الباحث القرآني

قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ ٱلْبَطْشَةَ ٱلْكُبْرَىٰ﴾ - إلى قوله - ﴿وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ﴾، أي: ننتقم منكم إن عدتم إلى كفركم عند كشفنا عنكم ما أنتم فيه من الجهد يوم نبطش البطشة الكبرى، وهو يوم بدر عند أكثر المفسرين، قاله ابن مسعود وابن عباس ومجاهد والضحاك وابن زيد وأبو العالية، وهو قول وهو قول أُبي بن كعب، أمكن الله عز وجل منهم المؤمنين يوم بدر فقتلوا منهم سبعين وأسروا سبعين. والعامل في "يوم نبطش": "منتقمون". وقيل: العامل فيه فعل مضمر، تقديره: اذكر يا محمد يوم نبطش. وهو الأحسن، لأن الظرف لا يعمل فيه ما بعد أن عند البصريين. وقيل التقدير: ننتقم يوم نبطش، ودل عليه "منتقمون". وفيه أيضاً بُعْدٌ لأن ما بعد "إنَّ" لا يفسر ما قبلها كما لا يفعل (ما بعدها) فيه. فإضمار "اذكر" أحسن الوجوه، وذلك أن الله جل ذكره كشف عنهم ما كانوا فيه من الجهد فعادوا إلى كفرهم فأهلكهم قتلا بالسيف يوم بدر. فيكون العامل في "يوم نبطش" فعلاً مضمراً يفسره "إنا منتقمون". ولا يحسن أن يعمل فيه "منتقمون"، لأن ما بعد "أن" لا يعمل فيما قبلها. ويجوز أن يكون العامل "اذكر" مضمرة. وقال عكرمة: البطشة الكبرى هي بطشة الله عز وجل بأعدائه يوم القيامة. وكذلك روى قتادة عن الحسن. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾، أي اختبرناهم وابتليناهم قبل مشركي قومك يا محمد. ﴿وَجَآءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾ يعني موسى ﷺ أي "كريم عند ربه عز وجل. وقيل كريم من قومه. وقيل: الفتنة في هذا العذاب. وفي الكلام تقدير وتأخير، والتقدير، ولقد جاء قوم فرعون رسول كريم. وفتناهم، أي: عذبناهم بالغرق، لأن العذاب - وهو الغرق - كان بعد مجيء موسى إليهم وإنذاره إياهم وكفرهم * * * ثم قال تعالى: ﴿أَنْ أَدُّوۤاْ إِلَيَّ عِبَادَ ٱللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾. قال ابن عباس معناه: (أن اتبعوني) إلى ما أدعوكم إليه يا عباد الله فيكون "عباد": نصب على النداء المضاف على هذا القول. وقال مجاهد معناه: أن أرسلوا معي عباد الله وخلوا سبيلهم، يعني بني إسرائيل. فينتصب "عباد" على أنه مفعول به "بأدوا" على هذا القول. قال قتادة: قال موسى لفرعون: (على من) تحبس هؤلاء القوم، قوما أحراراً (اتخدتهم عبيداً، خَلِّ) سبيلهم. قال ابن زيد معناه: أرسل عباد الله معي، يعني بني إسرائيل، وهو مثل قوله: ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ﴾ [طه: ٤٧]. وقيل التقدير: وجاءهم رسول أمين يقول لهم: أدوا إِليِّ عباد الله أي: خلوا سبيلهم إني لكم رسول من الله إليكم، أنذركم بأسه إن لم تؤمنوا، أمين على وحيه ورسالته إليكم. * * * ثم قال: ﴿وَأَن لاَّ تَعْلُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِنِّيۤ آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾، أي: وجاءكم رسول كريم بأن أدوا إلي عباد الله وبألا تعلوا على الله، أي: لا تطغوا على ربكم فتكفروا به. ﴿إِنِّيۤ آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾، أي: بحجة ظاهرة تدل على صحة ما جئتكم به. * * * ثم قال: ﴿وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَن تَرْجُمُونِ * وَإِن لَّمْ تُؤْمِنُواْ لِي فَٱعْتَزِلُونِ﴾، أي: قال لهم موسى": وإني اعتصمت واستعذت بربي وربكم من أن تشتمون بألسنتكم، قاله ابن عباس والضحاك. وقال أبو صالح: أن ترجمون معناه: أن تقولوا لي شاعر (أو كاهن) أو ساحر. وقال قتادة معناه: "أن ترجمون بالحجارة". وقال الفراء: "الرجم - هنا - القتل". استجار بالله عز وجل واعتصم به سبحانه من أن يقتلوه. ثم قال لهم: ﴿وَإِن لَّمْ تُؤْمِنُواْ لِي فَٱعْتَزِلُونِ﴾، أي: إذا أنتم لم تصدقون فيما أقول لكم فخلوا سبيلي (ولا تؤذون). وقيل معناه: فدعوني كفافاً، لا عَلَيَّ ولا لي. قال: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَـٰؤُلاَءِ قَوْمٌ مُّجْرِمُونَ﴾، أي: فدعا موسى ربه إذ كذبوه ولم يؤمنوا وهموا بقتله. وفي الكلام حذف تتصل الفاء به. والتقدير: فكفروا فدعا ربه ولو لم يكن هذا الإضمار لم تتصل الفاء بشيء ومثله الفاء في قوله: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي﴾. * * * قوله: ﴿أَنَّ هَـٰؤُلاَءِ﴾، أي فدعا ربه فقال إن هؤلاء قوم مجرمون لا يؤمنون بما جئتهم به. * * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلاً إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ﴾. في