الباحث القرآني

جديد: تطبيق «تراث»
قوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى ٱلأَرْضَ خَاشِعَةً﴾ - إلى قوله - ﴿مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾. أي: ومن علاماته وحججه وأدلته على توحيده وقدرته على نشر الأموات وبعثهم أنك - يا إنسان - ترى الأرض. وقيل: الخطاب للنبي ﷺ. ومعنى خاشعة: دارسة غبراء لا نبات فيها ولا زرع. ﴿فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ﴾، يعني: المطر. ﴿ٱهْتَزَّتْ﴾ يعني: بالنبات. ﴿وَرَبَتْ﴾، أي: انتفخت وارتفعت. قال قتادة: خاشعة، أي: غبراء متهشمة. وقال السدي: يابسة متهمشة. وأصل الاهتزاز: التحرك. * * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِيۤ أَحْيَاهَا لَمُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ﴾، أي: إن الذي أحيى الأرض الدراسة فأخرج منها النبات وجعلها تهتز بالزرع بعد يبسها، قادر على أن يحيي أموات بني آدم بالماء أيضاً بعد مماتهم. قال السدي إنه كما يحيي الأرض بالمطر، كذلك يحيي الموتى بالمطر أيضاً وذلك مطر ينزله الله بين النفختين. ﴿إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، أي: لا يعجزه شيء إذا أراده. * * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِيۤ آيَاتِنَا﴾، أي: يميلون عن الحق في حججنا وأدلتنا ويعدلون عنه تكذيباً وجحوداً لا يخفون على الله سبحانه، بل هو عالم بأعمالهم فيجازيهم عليها يوم القيامة. قال مجاهد يلحدون في آياتنا يعني: المكاء والصفير واللغو عند القرآن، استهزاء منهم به، ومعارضة منهم للقرآن. وقال قتادة: يلحدون: يكذبون. وقال السدي: يلحدون: "يعاندون ويشاقون". وقال ابن زيد: هم أهل الكفر والشرك بآيات الله سبحانه. وقال ابن عباس: هم الذين يبدلون آيات الكتاب فيضعون الكلام في غير موضعه. وأصل الإلحاد: الميل عن الحق، ومنه سمي اللحد لحداً لميله في جانب القبر. * * * ثم قال تعالى: ﴿أَفَمَن يُلْقَىٰ فِي ٱلنَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِيۤ آمِناً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ﴾. قال عكرمة: أفمن يلقى في النار: هو: أبو جهل: ومن يأتي آمناً، هو: عمار ابن ياسر). وقيل: هو حمزة رضي الله عنهما. وقيل هو عام. والمعنى: الكافر خير أم المؤمن؟ وخوطبوا بذلك على دعواهم. ولا يجوز أن يخاطب بهذا المؤمنون، لأنهم قد علموا أنه لا خير في الكافر. والمعادلة "بأم" لا تكون إلا بين شيئين متقاربين في المدح أو في الذم، ولا قرب بين الكافر والمؤمن في مدح ولا ذم. الذم كله للكافر، والمدح كله للمؤمن. فإنما جاءت هذه الآية وما أشبهها خطاباً للكفار، لأنهم كانوا يدعون أن فيهم خيراً وفضلاً. فخوطبوا على المناقضة لدعواهم. * * * ثم قال تعالى: ﴿ٱعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾، هذا وعيد وتهدد وليس بإباحة لهم أن يعملوا ما يريدون، إنما هو تواعد وإعلام أن الله عز وجل ذو خبر وعلم بما يعملون لا يخفى عليه شيء. * * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلذِّكْرِ لَمَّا جَآءَهُمْ﴾، يعني القرآن. وخبر "إنَّ" عند الكسائي قد سد مسده ما تقدم من الكلام قبل "إنَّ" وهو قوله: "أفمن يلقى في النار" ونحوه. وقيل: الخبر: ﴿أُوْلَـٰئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾. وقيل: الخبر محذوف، والتقدير: إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم خسروا وكفروا بمعجزه، ونحوه. ودل على هذا اللفظ قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ﴾ (وهذا مذهب الفراء. وقيل: التقدير في المحذوف: أهلكوا. ومعنى الآية: إن الذين جحدوا بهذا القرآن وكذبوا بما فيه خسروا أخراهم، وإن القرآن لكتاب عزيز) بإعزاز الله عز وجل إياه وحفظه له من كل من أراد به تبديلاً أو تحريفاً. قال قتادة: وإنه لكتاب عزيز أعزه الله لأنه كلامه وحفظه من الباطل. وقيل: معنى النفي في (هذه: التكثير). والمعنى: لا يأتيه الباطل البتة. وقال الطبري: معناه: لا يقدر (ذو باطل بكيده بتغيير ولا تبديل، وذلك هو الإتيان من بين يديه. ومعنى: "ولا من خلفه"، أي: ولا يستطيع ذو باطل أن يلحق فيه) ما ليس فيه. وقيل: المعنى: لم يتقدمه كتاب يبطله، ولن يأتي بعده كتاب يخالفه. وهذا قول حسن. * * * ثم قال تعالى ﴿تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾، أي: من عند ذي حكمة بتدبيره عباده، محمود على نعمه على خلقه. * * * ثم قال تعالى: ﴿مَّا يُقَالُ لَكَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ﴾. هذا تسلية للنبي ﷺ على ما قابله به المشركون من قولهم: كذاب وساحر ومجنون ونحو ذلك. فأعلمه الله جل ذكره أن الذي قابلوه به من التكذيب والقول القبيح قد قابلت الأمم قبله رسلها بمثل ذلك فصبروا حتى جاء نصر الله فكذلك يجب عليك يا محمد أن