الباحث القرآني

قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَصَـٰبَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿هُمْ يَغْفِرُونَ﴾. أي: والذي أصابكم من مصيبة بما كسبت أيديكم. وقيل: "ما" للشرط، والفاء مرادة، وحسن حذفها؛ لأن الفعل الأول لم يعمل فيه الشرط، إذ هو ماض. وفي كون "ما" بمعنى "الذي بعد"، لأنه يصير مخصوصاً للماضي. فكأن ما أصابنا فيما مضى من مصيبة هو بما كسبت أيدينا وما يصيبنا فيما نستقبل يحتمل أن يكون مثل ذلك، وأن يكون على خلافه، لغير ما كسبت أيدينا. وهذا (لا يجوز، بل هو عام فيما مضى وما يستقبل، لا يصيبنا من مصيبة ماضية أو مستقبلة إلا بما كسبت أيدينا. وهذا المعنى لا يتضمنه) إلا الشرط لأنه للعموم. فمعنى الآية: إن الله جل ذكره أعلمنا أن ما يصيبنا من مصيبة في الدنيا في الأموال والأنفس والأهل فهو عقوبة منه لنا بما اكتسبنا من الآثام. ثم قال تعالى: ﴿وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ﴾، أي: مما اكتسبنا فلا يعاقبنا عليه في الدنيا بالمصائب. قال قتادة: ذكر لنا نبي الله عليه السلام قال: "لا يُصيبُ ابنَ آدمَ خَدشُ عودٍ، ولا عَثْر قَدَمٍ، ولا اختلاجُ عرقٍ إلاَّ بِذَنبٍ، وَمَا يَعْفُو عَنْهُ أَكْثَر وقال ابن عباس: تعجل للمؤمنين عقوبتهم بذنوبهم في الدنيا ولا يؤاخذون بها في الآخرة. وقال الحسن: معنى الآية في الحدود، أن الله تعالى جعل الحدود على ما يعمل الإنسان من المعاصي. وهذا يعطي أن "ما" بمعنى "الذي". قال إبراهيم بن عرفة: الكثير الذي يعفو (الله عز وجل عنه) لا يحصى. وهذه من أرجى آية في القرآن. وقال علي رضي الله عنه في هذه الآية: إذا كان يكفر عني بالمصائب ويعفو عن كثير فماذا يبقى من ذنوبي بين كفارته وعفوه. وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال: ألا أخبركم بأرجى آية في كتاب الله؟ قالوا: بلى، فقرأ: "وما أصابكم من مصيبة" الآية. ثم قال: فالمصائب في الدنيا بكسب الأيدي، وما عفا الله عز وجل عنه في الدنيا فلم يعاقب به في الدنيا فهو أجود وأمجد وأكرم أن (يعذب به) في القيامة. وروي عنه رضي الله عنه أنه قال: ما أحب أن لي بها الدنيا وما فيها. (وقال أبو وائل: ما من مسلم يشاك بشوكة فما فوقها إلا رفعه الله بها درجة، وحط عنه بها خطيئة). * * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي ٱلأَرْضِ﴾، أي: وما أنتم أيها الناس بمُعتِبِين ربكم بأنفسكم هرباً في الأرض حتى لا يقدر عليكم إذا أراد عقوبتكم على ذنوبكم، ولكنكم في سلطانه حيث كنتم، وتحت قدرته أين حللتم، وفي مشيئته كيف تقلبتم. * * * ثم قال: ﴿وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ﴾، أي: (ليس لكم) أيها الناس وَلِيٌّ يليكم فيدفع عنكم عقاب الله، ولا نصير ينصركم إذا أراد عذابكم. قال المبرد: بمعجزين: بسابقين، يقال: أعجز إذا عدا فسبق. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ ٱلْجَوَارِ فِي ٱلْبَحْرِ كَٱلأَعْلاَمِ﴾، أي: ومن علامات الله وأدلته، وحججه عليكم أيها الناس أنه قادر على تسيار السفن الجارية في البحر. و ﴿ٱلْجَوَارِ﴾، جمع جارية وهي: السائرة في البحر. ﴿كَٱلأَعْلاَمِ﴾: كالجبال، واحدها علم. * * * ثم قال تعالى: ﴿إِن يَشَأْ يُسْكِنِ ٱلرِّيحَ﴾، أي: إن يشأ الله ألا تجري هذه السفن في البحر، يسكن الرياح التي (تجري بها). ﴿فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَىٰ ظَهْرِهِ﴾، أي: فيصرن سواكن ثوابت على ظهر البحر لا يجرين. * * * ثم قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾، أي: إن في جري هذه السفن في البحر وقدرة الله على إمساكها ألا تجري بإسكانه الرياح، لعظة وعبرة وحجة على أن الله قادر على ما يشاء لكل ذي صبر على طاعة الله شكورٍ نِعَمَ ربه. * * * ثم قال تعالى: ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا﴾، أي: يغرق هذه السفن في البحر فيهلكن أي يهلك من فيهن بذنوبهم. * * * ثم قال: ﴿وَيَعْفُ عَن كَثِيرٍ﴾، أي: ويصفح جل ثناؤه عن كثير من ذنوبكم لا يعاقب عليها. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِيۤ آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِّن مَّحِيصٍ﴾، أي: ويعلم الذين يخاصمون محمداً ﷺ في آيات الله سبحانه [ما لهم من محيل عن عقاب الله إذا أتاهم على كفرهم، قال السدي] ما لهم من محيص: من ملجأ. قال الزجاج: "ما لهم من معدل ولا ملجأ، يقال: حاص عنه إذا تنحى عنه". * * * ثم قال تعالى: ﴿فَمَآ أُوتِيتُمْ مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا﴾، أي: فما أعطيتم أيها الناس من شيء من رياش الدنيا، ومن المال فهو متاع الحياة الدنيا تستمتعون به في حياتكم، وليس من دار الآخرة، ولا مما ينفعكم. ﴿وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ لِلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾، أي: وما عند الله لأهل طاعته، والإيمان به، والتوكل عليه في الآخرة، خير مما أوتيتم في الدنيا من متاعها. "وأبقى"، أي: وأدوم، لأنه لا زوال عنه ولا انقطاع، ومتاع الدنيا (فان وزائل) عن قليل. * * * ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ ٱلإِثْمِ وَٱلْفَوَاحِشَ﴾، أي: وهو للذين يجتنبون كبائر الإثم. روي عن ابن مسعود أنه قال: قلت: يا رسول الله، أي: الذنب أعظم؟ قال: "أَنْ تَجْعَلَ لله نِدّاً وهو خَلَقَكَ، قلت: ثُمَّ أَيُّ؟ قال أن تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أن يَأْكُلَ مَعَكَ. قلت: ثم أَي: قَالَ: أن تَزْنِي بِحَلِيلَةِ جَارِكَ؛ ثُمَّ ذَكَرَ أَكْلَ مَالِ اليَتِيمِ، وَقَذْفَ المُحْصَنَةِ، والغلُولَ، والسِّحْرَ وَأَكْلَ الرِّبَا" فهذا حديث مفسر في الكبائر. وعن ابن مسعود أنه قال: الكبائر: من أول سورة "النساء" إلى رأس ثلاثين آية منها إلى قوله: ﴿وَنُدْخِلْكُمْ مُّدْخَلاً كَرِيماً﴾ [النساء: ٣١]. وقال ابن عباس - وقد سئل عن الكبائر - هي كل ما نهى الله تعالى عنه. وروي عنه أنه قال: الكبائر: "(كل ما) ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب". وقال الضحاك: هي كل موجبة أوجب الله عز وجل لأهلها العذاب (وكل ما) يقام عليه الحد فهو كبيرة. وعن ابن عباس: "والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش"، قال: هو الشرك بالله عز وجل، واليأس من روح الله سبحانه، والأمن من مكر الله جلت عظمته، ومنها: عقوق الوالدين، وقتل النفس التي حرم الله سبحانه، وقذف المحصنات، وأكل (مال اليتيم)، والفرار من الزحف، وأكل الربا، والسحر، والزنا، واليمين الغموس واليمين الفاجرة، والغلول، ومنع الزكاة المفروضة، وشهادة الزور، وكتمان الشهادة، وشرب الخمر، وترك الصلاة عامداً، أو شيئاً مما افترض الله سبحانه، ونقض العهد، وقطيعة الرحم. وقال السدي: الفواحش: الزنا. * * * وقوله: ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُونَ﴾، أي: إذا غضبوا على من أساء إليهم غفروا وصفحوا له.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب