الباحث القرآني

جديد: تطبيق «تراث»
قوله تعالى ذكره ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ﴾ - إلى قوله - ﴿وَهُمْ لاَ يَسْئَمُونَ﴾ معناه: لا أحد أحسن قولاً ممن هذه صفته، أي: ممن قال: ربنا الله ثم استقام على الإيمان به والقبول لأمره ونهيه، ودعا عباد الله إلى ما قال به وما عمل. وقرأ الحسن يوماً هذه الآية فقال: هذا حبيب الله، هذا ولي الله، هذا صفوة الله، هذا خيرة الله، هذا أحب الخلق إلى الله، أجاب الله في دعوته، ودعا الناس إلى ما أجاب الله من دعوته، وعمل صالحاً في إجابته، وقال إنني من المسلمين؛ فهو خليفة الله سبحانه. فالآية عند الحسن لجميع المؤمنين. وقال قتادة: هذا عبد صدق قوله عمله، ومولجه مخرجه، وسره علانيته وشاهده مغيبه، ثم قال: وإن المنافق عبد خالف قوله عمله ومولجه مخرجه، وسره علانيته، وشاهده مغيبه. قال السدي: عنى بهذه نبي الله محمداً ﷺ، دعا إلى الله جل ذكره، وعمل صالحاً، وقاله ابن زيد وابن سيرين). روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: نزلت في المؤذنين. وقال عكرمة: قوله: ﴿مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ﴾، يعني: المؤذنين. ﴿وَعَمِلَ صَالِحاً﴾، قال: صلى وصام. وذكر في حديث يرفعه: "أول من (يقضي) الله له بالرحمة يوم القيامة المؤذنون، وأول المؤذنين مؤذنو مكة. قال: والمؤذنون أطول الناس أعناقاً يوم القيامة. والمؤذنون إذا خرجوا من قبورهم أذنوا فنادوا بالآذان، والمؤذنون لا يدودون في قبورهم وعن عمر رضي الله عنه أنه قال: "قالت الملائكة: لو كنا نزولاً في الأرض ما سبقنا إلى الآذان أحد". وقال قيس بن أبي حازم: ﴿مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ﴾، قال: هو المؤمن ﴿وَعَمِلَ صَالِحاً﴾، قال: الصلاة بين الأذان إلى الإقامة. وهذه الآية تدل على أنه جائز أن يقول المسلم: أنا مسلم بلا استثناء، أي: قد استسلمت لله عز وجل وخضعت له بالطاعة جلة عظمته. * * * ثم قال تعالى ﴿وَلاَ تَسْتَوِي ٱلْحَسَنَةُ وَلاَ ٱلسَّيِّئَةُ﴾ "لا" الثانية زائدة للتأكيد. والمعنى: لا يستوي الإيمان بالله عز وجل، والعمل بطاعته سبحانه، والشرك بالله عز وجل والعمل بمعصيته تعالى. قال عطاء: الحسنة هنا: لا إله إلا الله، والسيئة الشرك. * * * ثم قال ﴿ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، أي: ادفع بالحالة التي هي أحسن السيئة. والمعنى: ادفع يا محمد بحلمك جهل من جهل عليك، وبعفوك إساءة من أساء إليك، وبصبرك على مكروه من تعدى عليك. وقال ابن عباس في الآية: أمر الله عز وجل المسلمين بالصبر عند الغضب والحلم والعفو عند الإساءة. فإذا فعلوا ذلك عصمهم الله من الشيطان وخضع لهم عدوهم حتى يصير كأنه ولي حميم. وقال مجاهد: معناه: ادفع بالسلام إساءة من أساء إليك، تقول له إذا لقيته السلام عليكم، وقاله عطاء. وعن ابن عباس أيضاً أنه قال: هما الرجلان يسب أحدهما الآخر، فيقول المسبوب للساب: إن كنت صادقاً فغفر الله لي، وإن كنت كاذباً فغفر الله لك، فيصير الساب كأنه صديق لك، قريب منك. والحميم: القريب. قال المبرد: "الحميم: الخاص". ثم قال تعالى جل ذكره ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ﴾، أي: وما يعطى دفع السيئة بالحسنة إلا الذين صبروا - لله - على المكاره والأمور الشاقة ﴿وَمَا يُلَقَّاهَآ إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾، أي: وما يعطى ذلك إلا ذو نصيب وافر من الخير. وقيل: المعنى: ما يلقى شهادة ألا إله إلا الله إلا الذين صبروا على المكاره والأذى في الله عز وجل، وما