هذا الكلام حذف. والتقدير: فأجابه ربه عز وجل بأن قال له: فأسر بعبادي ليلاً، يعني: بني إسرائيل، أي: فأسر بعبادي الذين صدقوك وآمنوا بك ليلاً إنهم متبعون، أي: إن فرعون وجنوده من القبط يتبعونكم إذا سريتم من عندهم. * * * ثم قال: ﴿وَٱتْرُكِ ٱلْبَحْرَ رَهْواً﴾، أي: إذا قطعت البحر (أنت وأصحابك) فاتركه ساكناً على حاله حين دخلته. هذا لفظه لفظ الأمر ومعناه الخبر. لم يكن في (وسع موسى) ترك ذلك، ولم يكن الله عز وجل ليأمره بما لا يقدر عليه، فهو وعد من الله عز وجل لموسى أن يفعله له، وكأنه قال: ويبقى البحر على حاله ساكنا حتى يدخله فرعون وجنوده فيغرقون. قال ابن عباس، معناه: واتركه طريقاً. وقال الضحاك: سهلاً. وقال مجاهد معناه: واتركه ساكناً لا يرجع إلى ما كان عليه حتى يحصل فيه آخرهم، وهو معنى قول ابن عباس: اتركه طريقاً، وروي عن مجاهد أيضاً "رهواً": يابساً، وحكى المبرد: عيش (راهٍ، أي): خفض وادع. قال: فمعنى رهواً: ساكناً، حتى يحصلوا فيه وهو ساكن فلا (ينفروا منه). وقيل الرهو: المتفرق ويقال: جاء القوم رهواً، أي: على نظام واحد. وروي أن الله جل ذكره قال هذا لموسى بعد أن قطع البحر بنو إسرائيل. فعلى هذا القول يكون في الكلام حذف. والتقدير: فسرى موسى بعبادي ليلاً وقطع بهم البحر فقلنا له بعدما قطعه وأراد رد البحر إلى هيئته التي كان عليها قبل انفلاقه: اتركه رهواً، أي: ساكناً على حاله لا ترده إلى (هيئته الأولى) حتى يدخلوا كلهم فيه ويطمئنوا. هذا القول هو قول قتادة. قال قتادة: لما خرج آخر بني إسرائيل أراد نبي الله موسى عليه السلام أن يضرب بالبحر بعصاه حتى يعود كما كان مخافة أن يتبعه فرعون وجنوده، فقيل له: اتركه ساكناً على حاله إنهم جند مغرقون، فغرقهم الله عز وجل في البحر. * * * ثم قال تعالى: ﴿كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ﴾، أي: كم ترك آل فرعون - يعني: القبط المغرقين - من بساتين وينابيع ماء تتفجر في بساتينهم وزروع قائمة. ﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾، يعني: مقام الملوك والأمراء، كانوا يعظمونه ويشرفونه، يعني به المنابر، (قاله ابن عباس وقيل: هي المنازل الحسنة. ومعنى كريم: حسن). * * * ثم قال: ﴿وَنَعْمَةٍ كَانُواْ فِيهَا فَاكِهِينَ﴾، أي: وأخرجوا من نعمة كانوا فيها متفكهين. قال قتادة: فاكهين: ناعمين. وعن ابن عباس: فاكهين: فرحين والنعمة - بالفتح - التنعم. وقرأ أبو رجاء العطاردي والحسن "فَكِهينَ" بغير ألف، على معنى: كانوا فيها بطرين أشرين. * * * ثم قال: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ﴾، أي: هكذا فعلنا بهم أيها الناس، وأورثنا ما تركوا مما تقدم وصفه قوماً آخرين يعني: بني إسرائيل. * * * ثم قال تعالى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ﴾، أي: ما بكى عليهم حين هلكوا بالغرق أهل السماء، ولا أهل الأرض. ثم حذف. وقيل: إن بكاء السماء حمرة أطرافها. قال السدي: "لما قُتل الحسين بن علي عليه السلام بكت السماء عليه وبكاؤها حمرتها". وقال عطاء: "بكاؤها: حمرة أطرافها". وقيل: معنى ذلك أن المؤمن إذا مات بكت عليه السماء والأرض أربعين صباحاً، فأعلمنا الله عز وجل أنهم لم يكونوا مؤمنين فتبكي عليهم السماء والأرض. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "بَدَأَ الإسْلاَمُ غَرِيباً وَسَيَعُودُ غَرِيباً، أَلاَ لاَ غُرْبَةَ عَلَى المُؤْمِنِ [مَا] مَاتَ مُؤْمِنٌ في غُرْبَةٍ غَابَتْ عَنْهُ فِيهَا بَوَاكِيهِ إِلاَّ بَكَتْ عَلَيْهِ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ. ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ﴾ ثم قال: إِنَّهُمَا لاَ يَبْكِيَانِ عَلَى الكَافِرِ وممن قال أن السماء والأرض تبكيان على المؤمن ولا تبكيان على الكافر، علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) وابن عباس والحسن والضحاك وقتادة. قال ابن عباس: ليس أحد من الخلائق إلا له باب في السماء (ينزل منه) رزقه وفيه يصعد عمله، فإذا مات المؤمن فأغلق بابه من السماء ففقده بكى عليه، وإذا أفقده مصلاه من الأرض والموضع الذي كان يذكر الله عز وجل فيه بكى عليه. وإن قوم فرعون لم يكن لهم عمل صالح في الأرض ولا في السماء فلم يبك عليهم شيء حين هلكوا هذا معنى قوله. * * * وقوله: ﴿وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ﴾، معناه: لم يكونوا مؤخرين حين أتاهم العذاب وتم الأجل.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.