الباحث القرآني

جديد: تطبيق «تراث»
قال تعالى: ﴿حـمۤ * وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ﴾ - إلى قوله -: ﴿إِنَّكُمْ عَآئِدُونَ﴾، قد تقدم ذكر حم. * * * وقوله: ﴿وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ﴾ معناه، وحق الكتاب الظاهر، يعني: القرآن. وجواب القسم في قوله: ﴿وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ﴾ قوله: ﴿إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾. وقيل: ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ﴾. وقيل: لا يجوز أن يكون الجواب ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ﴾ لأنه صفة للمقسم به. ولا يكون صفة المقسم به جواباً للقسم. * * * ثم قال: ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾، يعني: القرآن أنزل إلى السماء الدنيا جملة ليلة القدر، وهي الليلة المباركة، ثم نزل على النبي ﷺ في نيف وعشرين سنة نجوماً، نجم بعد نجم، وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ﴾ [النجم: ١]، أي: والقرآن إذا نزل، وهو معنى قوله أيضاً: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥]، اي: أقسم بنزول القرآن و "لا" صلة. قال قتادة: الليلة المباركة: ليلة القدر. ونزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان، (ونزلت التوراة لست ليالٍ مضين من رمضان، ونزل الزبور لاثنتي عشرة ليلة مضت من رمضان)، ونزل الإنجيل لثماني عشرة ليلة مضت من رمضان، ونزل القرآن لأربع وعشرين مضت من رمضان. قال ابن عباس: أنزل الله عز وجل القرآن في ليلة القدر إلى السماء الدنيا جملة واحدة، ثم نزل به جبريل في عشرين سنة. وقيل المعنى: إنا ابتدأنا إنزاله في ليلة القدر. * * * وقوله: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾. قال عكرمة: هي ليلة النصف من شعبان فيها يبرم أمر السنة. وظاهر التلاوة يدل على أنها ليلة قدر تفرق فيها الأرزاق وتقضى الآجال إلى مثلها من قابل. قال أبو العالية: ليلة القدر بركة كلها، لا يوافقها عبد مؤمن يعمل إحساناً إلا غفر له ما مضى من ذنوبه. قال عكرمة: يكتب في ليلة النصف من شعبان الحاج حاج بيت الله الحرام فلا يغادر منهم أحدا ولا يزاد فيهم أحد. والبركة في اللغة: الثبات والدوام والزيادة. * * * وقوله: ﴿إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾، أي: منذرين خلقنا بهذا القرآن الذي أنزلناه في ليلة القدر أن يحل بهم العذاب بكفرهم. * * * ثم قال تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾، أي في تلك الليلة المباركة يقضى كل أمر محكم، وهو أمر السنة كلها، من يموت ومن يولد، ومن يُعَزُّ ومن يُذَلُّ، وغير ذلك. سئل الحسن: هل ليلة القدر في كل رمضان؟ فقال: أي، والله إنها لفي كل رمضان، وإنها الليلة التي يفرق فيها كل أمر حكيم، فيها يقضي الله كل أجل وأمل ورزق إلى مثلها، وهو قول مجاهد وقتادة، وقاله ابن عباس وغيره. وقيل معنى "يفرق": يفصل بين المؤمن والكافر والمنافق فيقال للملائكة هذا فيعرفونه. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "(تُقْطَعُ الآجَالُ) مِنْ شَعبَانَ إِلى شَعْبَانَ حَتَّى أَنَّ الرَّجُلَ لَيَنْكِحُ وَيُولَدُ لَهُ وَلَقَدْ خَرَجَ اسْمُهُ فِي المَوْتَى"، وَبِهِ قَالَ عِكْرِمَةُ: إِنَّهَا لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ. * * * ثم قال تعالى: ﴿أَمْراً مِّنْ عِنْدِنَآ﴾، أي: قضاء قضيناه، أي: أمراً نأمر به تلك الليلة. وانتصب أمراً على أنه مصدر في موضع الحال عند الأخفش، أي: إنا أنزلناه آمرين أمراً وراحمين رحمةً. وقال المبرد: نصبه نصب المصدر على معنى: أنزلناه إنزالاً فالأمر يشتمل على الإخبار. وقال الجرمي: هو حال من نكرة، وأجاز هذا رجلٌ مُقْبِلاً. وقال الزجاج: هو مصدر: والتقدير: فيها يفرق فرقاً فأمر، بمعنى: فرق. وقيل: إن "يفرق" يدل على "يؤمر" فانتصب "أمراً" على المصدر وعمل فيه المعنى. * * * وقوله: ﴿رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾. انتصب الرحمة على الحال - عند الأخفش -، ونصبه الفراء على أنه مفعول لـ "مرسلين"، وجعل "الرحمة" هي النبي ﷺ وأجاز