الباحث القرآني

قوله تعالى: ﴿لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَهُوَ ٱلْعَلِيُّ ٱلعَظِيمُ﴾، إلى قوله: ﴿وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، أي: له ملك ما فيها من جميع الأشياء كلها. ﴿وَهُوَ ٱلْعَلِيُّ﴾ أي: ذو علو وارتفاع على كل الأشياء، ارتفاع مُلْكٍ وقُدْرَةٍ وسُلطانٍ، لارتفاع انتقالٍ. ﴿ٱلعَظِيمُ﴾: وله العظمة والكبرياء. * * * ثم قال تعالى: ﴿تَكَادُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ﴾، أي: تكاد تشقق من فوق الأرضين من عظمة الرحمن وجلالته. هذا قول جميع المفسرين. وقيل: المعنى: تكاد السماوات يتشققن من أعلاهن من عظمة الله فيكون الضمير في ﴿فَوْقِهِنَّ﴾ (على القول) الأول يعود على الأرضين. وعلى هذا القول الثاني يعود على السماوات. وكان علي بن سليمان يقول: الضمير في فوقهن للكفار، أي: من فوق الكفار. وهذا قول بعيد، لا يجوز في المذكرين من بنى آدم: "رأيتهن". وقيل: المعنى: يكاد السماوات يتفطرن من فوق الأرضين من قول المشركين وكفرهم. ﴿وَٱلْمَلاَئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ تعظيما لله سبحانه وتعجباً من مقالة المشركين وهم مع يستغفرون لمن في الأرض، يعني المؤمنين. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلْمَلاَئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ أي: يُصَلُّونَ بطاعة ربهم شكراً له وجلالةً وهيبةً، هذا قول الطبري. وقال الزجاج: معناه: والملائكة يُعظمون الله وينزهونه عن السوء. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي ٱلأَرْضِ﴾، أي: ويسألون ربهم المغفرة لذنوب من في الأرض من المؤمنين. وهذا اللفظ عام ومعناه الخصوص قاله السدي وغيره. ولا يجوز أن يكون (عاما فيدخل) في ذلك الكفار لأنه تعالى قد قال: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ ٱللَّهِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [البقرة: ١٦١] فغير جائز أن يستغفر لهم الملائكة. وروي عن وهب بن منبه أنه قال: هي منسوخة (نسختها الآية) التي في سورة المؤمن. قوله تعالى جل ذكره: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ [غافر: ٧]. وهذا عند أهل النظر لا يجوز فيه نسخ لأنه خبر، ولكن تأويل قول وهب ابن منبه في هذا أنه أراد أن هذه الآية نزلت على نسخ تلك الآية. * * * ثم قال: ﴿أَلاَ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾، أي: الغفور لذنوب مؤمني عباده، الرحيم بهم أن يعذبهم بعد توبتهم. وأجاز أبو حاتم الوقف على "من فوقهن". وذلك جائز إن جعلت ما بعده منقطعاً منه. فإن جعلته في موضع الحال لم يجز الوقف دونه. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ ٱللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ﴾، أي: والذين اتخذوا يا محمد من قومك آلهة يعبدونها من دون الله، الله حفيظ لأعمالهم، مُحْصِيهَا عليهم ومُجازيهم بها يوم القيامة. ﴿وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾، أي: ولست يا محمد بالوكيل عليهم تحفظ أعمالهم، إنما أنت مُنْذِرٌ ومُبَلِّغٌ ما أُرسِلت به إليهم، فعليك البلاغ وعلينا الحساب. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِّتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾، أي: أوحينا إليك يا محمد قرآنا بلسان العرب لتنذر عذاب الله أهل أم القرى، وهي مكة. سميت بذلك لأن الأرض دحيت منها. وقيل: سميت (أم القرى لأنها أول ما عُظِّمَ وَشُرِّفَ من القرى. وقيل: سميت) بذلك لأنها أول ما وُضِعَ. كما قال: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً﴾ [آل عمران: ٩٦]. * * * وقوله: ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾، أي: ومن حول أم القرى من سائر الناس. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَتُنذِرَ يَوْمَ ٱلْجَمْعِ لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾، أي: وتنذرهم عقاب الله الكائن في يوم الجمع لا شك فيه، وهو يوم القيامة. وهذا في الحذف مثل قوله تعالى ﴿يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ [آل عمران: ١٧٥]، أي: يخوفكم بأوليائه، فكذلك المعنى: وتنذرهم عقاب الله الكائن يوم الجمع، ثم حذف. فيكون "يوم" على هذا نصباً على الظرف. ويجوز أن يكون النصب على المفعول به كما قال: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلْحَسْرَةِ﴾ [مريم: ٣٩] وكما قال: ﴿وَأَنذِرِ ٱلنَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ ٱلْعَذَابُ﴾ [إبراهيم: ٤٤] فكل هذا انتصب على أنه مفعول به وليس بظرف للإنذار، لأن الإنذار لا يكون يوم القيامة إنما الإنذار في الدنيا. * * * ثم قال تعالى: ﴿فَرِيقٌ فِي ٱلْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي ٱلسَّعِيرِ﴾، أي: منهم فريق في الجنة وهم المؤمنون، وفريق في السعير - وهي جهنم - وهم الكفار. وسميت جهنم بالسعير لأنها تسعر على أهلها. وروي عن النبي ﷺ أنه: "خَرَجَ يَوْماً عَلَى أَصْحَابِهِ وَفِي يَدِهِ كِتَابَانِ، فَقَالَ: هَلْ تَدْرُونَ مَا هَذَا؟ فَقُلْنَا: لاَ، إِلاَّ أَنْ (تُخْبِرَنَا يَا رَسُولَ الله). قَالَ: هَذَا كِتَابٌ مِن رَبِّ العَالَمِينَ، فِيهِ أَسْمَاءُ أَهْلِ الجَنَّةِ وَأَسْمَاءُ آبَائِهِمْ وَقَبَائِلِهِم، ثُمَّ أُجْمِلَ عَلَى آخِرِهِمْ فَلاَ يُزَادُ فِيهِمْ وَلاَ يُنْقَصُ مِنْهُمْ أَبَداً (وَهَذَا كِتَابُ أَهْلِ النَّارِ بِأَسْمَائِهِمْ وَأَسْمَاءِ آبَائِهِمْ، ثُمَّ أُجْمِلُ عَلَى آخِرِهِمْ فَلاَ يُنْقَصُ مِنْهُمْ أَبَدا) فَقَالَ أَصْحَابُ النَّبِيُّ ﷺ: فَفِيمَ العُمُلُ إِذَا كَانَ هَذَا أَمْرٌ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ: بَلْ سَدِّدُوا وَقَارِبُوا، فَإِنَّ صَاحِبَ الجَنَّةِ يُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَإِنْ عَمِلَ أَيَّ عَمَلٍ، وَإِنَّ صَاحِبَ النَّارِ يُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، وَإِنْ عَمِلَ أَيَّ عَمَلٍ. فَرَغَ رَبُّكُمْ مِنَ العِبَادِ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ الله ﷺ بِيَدِهِ فَنَبَذَهُمَا. فَرَغَ رَبُّكُمْ مِنَ الخَلْقِ، فَرِيقٌ فِي الجَنَّةِ، وَفَرِيقُ فِي السَّعِيرِ قَالُوا: سُبْحَانَ الله، فَلِمَ نَعمَلُ وَنَنْصَب؟! فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ: العَمَلُ إِلَى خَوَاتِمِهِ وكان ابن عمر يقول: "إن الله جل ثناؤه لما خلق آدم نفضه نفض المزود فأخرج منه كل ذرية، فخرج أمثال النَّغَفِ فقبضهم قبضتين، وقال: شقي وسعيد، ثم ألقاهما، ثم قبضهما فقال: فريق في الجنة وفريق في السعير". * * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾، أي: على دين واحد. ﴿وَلَـٰكِن يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾، أي يوفقه إلى الإيمان والطاعة فيرحمه. * * * ثم قال: ﴿وَٱلظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِّن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ﴾، أي: والكافرون ما لهم يوم القيامة من ولي يتولى معونتهم، ولا نصير ينصرهم من عقاب الله سبحانه. * * * ثم قال تعالى: ﴿أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ﴾، أي بل اتخذ هؤلاء المشركون من دونه أولياء يعبدونهم من دونه. ﴿فَٱللَّهُ هُوَ ٱلْوَلِيُّ﴾، أي: هو الولي لأوليائه (لأنه يضر وينفع) ﴿وَهُوَ يُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ﴾: (بعد موتهم يوم القيامة. ﴿وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، أي: قادر على إحياء الموتى وعلى غير ذلك مما يريد.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.