ﷺ فذكرت له ذلك، فنزلت هذه الآية: ﴿وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ ...﴾ الآية. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ ٱلَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ﴾ أي: وذلك الذي جنيتم في الدنيا على أنفسكم من معاصي الله هو من ظنكم الذي ظننتم أن الله لا يعلم ما تعملون، أهلككم ذلكم الظن فأصبح في الآخرة من الذين خسروا أنفسهم. وقرأ الحسن هذه الآية ثم قال: قال الله جل ذكره: "عبدي، أنا عند ظنه بي، وأنا معه إذا دعاني". ثم نظر الحسن فقال: إنما عمل الناس على قدر ظنونهم بربهم، فأما المؤمن فأحسن بالله الظن وأحسن العمل، (وأما الكافر والمنافق فأساء الظن وأساء العمل). وذكر معمر أنه بلغه أنه: "يؤمر برجل إلى النار فيلتفت فيقول: يا رب، ما كان هذا ظني بك. قال: (وما كان ظنك) قال: كان ظني بك أن تغفر لي ولا تعذبني قال: فإني عند ظن عبدي". وقال قتادة: الظن ظننان: ظنُّ مُرْدٍ، وظنُّ مُنْجٍ، فأما الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم، ومن قال: ﴿إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاَقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٠] فهذا الظن المنجي - ظن ظناً يقيناً - قال: وقال هاهنا: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ ٱلَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ﴾ فهذا ظن مرد. وقوله عن قول الكافرين: ﴿إِن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَنّاً﴾ [الجاثية: ٣٢] مثله. قال قتادة: وذكر لنا أن نبي الله عليه السلام كان يقول ويروي عن ربه عز وجل: "عبدي أنا عند ظنه بي وأنا معه إذا دعاني فمعنى الآية: وهذا الظن الذي ظننتم بربكم أنه لا يعلم كثيراً مما تعملون هو الذي أهلككم لأنكم من أجل هذا الظن الخبيث تجرأتم على محارم الله سبحانه، وركبتم ما نهاكم عنه فأهلككم ذلك وأصبحتم في القيامة من الذين خسروا أنفسهم فهلكوا. وقد روى جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: "من استطاع منكم ألا يموت إلا وهو يحسن الظن بالله فليفعل. ثم تلا: "﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ ٱلَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ﴾ الآية. واستحب العلماء للرجل المؤمن أن يكون الخوف عليه في صحته أغلب من الرجاء، فإذا مرض وحضرت وفاته استحبوا أن يكون الرجاء في عفو الله أغلب عليه من الخوف. * * * ثم قال تعالى: ﴿فَإِن يَصْبِرُواْ فَٱلنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ﴾، المعنى فإن يصبروا على النار أولا يصبروا فالنار مسكن ومأوى لهم. ﴿وَإِن يَسْتَعْتِبُواْ فَمَا هُم مِّنَ ٱلْمُعْتَبِينَ﴾، أي: وإن يسألوا الرجعة إلى الدنيا والتخفيف من العذاب فما هم ممن يخفف عنهم ما هم فيه ولا يرجعون إلى الدنيا. وقيل: المعنى: فإن يصبروا في الدنيا على أعمال أهل النار فالنار مسكن لهم في الآخرة كما قال: ﴿فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى ٱلنَّارِ﴾ [البقرة: ١٧٥]. وقيل: المعنى: وإن يستعتبوا في الدنيا وهم مقيمون على كفرهم فما هم من المعتبين. والاستعتاب إنما يكون من الجزع. فهذا يدل على أنه في النار يكون ذلك. وقيل: المعنى: "فإن يصبروا فالنار أو يجزعوا فالنار مسكن لهم". وقيل: المعنى: إن يصبروا في الدنيا على تكذيبك واتباع آلهتهم، فالنار مثوى لهم يوم القيامة. ويقال: إن هذا جواب لقولهم: ﴿أَنِ ٱمْشُواْ وَاْصْبِرُواْ عَلَىٰ آلِهَتِكُمْ﴾ فقال الله تعالى جل ذكره إن يصبروا على آلهتهم، أي: على عبادتها ﴿فَٱلنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ﴾، وإن يستعتبوا يوم القيامة فلن يعتبوا.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.