الزجاج أن تنصبه على أنه مفعول من أجله. وقيل: هي بدل من "أمراً". وقيل: نصبها على المصدر. والمعنى: إنا كنا مرسلين رسولا وهو الرحمة. إن الله هو السميع لما يقول المشركون في رسوله، العليم بما ينطق (في علمه) ضمائرهم وغير ذلك من أمورهم. "وإنا أنزلناه جواب القسم. * * * ثم قال تعالى: ﴿رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ﴾، أي: الذي أنزل الكتاب على محمد ﷺ هو رب السماوات والأرض وما بينهما، أي: هو مالك ذلك كله ومبتدعه ومدبره. ﴿إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ﴾، أي: إن كنتم توقنون بحقيقة ما أخبرتكم به من أن ربكم رب السماوات والأرض. * * * وقوله: ﴿لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِـي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي: هو مالككم ومالك من مضى قبلكم من آبائكم الأولين. * * * ثم قال: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾، أي ما هم على يقين مما يقال لهم (لكنهم في شك منه، فهم يلعبون لشكهم. * * * ثم قال تعالى: ﴿فَٱرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ أي: فانتظر يا محمد) النقمة منهم وقت يحول بينهم وبين السماء دخان من شدة الجوع. بلغ بهم الجوع إلى أن كانوا يأكلون الغلهز، والغلهز أن يفقأ القُراد في الصوف. ويشوى ذلك الصوف بدم القراد ويؤكل. والقُراد: الحلم. فرحمهم النبي ﷺ وبعث إليهم بصدقة ومال. ومفعول: "فارتقب" محذوف، وهو النقمة وشبهها. وقيل: التقدير هذا عذاب أليم فارتقبه يوم تأتي، وفيه بُعْدٌ لحذف الهاء من غير صلة ولا صفة، ولأنه رفع "العذاب" مع حذف الهاء، وذلك لا يحسن إلا في الشعر. وقد حَلَّ (بقريش ذلك كله)، إذ دعا عليهم النبي ﷺ فقال: "اللَّهُمَّ سِنِينَ كَسِني يُوسُفَ" فأُخِذُوا بالجوع. فكان الرجل يحول بينه وبين النظر إلى السماء دخان من شدة الجوع، فيصير كهيئة الدخان، هذا قول ابن مسعود وغيره من المفسرين. وقيل: الدخان آية من آيات الله يرسله الله عز وجل على عباده قبل مجيء الساعة فيدخل في أسماع أهل الكفر ويعتري أهل الإيمان كهيئة الزكام، روي ذلك عن ابن عمر والحسن. وروى حذيفة بن اليمان أن النبي ﷺ قال: "أَوَّلُ الآياتِ الدُّخَانُ، وَنُزُولُ عِيسَى، وَنَارٌ تَخْرُجُ مِنْ قَعْرِ عَدَنُ أبين تَسُوقُ النَّاس إِلَى المَحْشَرِ تَقِيلُ مَعَهُمْ إِذا قَالُوا. قال حذيفة: يا رسول الله وما الدخان؟: فتلا رسول الله ﷺ: ﴿فَٱرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ - الآية، ثم قال: (يُمْلَكُ بِالدُّخَانِ) مَا بَيْنَ (المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ)، يَمْكُثُ أَرْبَعِينَ يَوْماً وَلَيْلَةً. أَمَّا المُؤْمِنُ فَيُصِيبَهُ مِنْهُ كَهَيْئَةِ الزَّكْمَةِ، وَأَمَّا الكَافِرُ فَكَهَيْئَةِ السَّكْرَانِ، يَخْرُجُ مِنْ مَنْخَرَيْهِ وَأُذُنَيْهِ وَدُبُرِهِ وقيل: إن الدخان هو ما ينتظر بهم يوم القيامة من العذاب، قاله زيد بن علي. * * * ثم قال: ﴿يَغْشَى ٱلنَّاسَ هَـٰذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، أي: يغشى ذلك الدخان الناس يقولون هذا عذاب أليم. * * * ثم قال: ﴿رَّبَّنَا ٱكْشِفْ عَنَّا ٱلْعَذَابَ إِنَّا مْؤْمِنُونَ﴾، أي: يقولون ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون. * * * ثم قال تعالى: ﴿أَنَّىٰ لَهُمُ ٱلذِّكْرَىٰ وَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مُّبِينٌ﴾، أي: من أي وجه لهم التذكر بالإيمان عند حلول العذاب بهم، وقد تولوا عما جاءهم به رسولهم. ﴿وَقَالُواْ مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ﴾، أي: علم هذا الذي جاءنا به ليس هو من عند الله. * * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا كَاشِفُواْ ٱلْعَذَابِ قَلِيلاً﴾، أي: إنا نكشف عنكم العذاب الذي نزل بكم بالخصب والرخاء وقتاً قليلاً، إنكم عائدون إلى كفركم إذا كشفناه عنكم، (وتنقضون ما عهدتم) به أنكم تؤمنون إذا كشف عنكم. وقيل معناه: إنكم عائدون في عذاب الله (في الآخرة) إن لم تؤمنوا. وقيل معناه: عائدون إلى الشرك.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.