يلقى ذلك إلا ذو حظ عظيم في الآخرة. ونزل هذا كله بمكة والمؤمنون يؤذون على الإيمان، ويمتحنون ويعذبون حتى فروا إلى أرض الحبشة. وقيل: إنها والتي قبلها نزلتا في أبي بكر رضي الله عنه. ثم هي عامة في كل من كان على طريقته ومنهاجه. وقال قتادة: الحظ العظيم هنا: الجنة: وقاله ابن عباس أيضاً. وروي أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه شتمه رجل ورسول الله ﷺ شاهد فعفا عنه ساعة؛ ثم إن أبا بكر جاش به الغضب فرد عليه، فقام النبي ﷺ، فاتبعه أبو بكر وقال: يا نبي الله شتمني الرجل فعفوت عنه وصفحت وأنت قاعد؛ فلما أخذت أنتصر قمت! فقال له النبي ﷺ "إنه كان يرد عليه ملك من الملائكة، فلما أخذت تنتصر ذهب الملك وجاء الشيطان، فوالله ما كنت لأجالس الشيطان يا أبا بكر" ثم قال تعالى ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ﴾، أي: وإما يلقين الشيطان - يا محمد - في نفسك وسوسة من العزيمة على مجازاة المسيء بإساءته فاستجر بالله واعتصم به من عمل الشيطان. ﴿إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ﴾ لاستعاذتك واستجارتك به. ﴿ٱلْعَلِيمُ﴾ بما ألقى الشيطان في نفسك من نزعاته هذا قول السدي وقال ابن زيد: هو الغضب. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ ٱلَّيلُ وَٱلنَّهَارُ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ﴾، أي: ومن علاماته وأدلته التي تدل على وحدانيته وقدرته وحجته على خلقه وعظيم سلطانه اختلاف الليل والنهار، ومعاقبة كل واحد منهما الآخر. والشمس والقمر مسخرات لا يدرك أحدهما الآخر. * * * ثم قال تعالى: ﴿لاَ تَسْجُدُواْ لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ وَٱسْجُدُواْ لِلَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾، فإنما هما خلق مثلكم خلقا لمنافعكم بهما. * * * وقوله: ﴿خَلَقَهُنَّ﴾ جاء بلفظ التأنيث، والجمع رد على الليل والنهار والشمس والقمر وأنثن، كما يؤنث جمع ما لا يعقل وإن كان مذكراً إذا كان من غير بني آدم. وقيل: الضمير يعود على الشمس والقمر، وأتى الجمع في موضع التثنية لأن الاثنين جمع. وقيل: الضمير يعود على معنى الآية. * * * وقوله: ﴿إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾، أي: أخلصوا لله وحده إن كنتم إياه تعبدون، وهذا موضع السجدة عند مالك. وقد روي أن رجلاً من الأنصار على عهد النبي ﷺ استتر بشجرة يصلي من الليل فقرأ "ص" فلما بلغ السجدة سجد وسجدت معه الشجرة فسمعها وهي تقول: اللهم أعظم لي بهذه السجدة أجراً، وارزقني بها شكراً وضع عني بها وزراً، وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داوود (عليه السلام). فذكر الرجل ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "نحن أحق أن نقول ذلك". فكان النبي ﷺ يقول ذلك في سجوده ثم قال تعالى ﴿فَإِنِ ٱسْتَكْبَرُواْ فَٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ﴾، أي: فإن استكبر هؤلاء الذين أنت - يا محمد - بين أظهرهم، عن السجود والخضوع لله الذي خلقهم وخلق الشمس، فإن الملائكة الذين عند ربك لا يستكبرون عن ذلك: على جلالة قدرهم، بل يسبحون له ويصلون ليلاً ونهاراً. ﴿وَهُمْ لاَ يَسْئَمُونَ﴾، أي: لا يفترون ولا يملون. * * * ومعنى ﴿عِندَ رَبِّكَ﴾، أي: في طاعته وعبادته، لم يعن القرب من مكانه لأن المكان على الله تعالى لا يجوز ولا يحتاج إلى مكان لأن المكان محدث وقد كان تعالى ذكره ولا مكان. فالمعنى: فالذين في طاعة ربك وعبادته يسبحون له.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.