الباحث القرآني

جديد: تطبيق «تراث»
قوله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ﴾ إلى قوله: ﴿لَكَفُورٌ مُّبِينٌ﴾. أي: ولئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين من قومك، من خلق السماوات والأرض؟ ﴿لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ ٱلْعَزِيزُ ٱلْعَلِيمُ﴾، أي: العزيز في انتقامه وسلطانه، العليم بكل شيء. * * * ثم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مَهْداً﴾، أي بساطاً فسهل عليكم التصرف فيها من بلد إلى بلد. ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً﴾، أي: طرقاً. ﴿لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾، أي: كي تهتدوا في تصرفكم بتلك الطرق فتتوجهوا حيث شئتم. ولولا ذلك (لم يطق) أحد برَاحاً من موضعه ومنشئه. * * * قوله: ﴿ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مَهْداً﴾ ليس بمتصل بما قبله، لأن ما قبله من جواب المشركين - حكاه الله عنهم. ولو اتصل بما قبله لكان: "الذي جعل لنا الأرض". لكن معناه: إن الله جل ذكره وصف نفسه بنعمه بعد جواب المشركين. فثم إضمار "هو"، هو الذي جعل لكم الأرض مهاداً، ثم وصف نعمه - نعمةً (بعد نعمةٍ) - تنبيه وتقرير. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِي نَزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً بِقَدَرٍ﴾، أي: مطر بمقدار الحاجة بكم إليه. ولم يجعله كالطوفان فيكون عذابا يغرق، (ولا جعله) قليلاً (لا ينبت) به الزرع والنبات، ولكنه جعله بمقدار حاجتكم إليه. وقوله تعالى: ﴿فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾، أي: فأحيينا بذلك المطر بلداً لا نبات فيه ولا زرع فأنبت، فهو كالحياة له. فكما أحيى الأرض بالمطر فأنبتت ولم يكن فيها نبات كذلك يحيي الموتى بالمطر فيخرجون من قبورهم (إلى ربهم). وروي عن ابن مسعود أنه قال: يرسل الله جل ثناؤه ماء مثل مني الرجال، وليس شيء مما خلق الله من الأرض إلا وقد بقي منه شيء، فينبت بذلك الماء: الجسمان واللحوم، تنبت من (الثرى والمطر)، ثم قرأ ابن مسعود: ﴿وَٱلَّذِي نَزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً﴾ - إلى - ﴿تُخْرَجُونَ﴾. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَزْوَاجَ كُلَّهَا﴾، أي: الأجناس والأصناف من الخلق. وقيل: معنى خلق كل شيء فزوجه، بأن خلق الذكور من الإناث أزواجاً، وخلق الإناث من الذكور أزواجاً. وواحد الأزواج على "فَعْل" وكان بابه أن يجمع على "أَفْعُلٌ" إلا أنهم استثقلوا الضمة في الواو فنقلوه إلى جمع "فعل" فجمعوه على "أفعال" (وبابه "أفعال") فشبه فعلاً بفعل إذ عدد الحروف متساوية، وعلى ذلك (أيضاً شبهوا) "فَعَلاً" بـ "فَعْل" وجمعوه على "أَفْعُل" وبابه "أَفْعَال" قالوا: زَمَنٌ وَأَزْمُنٌ. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلْفُلْكِ وَٱلأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ﴾ يعني: السفن في البحر، والإبل والخيل والبغال والحمير في البر، تركبون ذلك حيث شئتم. * * * ثم قال تعالى: ﴿لِتَسْتَوُواْ عَلَىٰ ظُهُورِهِ﴾، (أي: على ظهور) ما تركبون، فلذلك وحدت الهاء. وقال الفراء: معناه: على ظهور هذا الجنس، فهو عنده بمنزلة "كَثُرَ الدِّرْهَمُ. والأحسن أن تكون مردودة على لفظ "ما" في قوله: ﴿مَا تَرْكَبُونَ﴾ و "ما" مذكرة اللفظ موحدة. ومثله الهاء في قوله: ﴿إِذَا ٱسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾. وإنما أتى "ظهوره" بالجمع، لأنه رد على المعنى الواحد فيه بمعنى الجمع، ورجعت الهاء على "ما" على اللفظ. وهذا نادر قدم فيه الحمل على المعنى (على الحمل على اللفظ وباب "من" و "ما" أن يقدم فيه الحمل على اللفظ قبل الحمل على المعنى) ونظيره قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَـٰذِهِ ٱلأَنْعَٰمِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰ أَزْوَٰجِنَا﴾ [الأنعام: ١٣٩] (فقدم الحمل على المعنى قبل الحمل على اللفظ. وهذا على قراءة من قرأ) خالصة بتاء التأنيث، ونظيره أيضاً: ﴿كُلُّ ذٰلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً﴾ [الإسراء: ٣٨] فأنث "سيئة" حملاً على معنى "كل"، ثم قال: "مكروهاً" فذكَّر، حملاً على لفظ "كل". وهو كله (نادر لم أجد) له نظيراً. * * * ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ تَذْكُرُواْ نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا ٱسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾، أي: نعمة ربكم التي أنعم عليكم بها إذا سخر لكم ما تركبون في البر والبحر. * * * ثم قال: ﴿وَتَقُولُواْ سُبْحَانَ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا﴾، أي: وتقولوا تنزيها لله (وبراءة له) من السوء الذي سخر لنا هذا الذي ركبناه. قال قتادة: علمكم الله كيف تقولون إذا ركبتم الفلك: تقولون: ﴿بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْريٰهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [هود: ٤١]، وإذا ركبتم الإبل تقولون: ﴿سُبْحَانَ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ﴾. وعلمكم (ما تقولون) إذا نزلتم من الفلك والأنعام جميعاً، تقولون: اللهم انزلنا ﴿مُنزَلاً مُّبَارَكاً وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْمُنزِلِينَ﴾. وكان طاوس إذا ركب يقول: اللهم هذا من فضلك ومنك ثم يقول: ﴿سُبْحَانَ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ﴾. * * * ومعنى ﴿مُقْرِنِينَ﴾: مطيقين، قاله ابن عباس وقتادة والسدي وابن زيد، أي لم نطق على الانتفاع بهذه الأنعام إلا بك. وحكى أهل اللغة: أقرن له، إذا أطاقه. وحكوا أنا مقرن لهذا أي: مطيق له. وقال أبو عبيدة، مقرنين: ضابطين له. وحكى أنه "يقال: فلان مقرن لفلان، أي: ضابط له". وقد روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه كان (إذا جعل رجله في الركاب يقول): بسم الله، فإذا استوى راكباً قال: الحمد لله، ثم يقول: ﴿سُبْحَانَ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ اللهم لا إله إلا أنت قد عملت سوءاً (وظلمت نفسي) فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. ثم يقول: رأيت رسول الله ﷺ فعل كفعلي. وقال مجاهد: من ركب ولم يقل: ﴿سُبْحَانَ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا ...﴾ الآية، قال له الشيطان تَغَنَّهْ؛ فإن لم يحسن قال له تَمَنَّهْ. * * * وقوله: ﴿وَإِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ﴾، أي: ويقولون أيضاً هذا. ومعناه: راجعون بعد الموت، مبعوثون. وهذا كله في معنى الأمر بذكر نعم الله عز وجل على خلقه وشكره عليها. وقد قيل: إن التقدير: ليأمركم إذا استويتم على ظهوره أن تذكروا نعمته، وهو مثل قوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، أي: لأمرهم أن يعبدون، فقد أمرهم تعالى ذكره بذلك. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾، يعني: ما أضاف المشركون إلى الله جل ذكره من البنات تعالى عن ذلك علواً كبيراً. * * * ومعنى ﴿وَجَعَلُواْ﴾ (ها هنا: ) قالوا ووصفوا، وهو قولهم: الملائكة بنات الله سبحانه وتعالى، قاله مجاهد والسدي. قال قتادة: الجزء هنا: العدل، أي: جعل له المشركون عدلاً، وهي الأصنام. وقال عطاء: جزءاً، أي: نصيباً، شريكاً وهو قول الضحاك والربيع بن أنس، وهو معنى قول ابن عباس. وقال زيد بن أسلم: هي الأصنام. وذكر الزجاج أن الجزء هنا: البنات وأنشد: ؎ إِن أَجْزَتْ (حُرَّةُ) يَوْماً فَلاَ عَجَبَ ∗∗∗ قَدْ (تُجْزِىءُ الحُرَّةُ المِذْكَارُ أَحْيَاناً أي: إن ولدت إناثاً. وقال المبرد: الجزء: البنت. وقوله تعالى بعد الآية: ﴿أَمِ ٱتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ﴾، وقوله: ﴿وَجَعَلُواْ ٱلْمَلاَئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَاثاً﴾ يدل على صحة قول مجاهد والسدي. * * * وقوله: ﴿إِنَّ ٱلإنسَانَ لَكَفُورٌ مُّبِينٌ﴾، أي: إن الإنسان لجحود لنعم ربه، يتبين كفرانه للنعم لمن تأمله بفكر قلبه، وتدبر حاله. وهو هنا الكافر.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.