تصبر. وقيل: عزيز، أي قاهر لا يقدر أحد أن يأتي بمثله. وقوله تعالى: ﴿لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ﴾ قال قتادة: الباطل الشيطان، لا يستطيع أن ينتقص منه حقاً، ولا يزيد فيه باطلاً". وقال السدي: الباطل: الشيطان، لا يستطيع أن يزيد فيه حرفاً ولا ينقص. وقال الضحاك وابن جبير: "معناه: لا يأتيه كتاب من قبله فيبطله ولا من بعده". فيكون الباطل على هذا القول بمعنى: (البطول). وفاعل يقع بمعنى المصدر مثل: عافاه الله عافية. وقيل: المعنى: لا يأتيه الباطل من بين يديه، أي: من قبل أن يتم نزوله، ولا من خلفه، أي: ولا من بعد تمام نزوله. وقيل: معنى "من بين يديه": بعد نزوله كله "ولا من خلفه" قبل تمامه. وقيل: المعنى: لا يأتيه الباطل من قبل أن ينزل، لأن الأنبياء قد بشرت به فلم يقدر الشيطان أن يدحض ذلك. ولا من خلفه بعد أن أنزل. قال قتادة في الآية: إن الله جل ذكره يعزي نبيه ﷺ بهذا. ومثله قوله: ﴿كَذَلِكَ مَآ أَتَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ قَالُواْ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات: ٥٢]. * * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ﴾، أي: لذو ستر على ذنوب التائبين من الكفر، العاملين بأمره، المطيعين له. ﴿وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ﴾ لمن دام على كفره. فالناس يلقون الله تبارك وتعالى على طبقات أربع: مطيع مؤمن، يدخله الجنة، وتائب مؤمن، يقبل توبته ويدخله الجنة؛ ومصر على المعاصي، هو في مشيئة الله عز وجل إن شاء عاقبة، وإن شاء عفا عنه؛ وكافر يدخله النار حتماً، لقوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: ٤٨]. هذا مذهب أهل السنة والاستقامة فاعرفه واعتقده ولا تعرج عنه! فله لا إله إلا هو أن يفعل في أهل الذنوب ما شاء من مغفرة أو معاقبة لا يسأل عما يفعل وهم يسألون كما كان له في الأزل أن يخلق خلقاً للنار وبعملها يعملون، وخلقاً للجنة وبعملها يعملون: قال جل ذكره: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ﴾ [الأعراف: ١٧٩]. أي: خلقناهم لها. * * * ثم قال تعالى ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أعْجَمِيّاً لَّقَالُواْ لَوْلاَ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ءَاعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾، أي: ولو جعلنا هذا القرآن أعجمياً (لقال قومك: يا محمد هلا بينت آياته فنفهمه، أقرآن أعجمي ونبي عربي. أي: لكانوا يقولون ذلك إنكاراً له. قال ابن جبير: معناه: لو كان هذا القرآن أعجمياً لقالوا: القرآن أعجمي ومحمد عربي). وقال السدي: معناه: لو كان هذا القرآن أعجمياً لقالوا، نحن قوم عرب، ما لنا وللعجمة. وهذا كله على قراءة من قرأ بالاستفهام في "أعجمي". فأما على قراءة من جعله خبراً" فمعناه: لو جعلنا القرآن أعجميا لقالوا: هلا فصلت آياته، فجاء بعضها عربي وبعضها عجمي، (فنحن نعرف العربي) ويعرف العجم العجمي. قال ابن جبير: قالت قريش: هلا أنزل هذا القرآن أعجمياً وعربياً فأنزل الله عز وجل "لقالوا ﴿لَوْلاَ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ءَاعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾. والأعجمي: المنسوب الى اللسان الأعجمي، يقال: رجل أعجمي إذا كان لا يفصح - كان من العرب أو من العجم، ويقال رجل عجمي إذا كان من الأعاجم فصيحاً كان أو غير فصيح. * * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ هُدًى وَشِفَآءٌ﴾، أي: قل يا محمد: هذا القرآن للذين آمنوا به وصدقوا بما فيه "هدى"، أي: بيان للحق "وشفاء"، (أي: دواء) من الجهل. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِيۤ آذَانِهِمْ وَقْرٌ﴾، أي: والذين لا يؤمنون به وبما فيه في آذانهم صمم عن استماع لا ينتفعون به. ﴿وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾، أي: وهذا القرآن على قلوب المكذبين به عمى لا يبصرون حججه وما فيه من المواعظ. قال قتادة: عموا وصموا عن القرآن، فلا ينتفعون به، ولا يرغبون فيه. وقال السدي: عميت قلوبهم عنه. قال ابن زيد: (العمى: الكفر). وقرأ ابن عباس ومعاوية وعمرو بن العاص: "وهو عليهم عم" على فعل. * * * ثم قال تعالى ﴿أُوْلَـٰئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾. هذا تشبيه لبعد قلوبهم عن قبول الحق والموعظة. والعرب: تقول للرجل البعيد الفهم: "إنك لتنادي من بعد" ويقولون للفهيم: إنك لتأخذ الأمر من قريب. قال مجاهد: معناه "بعيد من قلوبهم"، وقاله الثوري أيضاً وقال ابن زيد: ضيعوا أن يقبلوا الأمر من قريب (ويتوبون ويؤمنون فيقبل) منهم فماتوا. وقال الضحاك: هذا يوم القيامة، ينادون بأشنع أسمائهم ليفضحوا على رؤوس الخلائق فيكون أعظم في توبيخهم.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.